fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

بورصة أجساد النساء والقاصرات في أسواق الدعارة الأوروبية 

“كم سعر جسد امرأة أوروبية؟”، هو عنوان برنامج تلفزيوني ألماني يناقش أسباب استمرار تجارة الجنس في أوروبا، التي تقوم سياسات بلدانها على صون حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين.

تكشف بيانات دولية أن حوالى 500 ألف امرأة وفتاة يعملن في سوق الدعارة في أوروبا، غالبيتهن من دول البلطيق والبلقان وأوروبا الشرقية وروسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وتشير تقارير لهيئات أوروبية إلى أنه في ظل الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة في هذه الدول، من السهل اصطياد النساء الراغبات بتحقيق مستقبل أفضل، من دون أن يملكن معرفة وتجربة في تفاصيل الأوضاع الحقيقية في أوروبا، وشبكات الجريمة المنظمة وتهريب البشر ومافيا تجارة الجنس. وبالتالي يسهل استدراجهن والإيقاع بهن وإرغامهن على بيع أجسادهن في ظروف من العبودية الوحشية.

ظاهرة ازدياد عدد بائعات الهوى وغالبيتهن من ضحايا الاتجار بالبشر أثارت نقاشات محتدمة في الأوساط الاجتماعية والإعلامية الأوروبية بشكل عام، وحفز وسائل الإعلام على إفراد مساحات زمنية من برامجها لتناول هذا الموضوع المتشابك ونشر تحقيقات استقصائية عن الاتجار بأجساد النساء والقاصرات والقاصرين، وانتقالهم من دول أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق إلى أوروبا الغربية.

سجون الرقيق في قلب أوروبا

ألينا فتاة رومانية اضطرت إلى الفرار من بيت عائلتها حيث كان والدها المدمن على الكحول يذيقها مع أمها مرارة الحياة. ألينا التي عمرها 23 سنة صدقت زميل دراسة عرض مساعدتها في السفر إلى ألمانيا والعمل هناك في قطاع الخدمات العامة مقابل راتب شهري يصل إلى 1000 دولار، لكنها في نهاية المطاف وجدت نفسها في ماخور أجبرت فيه على تقديم الخدمات الجنسية للزبائن. تقول ألينا: “كنت أنام في غرفة مع ثلاث نساء أخريات، ليس فيها غير سرير واحد وكنا نتناوب على النوم عليه”. وأضافت: “كل ما رأيته في ألمانيا طيلة وجودي هناك هو محطة تعبئة المحروقات تقع على أحد الطرق الخارجية، وبجانبها نزل متواضع كنت والفتيات الأخريات نقيم فيه مع القوادين. وكان يُسمَح لنا بالخروج فقط إلى المحطة لشراء السندويشات والسجائر، وهذا يحصل بمرافقة حارس خشية هروبنا”. لم يكن بمستطاع ألينا وزميلاتها كما تقول طلب النجدة من دوريات الشرطة، فالقوادون كانوا يتباهون بعلاقاتهم مع عناصر الشرطة الذين كانوا يبلغونهم قبل القيام بمداهمة النزل!

تشير تقديرات بيانات منظمات ألمانية متخصصة إلى وجود أكثر من 200 ألف مومس في ألمانيا، وأن 65 إلى 85 في المئة منهن أجنبيات وغالبيتهن من رومانيا وبلغاريا. وذكرت منظمة Walk Free Foundation، أن 40 مليون شخص في العالم يعيشون العبودية، 167 ألفاً منهم في ألمانيا، أي 0.2 في المئة من عدد السكان المحلي. ووفقاً للمدير التنفيذي للفرع الالماني لمنظمة International Justice Misson، ديتمار رولر فإن “العبودية في الماضي قامت على أسس يحددها القانون، تعترف بملكية شخص شخصاً آخر، أما الآن فهي محرمة وممنوعة، ولكنها مثل الحرباء تتلون بأشكال متعددة لكي تحافظ على حضورها، وحتى افتراضياً من خلال الانترنت”.

ألمانيا ماخور أوروبا

حددت مؤسسة Walk Free Foundation، الأشكال الأساسية للعبودية المعاصرة أو الراهنة في الآتي: إن البشر ليسوا بوضع يمكنهم فيه تجنب الاستغلال في ظل التهديد متعدد الاشكال، أو العنف الجسدي، واستخدام السلطة لأغراض شخصية”. وكان مصطلح “العبودية الحديثة” ظهر في التداول خلال السنوات الأخيرة، وهو يستخدم عند الحديث عن الأشكال المختلفة للخنوع والخضوع والاستغلال كما في حالات الإتجار بالبشر، أو العمل الإجباري أو الزواج بالإرغام والقوة.

لم يعد مصطلح العبودية الحديثة يقتصر على دول مثل قطر أو ليبيا أو الكونغو، إذ نبه تقرير صادر عن المجلس الأوروبي إلى أن “الاتجار بالبشر والعمل الإستعبادي أخذا يغزوان دول أوروبا، وخصوصاً تهريب البشر لاستخدام اليد العاملة والاتجار بالجنس وبأشكال متعددة”. وبحسب بيانات شرطة الجنايات الألمانية فإن “استغلال اللاجئين كعبيد يحصل خصوصاً في قطاعات الزراعة وتربية الحيوان وأعمال البناء والمقاولات والمواصلات والنقل”. ووثقت الأجهزة المعنية في العام الماضي 180 حالة لضحايا الاستغلال العبودي، غالبيتهم من مواطني دول أوروبا الشرقية.

تشير تقديرات بيانات منظمات ألمانية متخصصة إلى وجود أكثر من 200 ألف مومس في ألمانيا، وأن 65 إلى 85 في المئة منهن أجنبيات وغالبيتهن من رومانيا

ينتشر الاستغلال الجنسي بشكل واسع في ألمانيا، إلى حد أن رولر وصف بلاده بأنها “ماخور أوروبا”. ويرتفع عدد النساء المضطرات إلى ممارسة الدعارة بحسب الشرطة الجنائية بشكل لافت في السنوات الاخيرة. من الصعب بحسب مسؤولي الشرطة الجنائية إعطاء بيانات دقيقة عن حالات الانضمام إلى سوق تجارة الجنس على مستوى الفيدرالية والأرقام التي تعلن يمكن الإقرار بأنها متواضعة قياساً إلى الواقع وإلى الحالات التي لا يمكن التبليغ عنها أو اكتشافها من قبل الشرطة”.

إن المشكلة التي تواجهها السلطات الأمنية هي أن الاستعداد للإبلاغ عن الجرائم الجنسية يبقى ضعيفاً، إذ كشفت دراسة لوزارة شؤون العائلة في ألمانيا عام 2012، أن 8 في المئة فقط من ضحايا العنف الجنسي يتوجهون إلى الشرطة. ويبقى الرقم المحتمل للتجاوزات في الوسط الشخصي والمهني، بحسب الخبراء عالياً. ويقول خبراء “إن الغرباء يواجهون خطر الإبلاغ عنهم أكثر بكثير مقارنة مع السكان الأصليين”. وفي دراسة أجريت عام 2017 وشملت 20000 شاب ألماني، تبين أن 18 في المئة فقط من ضحايا الاستغلال الجنسي يقدّمون شكاوى عندما يكون الجاني من السكان الأصليين، لكن 44 في المئة يفعلونها عندما يتعلق الأمر بشخص أجنبي.

غالينا: العبودية الحديثة المعولمة

غالينا شابة من بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، ترعرعت في عائلة تهتم بالثقافة والفنون، وتخرجت من معهد إعداد الممرضات، ولكن الراتب الذي كانت تحصل عيه من عملها لا يكفي للعناية بطفلتها وأمها العاطلة من العمل، فالأوضاع المعيشية في بلادها متردية للغاية. ولم يكن أمامها خيار آخر غير البحث عن فرصة عمل أفضل في الخارج. ولجأت إلى أحد معارفها الذي وعدها بتوفير عمل لها في بولندا كمربية أطفال، إلا أنه باعها لعصابة لتهريب البشر ووجدت نفسها في ألمانيا في دار للدعارة، حيث أُرغمت على بيع جسدها للغرباء بالقوة.

وإحدى الحقائق التي لا يمكن تجاوزها هي أن القوانين والتشريعات في ألمانيا تعتبر أصحاب المواخير تجاراً وأصحاب مشاريع، لا تختلف عن غيرها من الاستثمارات سوى بنوع بضاعتها، وهؤلاء يتمتعون مثل غيرهم من رجال الأعمال بحماية الدولة كون تجارتهم قانونية. وكان أحد مالكي الفنادق الواقعة وسط البلد وصف عمله لموقع “دويتشه فيلله” قائلاً: «أنا وسيط أبيع ما أشتريه وأوفر في الوقت ذاته الحماية للعاملات عندي”.

وكانت دول أوروبية أصدرت تشريعات تمنع الدعارة وتحظرها مثل فرنسا وايرلندا والسويد. ومنذ عام 2017 اضطرت ألمانيا تحت ضغط منظمات المجتمع المدني إلى إصدار قانون حماية الدعارة الذي تنص بنوده على حماية النساء من العنف والإكراه الجنسي، وفرض حصول بيوت الدعارة على ترخيص بالعمل، وقيام بائعات الهوى بتسجيل أنفسهن كمقدمة للحصول على تصريح رسمي بالعمل. ويرى خبراء أن القانون الألماني هو من أكثر قوانين الدعارة المعمول بها في العالم ليبراليةً، ويرون أن “ألمانيا ليست إلا ماخور أوروبا”.

تعمل وزارة العدل الألمانية على تحديد نطاق الإعلانات الجنسية، ومقترحاتها بهذه الصدد أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط الاجتماعية الواسعة، مقابل انتقادات من الأوساط السياسية والإعلامية التي اعتبرتها ضيقة الافق وغير ناجعة. وذكرت مجلة “دير شبيغل” الألمانية أن هدف المقترحات “خلق صورة مختلفة عن الجنس”. وقال أستاذ الإعلام في معهد آخن التقني العالي RWTH، سفين كومير: “لا أعتقد أن الحظر مفيد وقرار صائب، فهل يمكن أن نحل مشكلة تدخين الأطفال بمجرد منع إعلانات السجائر؟”.

كشفت دراسة لوزارة شؤون العائلة في ألمانيا عام 2012، أن 8 في المئة فقط من ضحايا العنف الجنسي يتوجهون إلى الشرطة.

تنشط جمعيات مثل Hydra وBUFAS على مساواة الدعارة بأشكال العمل الأخرى، وهي ترفض حظر شراء الجنس بشكل صارم. وقالت سيمونا فيقراتس من Hydra، إنه “لم يعد بإمكان النساء الدفاع عن أنفسهن بشكل صحيح، لأنهن يعملن ضمن نطاق غير قانوني ومنبوذ اجتماعياً”. وأضافت: “إذا أقحم المرء في زاوية قذرة ولم يستطع التحدث، فهو غير محمي، لهذا تجد النساء أنفسهن في ظروف أكثر صعوبة”.

ساندرا نوراك: معركة التجربة

ساندرا نوراك (اسم مستعار)، عملت 6 أعوام في بيوت الدعارة عندما كانت قاصراً. في السابعة عشرة من عمرها التقت رجلاً يكبرها سناً، خدعها بوعوده المعسولة بالحب والزواج وتكوين عائلة محترمة، فتركت المدرسة وانتقلت للعيش معه، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى وجدت نفسها في عالم الدعارة، حيث تحتم عليها تقديم المتعة الجنسية إلى أكثر من 400 رجل، خلال أربعة أسابيع كما أبلغت موقع “دويتشه فيلله”.

تعمل نوراك الآن في منظمة تكافح لحظر الدعارة التي تعتبرها “عنفاً وانتهاكاً لكرامة الإنسان”.

لم يعد سراً أن العالم (المتحضر) يغمض عينيه ليس فقط أمام جرائم المنظومة الحاكمة وقتلها شعوبها، وتغطّي على الميليشيات المسلحة العابرة للدول التي تمولها حكومات وأنظمة لديها تمثيل ديبلوماسي دولي، إنما أيضاً تغض الطرف عن ظاهرة زج الفتيات والفتيان، إضافة إلى القاصرين، في تجارة الجنس المعولمة من بيْت دعارة إلى آخر، وإرغامهم على ممارسة البغاء تحت التهديد والإكراه. وقضية “بولينبيرغ” Bolenberg، التي أحيلَت إلى القضاء السويسري، سلّطت الضوء على الرابط القاتم بين الدعارة والاتجار بالبشر- الأمر الذي يُثير قلقاً متزايداً، باعتبارها واحدة من أكبر قضايا الإتجار بالبشر ليس في سويسرا وحدها، بل في العالم، وأحيلَت هذه القضية أمام المحكمة المختصّة في مطلع شهر نيسان/ أبريل 2014.

وكانت وُجِّهت تُهمة الإتجار بالبشر والتحريض على الدعارة، إلى 9 رجال وامرأة، بعد مداهَمة الشرطة بيت دعارة “بولينبيرغ” في كانتون شفيتس، فضلاً عن بيت دعارة آخر في بلدية “نيداو” في كانتون برن.

الحملة التي نفَّذتها الشرطة كشفت عن وجود صورة قاتمة لهذه المِهنة. فقد عُثِرَ على أكثر من 20 امرأة يعملْن في الدّعارة، في ظل ظروف قسرية على مدى 8 أشهر. وصودرت جوازات سفر بعض اللاّتي تمّ تجنيدهُن في بلغاريا ورومانيا وجمهورية التشيك من قبل سماسِرة، كما كُنَّ يُـؤجَّرن إلى بيوت دعارة أخرى للعمل. خوسيه منديس بوتا، رئيس لجنة تكافُـؤ الفرص بين الرجال والنساء في الجمعية البرلمانية التابعة لمجلس أوروبا ومقرر المجلس، قال في تقريره: “إن جميع المعلومات تُـشير إلى حقيقة تتمثل في أن غالبية المُومسات في الوقت الحاضر، مُرغَـمة على مزاولة هذا العمل، لافِتاً النظر إلى أن معظمهن من خلفيات فقيرة”، وأضاف: “الاعتقاد بأن معظم الدعارة طوعية، هو خرافة برأيي. فالذين يختارون “هذه المهنة” بمحْض إرادتهم، يُـشكِّلون أقلية صغيرة”.

تنتشِر جريمة الاتجار بالبشر في أوروبا، على نطاق واسع. ويُقَدَّر عدد الضحايا سنوياً، بحوالى 70000 إلى 140000 شخص. ومن بين كلّ خمسة ضحايا، يتم الإتجار بأربعة أشخاص لأغراض الاستغلال الجنسي، معظمهُم من النساء والفتيات والأطفال القاصرين.

عام 2013، أعلِن عن 61 حالة للإتجار بالبشر في سويسرا، غالباً لأغراض الاستغلال الجنسي. وعام 2012، بلغ عدد الحالات المُعلَن عنها 78 حالة، ومعظم الضحايا من رومانيا والمجر وبلغاريا وتايلاند.

وتشير حقيقة تعامُل الشرطة الفيدرالية مع التحقيقات الوطنية والدولية المتعلقة بـ345 حالة عام 2012، إلى النِّطاق الواسِع لحدوث هذه الجريمة.

“الجنس مقابل الغذاء” في مراكز إيواء دمشق وريفها

إقرأ أيضاً