بن سلمان وخاشقجي ومشروع “أمازون” الذي تجمّد في الصحراء

ترجمة – Washington Post
نوفمبر 8, 2019
كانت العلاقة بين "أمازون" والمملكة العربية السعودية تبدو مثالية، غير أنه بعد عام من مقتل جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين، بدَا وكأن هذه الشراكة تراجعت.

كانت العلاقة بين “أمازون” والمملكة العربية السعودية تبدو مثالية، إذ كانت لدى الطرفين طموحات في لعب دور أوسع على صعيد الاقتصاد العالمي. المتجر الإلكتروني الأشهر في العالم وثاني أكبر منتج للبترول في العالم تحرّكا بقوة في السنوات الأخيرة لإتمام صفقة قوامها مليار دولار أميركي، لإنشاء مراكز بيانات تابعة لـ”أمازون” في المملكة.

غير أنه بعد عام من مقتل جمال خاشقجي -الصحافي في “واشنطن بوست”- على يد عملاء سعوديين، بدَا وكأن هذه الشراكة تراجعت. لم يتم إنشاء مراكز البيانات، وقال مسؤولون في “أمازون” إن مباحثات الصفقة لم تُحرز أي تقدُّم هذا العام.

وحينما يتوافد عشرات من مديري الشركات الأميركية الكبرى على الرياض يوم الثلاثاء لحضور مؤتمر استثماري يمثّل عودة ولي العهد محمد بن سلمان إلى الساحة العالمية، لن يكون مؤسس “أمازون” جيف بيزوس أو أي من كبار المديرين في شركته من ضمن الحضور، وفقاً لما ذكره مسؤول في “أمازون” مطلع على خطط الشركة.

مع أن أيّاً من الطرفين لا يصرّح بانقطاع العلاقات بين “أمازون” والمملكة إلى أجل غير مسمى، جاء تجميد ما كان يبدو علاقةً واعدة بعد سلسلة من الأحداث الساخنة المتسارعة: مقتل خاشقجي في إسطنبول، وتعرض أغنى رجل في العالم -الذي يمتلك واشنطن بوست أيضاً- لحملة واسعة من الانتقادات من الكتائب الإلكترونية عبر الإنترنت.

بعدما نشرت صحيفة “ناشونال إنكوايرر” في وقت سابق من هذا العام تفاصيلَ فضيحة تتعلق بعلاقة بيزوس الغرامية، صرح الملياردير أن الصحيفة هدّدت بنشر صور فاضحة له ما لم يعلن أنه لم تكن هناك دوافع سياسية خلف نشر الصحيفة للقصة.

إلّا أن بيزوس لم يكن ليقدم مثل هذا التنازل، وقد زعم غافين دي بيكر، المستشار الأمني الذي يتعامل معه بيزوس، أن الحكومة السعودية “استطاعت اختراق هاتف بيزوس والحصول على معلومات خاصة”. وقال دي بيكر إنّ “الحكومة السعودية قصدت الإضرار ببيزوس منذ أن بدأت واشنطن بوست التحقيق في قضية مقتل خاشقجي”.

لم تظهر، في الأشهر التي تلت ذلك، أي أدلة تدعم نظرية توظيف السعودية معلوماتٍ حصلت عليها من اختراق هاتف بيزوس في شنّ حملة على الملياردير، بما في ذلك -على الأرجح- الصور التي هددت إنكوايرر بنشرها. وقد نفت إنكوايرر وجود أي دور للسعودية في تحقيقاتها عن العلاقة الغرامية. إضافةً إلى هذا، لم توجه النيابة العامة في نيويورك أي اتهامات في التحقيقات التي أجريت في صحة الادعاءات بتورط السعودية في تلك القضية.

بعد عام على مقتل خاشقجي، لا تزال جذور الجفاء الذي أصاب العلاقة بين بيزوس والسعودية محل نقاش. يقول رجال أعمال ومطلعون على الشأن السعودي إن العداء السعودي تجاه بيزوس يرجع إلى قرار الملياردير بالانضمام إلى آخرين في ازدراء المؤتمر الدولي الذي يشرف عليه ولي العهد، والذي يعرف باسم “دافوس في الصحراء”، والذي انعقد العام الماضي وسينعقد من جديد. بينما يرى آخرون أن سبب العداء هو اعتقاد السعوديين الخاطئ أن بيزوس هو من قام بإدارة تغطية واشنطن بوست قضيةَ مقتل خاشقجي.

بعد عام على مقتل خاشقجي، لا تزال جذور الجفاء الذي أصاب العلاقة بين بيزوس والسعودية محل نقاش.

أثناء الفترة التي نشرت فيها إنكوايرر القصة، استُهدِف بيزوس بحملة هجومية على “تويتر” انطلقت من السعودية، في ما بدا أنه بتنسيق ما مع الصحيفة، وهو تكتيك لطالما انتقده خاشقجي في مقالاته عن النظام في بلاده، الذي كان يرى أنه نظام فاسد. قُبيل مقتله، كان خاشقجي يحاول المساعدة في تمويل مؤسسة داعمة للديموقراطية كان من المنتظر أن تساند المنشقين السعوديين وتواجه الكتائب الإلكترونية التي تردد آراء الحكومة كالببغاوات.

في تدوينة كتبها في وقت سابق من هذا العام، قال بيزوس -الذي رفض إعطاء تصريحات لهذا المقال- إن امتلاكه صحيفة “واشنطن بوست” يُعقّد الأمور بالنسبة إليه، وأضاف أن “هناك أصحاب نفوذ من الذين تشملهم تغطية واشنطن بوست قد يظنون خطأ أنني أنا عدوّهم”.

سباق من أجل التوسع

نمت منصة Amazon Web Services، المتخصصة في الحوسبة السحابية لتصبح أكثر أقسام شركة بيزوس ربحاً، إذ تحقق أرباحاً أكثر مما تجمعه أمازون من المبيعات عبر الإنترنت ووحدة الإنتاج التلفزيوني وأجهزة كيندل وأليكسا في أميركا الشمالية مجتمعِين. وحققت المنصة 25.7 مليار دولار في عام 2018 -وهو ما يزيد عن أرباح ماكدونالدز- بزيادة 47 في المئة عن العام الذي سبقه (2017). توقعت التحليلات أن تأتي معظم أرباح AWS من الخارج. ولأن لها عملاء في 172 دولة وموظفين 35 دولة، فقد حققت نمواً سريعاً على الصعيد العالمي لدرجة أنها كانت توظف في الخارج بالمعدل الذي توظف به داخل الولايات المتحدة في العام الماضي.

قال أندي جاسي، رئيس المنصة، في مؤتمر عُقِد مؤخراً “نحن لا نزال في مرحلة البداية”.

في ظل منافسة مايكروسوفت وغوغل، أكبر منافسَين لها، استهدفت AWS الشرقَ الأوسط وبخاصة المملكة العربية السعودية كجزء من خطتها التوسعية التالية. فالشركات الثلاث تجوب العالم بحثاً عن أماكن لإنشاء مراكز بيانات يمكنها توفير خدمات الحوسبة للشركات العملاقة والشركات الناشئة والأجهزة الحكومية بجميع أحجامها وأنواعها.

يحتاج عمالقة الحوسبة السحابية هؤلاء إلى الوصول إلى مصدر طاقة يُعتمد عليه وبنية تحتية كهربائية وأرض بتكلفة معقولة وعدد متزايد من الشركات التي تشتري خدماتها. تحقق السعودية جميع هذه الشروط. فالمملكة ليست واحدة من أغنى الدول في الشرق الأوسط فحسب، بل إن اقتصادها المتنوع وحقيقة أن حوالى 60 في المئة من سكانها تقل أعمارهم عن 30 سنة، يوفران فرصة لتحقيق نمو هائل.

بعد 8 أشهر من إدارة ترامب، أعلنت خدمات “أمازون ويب” عن خططها افتتاح أول مركز بيانات لها في الشرق الأوسط في البحرين واستضافة أول قمة إقليمية هناك. في الأشهر التالية، ظهرت تقارير في وسائل الإعلام المالية في جميع أنحاء العالم تفيد بأن المملكة العربية السعودية ستكون الوجهة التالية أو أنها قد تتفوق على جارتها.

وذكرت التقارير أن “أمازون” كانت على وشك إتمام صفقة بقيمة مليار دولار لبناء ثلاثة مراكز بيانات في المملكة العربية السعودية، كان من المحتمل الإعلان عن الصفقة خلال زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة في أوائل عام 2018.

فقد بدا حينها أن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تزداد قرباً وتوثقاً. فقد اختار الرئيس الأميركي الجديد السعودية وجهة لأول رحلة خارجية له. وصف الأمير السعودي ترامب بأنه “الرئيس الذي سيعيد أميركا إلى المسار الصحيح”. في وقت لاحق من عام 2017، عندما ظهرت تقارير تفيد بأن محمد -الذي يشار إليه في الصحافة الأجنبية في كثير من الأحيان باسم MBS- ووالده، الملك سلمان، قد سجنا مئات من المنافسين السياسيين ومديري الأعمال التنفيذيين، غرد ترامب على “تويتر” داعماً لهما وقال “لدي ثقة كبيرة في الملك سلمان وولي عهد المملكة العربية السعودية، لأنهما يعرفان ما يفعلانه”.

بنى الأمير علاقة وثيقة مع صهر ترامب، جاريد كوشنر. وبدأ يقمع بعض مظاهر التطرف الديني التي حدت من مشاركة بلاده في الاقتصاد العالمي.

عندما أعلنت المملكة العربية السعودية أنها ستسمح للنساء بالعمل والدراسة من دون إذن أزواجهن أو آبائهن في أيار/ مايو 2017، أشادت مديرة المبيعات الحكومية في خدمات “أمازون ويب” تيريزا كارلسون، بهذه الخطوة، وغردت على “تويتر” مستخدمة الوسمين #progress (تقدم) و#KeepPushingHard (واصلوا الضغط بقوة).

تتودد كارلسون التي نشأت في كنتاكي واكتسبت حبها للرياضة الجامعية وسباق الخيل والبربون من موطنها، إلى القادة الأجانب لدفعهم إلى التعاون مع “أمازون” في مشروع توسعة الخدمات السحابية الخاص بالشركة. قال شخصان عملا معها في شركة أمازون، بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، إن كارلسون عملت بقوة لعقد صفقة إنشاء مراكز بيانات في السعودية بعد انضمامها إلى الشركة عام 2010 بفترة وجيزة، ورفضت خدمات “أمازون ويب” السماح لكارلسون بإجراء مقابلة أو الإجابة على أسئلة حول دورها في المحادثات مع السعودية.

دللت “أمازون” على اهتمامها بالمنطقة من خلال شراء سوق “دوت كوم” في دبي، وهو موقع للتجارة الإلكترونية تم تغيير اسمه إلى موقع “أمازون دوت كوم”، للوصول إلى أسواق البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في السعودية والإمارات العربية المتحدة. كانت هذه أغلى عملية شراء أجنبية لشركة أمازون على الإطلاق إذ بلغت قيمتها 580 مليون دولار، ويدل هذا على مدى اهتمام الشركة بالمنطقة.

كانت السعودية واحدة من أكبر المنفقين على الحوسبة السحابية في الشرق الأوسط وأفريقيا. قال كبير المحللين في شركة الأبحاث “غارتنر”، تيني هاينز “من بين الدول الست في مجلس التعاون الخليجي تعتبر المملكة العربية السعودية المكان الأنسب لتأسيس مركز بيانات”.

كانت للسعودية طموحاتها الخاصة. فقد صرح محمد بن سلمان عام 2016 أنه “في غضون 20 عاماً، سنكون اقتصاداً أو دولة لا تعتمد اعتماداً أساسياً على النفط”.

سعى السعوديون إلى تحويل جزء من أصولهم البترولية الهائلة إلى قطاعات متنوعة عبر تعميق علاقاتها بالغرب والاستثمار في شركات التكنولوجيا الأميركية على وجه الخصوص.

بنى الأمير علاقة وثيقة مع صهر ترامب، جاريد كوشنر. وبدأ يقمع بعض مظاهر التطرف الديني التي حدت من مشاركة بلاده في الاقتصاد العالمي.

أثناء زيارة محمد بن سلمان للولايات المتحدة العام الماضي، ذكرت تقارير إخبارية في الكثير من الدول أن جدول أعماله يتضمن لقاءً أخيراً لإبرام صفقة مع شركة أمازون لبناء مراكز البيانات. خلص بعض المحللين والعاملين في شركة أمازون إلى أن الصفقة كانت وشيكة عندما وافق بيزوس على مقابلة ولي العهد خلال زيارته في آذار/ مارس من العام الماضي.

قال أحد الأشخاص الذين عملوا مع كارلسون في “أمازون”: “لا يجتمع بيزوس مع شخص إلا إذا قيل له إنه يمثل فرصة كبيرة. فهو معروف برفضه الاجتماع مع رؤساء الدول. ولم يكن ميالاً للمصافحة الودودة. لا بد وأنهم كانوا على وشك إتمام شيء ما”.

علاقة معقدة

بعد 7 أشهر من زيارة الأمير أميركا، مات خاشقجي. لم تلغ صفقة مراكز البيانات رسمياً، لكنها لم تعرف تقدماً أيضاً.

قال مسؤول مطلع على خطط أمازون، إن الجهود الطويلة لبناء منشآت خدمات أمازون ويب في المملكة العربية السعودية لم تشهد أي تقدم. وقال مسؤول في شركة “أمازون” إن بيزوس أو أي مسؤول آخر من المسؤولين التنفيذيين في أمازون أو خدمات “أمازون ويب” لن يحضروا مبادرة مستقبل الاستثمار، وهو المؤتمر الاقتصادي الذي ينظمه ولي العهد والذي سيبدأ يوم الثلاثاء.

قال مسؤول مقرَّب من بيزوس، ويعرف طريقة تفكيره، إنّ بيزوس يقف إلى جانب تلك المزاعم حول إنكوايرر والسعوديين. ورفض متحدّثٌ باسم مكتب المدّعي العام الأميركي في المقاطعة الجنوبية من ولاية نيويورك التعليقَ على التحقيق الذي أجراه المكتب حول العلاقات بين السعوديين وإنكوايرر.

وَفقاً لأناس مطّلعين على أسلوب تفكير بيزوس، فإنّ أحد “معقِّدات” العلاقات بين بيزوس والحكومة السعودية هو العقد الذي وقّعته واشنطن بوست مع جمال خاشقجي الذي فرّ إلى الولايات المتحدة لطلب اللجوء السياسي. كان أول عمود كتبه في الصحيفة بعنوان “لم تكن المملكة دائماً بهذا المستوى من القمع، والآن وصلت إلى مستويات لا تُطاق”.

إضافةً إلى هذا، دخل بيزوس في علاقة غير شرعية مع لورين سانشيز، وهي طيّارة ومذيعة تليفزيونية سابقة.

بعد أقلّ من أسبوعين من مقتل خاشقجي، ظهرت موجة من التغريدات باللغة العربيّة، وأصلها من المملكة العربية السعودية، مناهِضةً لبيزوس مهاجِمةً “أمازون” و”واشنطن بوست”.

هاجمت بعض التغريدات بيزوس بصفته “يهوديّاً”، على رغم أنه ليس كذلك. وهناك تغريدة أخرى من تلك التغريدات العدائية تقول “نحن السعوديون لن نقبل أبداً أن تهاجمنا صحيفة واشنطن بوست في النهار، ثم نتسوّق ليلاً من أمازون وسوق.كوم”، وتغريدة ثالثة تقول “من الغريب أنّ الشركات الثلاث كلها يملكها اليهودي نفسه الذي يهاجمنا نهاراً ويبيعنا المنتجات والبضائع ليلاً”.

بدأت علاقة المملكة العربية السعودية بتويتر والمنصّات الاجتماعية الأخرى بجديّة مع انطلاق الربيع العربي عام 2011 حين هزّ متظاهرون شباب مؤيّدون للديموقراطية الأنظمة الاستبدادية بدءاً من تونس حتّى البحرين. إلّا أنّ التحدّي الموجّه لحكومة المملكة جاء في الأساس عبر الإنترنت وليس من خلال تظاهرات واحتجاجات الشوارع.

تواصلت الانتقادات المباشرة للنظام على “تويتر” في أوساط السعوديين حتى وصول محمد بن سلمان إلى السلطة في العام 2017، فقام بقمع المعارضة الإلكترونية. وكان السجنُ أو المنافي مصير كثيرين من المعارضين المعروفين، فيما انضمّ آخرون إلى الحملة الدعائية الحكومية أو أصبحوا هدفاً “للكتائب الإلكترونيّة” غير الرسميّة، وهي مجموعة من المغرّدين المؤيدين للحكومة يشنّون هجمات منسّقة، على ما يبدو، ضد مَن يرونهم أعداءَ النظام.

وفقاً لتقرير بحثي أعدّه لموقع “تويتر” إياد البغدادي، وهو فلسطيني مقيم في النرويج قضى سنواتٍ في متابعة النشاط الإلكتروني للحكومة السعودية، غمرَ “ذوي النفوذ” ووسائلُ الإعلام المؤيدة للحكومة الفضاءَ الإلكتروني بمحتوى دعائي، مدعومةً بجحافل من الحسابات الوهمية، التي تشمل حسابات البوت والكتائب الإلكترونية. وأضاف “هذه الآلة الدعائية تبدو توجّهاً مركزيّاً، إذ تعمل أجزاء مختلفة منها من أجل ضخ الدعاية وحشد أي حسابات مستقلّة لدمجها في المنظومة، مع تهديد وترويع” المعارضين.

وقال البغدادي، الذي كان يعمل مع خاشقجي على دراسة عن الدعاية السعودية، إنه ساعد دي بيكر وبيزوس في تحقيقاتهما. وأشار تقرير البغدادي إلى سعود القحطاني، أحد كبار مستشاري وليّ العهد السعودي، باعتباره “رئيس الجهاز الدعائي ومدير الكتائب الإلكتروني”. وكان القحطاني، المتّهم بالمساهمة في التخطيط للعملية التي أدّت إلى مقتل خاشقجي، قد استخدم “تويتر” لتحذير المعارضين السعوديين بالقول “لن تستطيعوا التخفّي وراء حسابات وهمية”، داعياً “المواطنين الشرفاء” للإبلاغ عمّن ينتقد الحكومة على الإنترنت.

بعد هروبهم من المملكة، وَصف أعضاء سابقون في شبكة الكتائب الإلكترونية أنفسَهم -في تقرير البغدادي- بأنّهم رُسل مأجورون يُملي عليهم رؤساؤهم المرتبطون بالحكومة ما سيقولونه على الإنترنت ويعطونهم أسماءَ الأشخاص الذين عليهم استهدافهم وإزعاجهم.

يقول علي الأحمد، وهو محلّل سياسي سعودي يقيم في واشنطن وينتقد النظام السعودي، إنّ “الكتائب الإلكترونية السعودية قد تكون الأفضل تنظيماً في العالم. فقد أنشأت الحكومة ملايين الحسابات الوهمية والحقيقية على موقع تويتر، ولديهم مستودع كامل في الرياض يعمل فيه آلاف الأشخاص”.

قال متحدّث باسم موقع تويتر إنّ الشركة في هذا الشهر قد “اتخذت إجراءات تجاه مئات الآلاف من الحسابات العشوائية السعودية” التي لا تتوافق مع معايير تويتر التي تتطلّب أن تكون العمليّات المعلوماتية المدعومة من الدولة شفّافة بشأن علاقاتهم مع الحكومة.

أعلن “تويتر” أيضاً أنّه اكتشف 6 حسابات مرتبطة بوسائل إعلامية سعودية تديرها الدولة، وأوقفها بصورة دائمة. وقال الموقع في تدوينة إن هذه الحسابات “تقدّم نفسها على أنها نوافذ صحافية مستقلة، ولكنها تغرّد بروايات مؤيدة للحكومة السعودية”.

بدأت الهجمات الإلكترونية على بيزوس بُعيد مقتل خاشقجي، وذلك من خلال حسابات سعودية على تويتر. تضاعفت تلك الهجمات بعدما نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالاتٍ افتتاحية وأعمدةً صحافية تُلقي باللائمة في قضية مقتل خاشقجي على الحكومة السعودية مباشرة.

وقال المستشار الأمنى لبيزوس في تصريح لـDaily Beast إن السعوديين انتقدوا الملياردير لسببين، وهما تقارير “واشنطن بوست” عن مقتل خاشقجي، ولأن بيزوس ألغى حضوره مؤتمر “دافوس الصحراء” الذي نظّمه محمد بن سلمان.

وقال الأحمد: “يبدو أن بيزوس مستهدف من قبل السعوديين. فمحمد بن سلمان يُشخصِن الأمور، فما فعلته واشنطن بوست بتوظيف جمال خاشقجي قد أخِذ على أنه إهانة شخصية له، وأدّى هذا إلى شنّ هجمات على بيزوس”.

في ذاك الخريف، جهزت صحيفة “إنكوايرر” فضيحتها حول علاقة بيزوس الغرامية. ونشرتها يوم 9 كانون الثاني/ يناير، وأدت القصة إلى تجدد الحملة الهجومية التي تستهدف بيزوس على موقع “تويتر” من قبل حسابات سعودية. وجاء في تغريدة نموذجية نشرها حساب على “تويتر” باسم جيري ماهر “جيف بيزوس حرض على السعودية وقيادتها وشعبها لأسابيع عبر صحيفة واشنطن بوست التي يملكها، فجاءته فضيحة خيانة زوجته من جهة، وخسر نصف ثروته في تسوية الطلاق بعد الفضيحة من جهة أخرى. باختصار شديد، من يعادي السعودية يكفيه أن يفضحه الله ويكسره وينهيه”.

ووفقاً لتقرير البغدادي، فإن مسؤول سعودي رفيع المستوى هو من يُعِد نبذة عن فحوى تلك التغريدات الهجومية ثم يبلغها لأشخاص مؤثرين -معظمهم مأجورين- يدير كل منهم عشرات الحسابات على “تويتر”.

وقال البغدادي: “تقاضى هؤلاء الأشخاص المؤثرون 3 آلاف دولار شهرياً مقابل ترويج هذه الروايات، التي تصلهم على قنوات خاصة على تطبيق تيليغرام، وتحدد لهم الشخص الذي سيستهدفونه”.

وشرح البغدادي بالتفصيل كيف نشرت تلك الكتائب الإلكترونية رسائل مناهضة لِبيزوس -مثل دعوات لمقاطعة أمازون، أو شن هجمات على العاملين في أمازون وسوق دوت كوم- بعدما أكدت السلطات التركية أن عملاء سعوديين هم من قتلوا خاشقجي.

شُنت موجة أخرى من التغريدات والرسائل المناهضة لِبيزوس بعد فضيحة إنكوايرر وتجددت مرة أخرى بعدما اتهم دي بيكر السعودية بتورطها في تلك القصة.

يصف بعض المدافعين عن الحكومة السعودية البغدادي بأنه مصدر مُتحيز، تصطبغ أبحاثه ببغضه الشديد للنظام. ويعتبرون دي بيكر أجيراً يحاول لوم طرف ثالث على السمعة السيئة الناجمة عن تقرير إنكوايرر حول علاقة بيزوس الغرامية.

وقال علي الشهابي، وهو مواطن سعودي غالباً ما يدافع عن حكومة بلاده بصفته مؤسس مركز “المؤسسة العربية”، الذي يقع مقره في واشنطن “تدرك الحكومة السعودية أن بيزوس لا دخل له في السياسية التحريرية لصحيفة الواشنطن بوست. وهذه على ما يبدو مناورة تضليلية عبقرية من قبل دي بيكر تهدف إلى تسليط الأضواء على “المؤامرة السعودية”، لصرف الأنظار عن قضايا أكثر حساسية”.

وأضاف الشهابي أن عاصفة التغريدات التي استهدفت بيزوس “ربما كان سببها مغردون عينتهم الحكومة، لكن لا أعتقد أنها كانت وفقاً لمخططات أمرت بها جهات عليا. معظم هؤلاء المغردين في العشرينات من عمرهم… لذا ربما انبثقت هذه التغريدات ببساطة من الساحة السعودية على تويتر مجتمعةً وتَقرَّر بعفوية استهداف بيزوس”.

بعد أقلّ من أسبوعين من مقتل خاشقجي، ظهرت موجة من التغريدات باللغة العربيّة، وأصلها من المملكة العربية السعودية، مناهِضةً لبيزوس مهاجِمةً “أمازون” و”واشنطن بوست”.

ووصف مسؤول سعودي، تحدث إلينا بشرط عدم الكشف عن هويته لأنه ليس مصرحاً له بمناقشة هذه المسألة، فكرة أن يكون السعوديين قد شنوا هجمات على بيزوس بأنها “خطة تسويقية في غاية الذكاء اقترحها غافين دي بيكر هذا لصرف الأنظار” عن الجدل المُثار حول الصور الفاضحة التي كتب عنها بيزوس في مدونته. “قالت المملكة: (حسناً، سوف نبقي منصات التواصل الاجتماعي مفتوحة، لكننا سنحاول التأثير على المناقشات الدائرة)، لذا عينوا مئة أو 200 شخص من خريجي الجامعات لنشر تغريدات. لكن لا يمكن أن يقول أي من المسؤولين رفيعي المستوى: “لنقم باستهداف بيزوس على تويتر”.

معلومة سرية من وكالة أمنية

قال البغدادي إن عميلين من الاستخبارات النرويجية قد أتيا إلى منزله في أوسلو في أيار من دون سابق إنذار واصطحباه إلى مكانٍ آمن خارج المدينة، حيث أخبراه أنهما تلقيا معلومة سرية من وكالة أمنية أجنبية تفيد بأن هناك تهديدات سعودية تستهدف حياته. ورفض متحدث باسم وكالة الاستخبارات النرويجية “بي إس تي” التعليق.

وأضاف البغدادي أن السلطات النرويجية أفادت بأنها تلقت المعلومة السرية من وكالة الاستخبارات الأميركية “سي آي إيه”. وأكد مسؤول أميركي على اطلاع بالقضية أن المسؤولين الأميركيين هم من قدموا المعلومة للنرويجيين. وقال الناشط عمر عبد العزيز، وهو سعودي يعيش في كندا، وأحد المنتقدين الصريحين للبروباغندا التي تمارسها السعودية على الإنترنت، إن حدة هجمات السعوديين على بيزوس قد خفت خلال الأشهر الأخيرة، مع التركيز بدلاً من ذلك على انتقاد تركيا.

وقال البغدادي إنه يعتقد أن سبب استهدافه بتلك التهديدات هو دوره في هذا البحث.

وقال خافيير الحاج، كبير المسؤولين القانونيين في “مؤسسة حقوق الإنسان”، وهي منظمة غير ربحية مقرها الرئيسي في نيويورك، إن “إياد شوكة في حلق أولئك الرجال”.

وطلبت أنييس كالامار، المُقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالإعدامات التعسفية والمكلفة بالتحقيق في قضية مقتل خاشقجي، من الحكومة النرويجية توفير مزيداً من الحماية للبغدادي.

وقالت كالامار، خلال مقابلة أُجريت معها “أخذت هذا التهديد على محمل الجد. فقد توقعنا أن تتخذ المملكة العربية السعودية خطوات ملموسة في إطار محاسبة المسؤولين عن جريمة خاشقجي، لكن حتى الآن، لم ألحظ أيّ خطوات ملموسة تضمن أن هذه الإجراءات ضد المعارضين لم تعد هي سياسة الدولة. وفي ظل ما نسمعه عن التهديدات الموثوقة الموجهة إلى إياد، من المهم للغاية أن تضاعف الأجهزة الاستخباراتية والشرطة في البلدان التي يعيش بها المعارضون من حمايتها لهم”.

هذا المقال مترجم عن washingtonpost ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

مات البغدادي لكن “داعش” مستمر منذ انسحاب ترامب

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email