بنوكنا نكبتنا: غِربان لبنان

ميريام جبيلي – إعلامية لبنانية
ديسمبر 4, 2019
بادرت المصارف من دون خجل إلى بث إعلانات تلفزيونيّة جديدة لطمأنة الناس، والتضامن معها، فيا أيها المواطنون هل تعلمون أن مئات الآلاف من الدولارات التي تُصرف على هذه الإعلانات تقتطع فعلياً من جيوبنا؟

“هذا البرنامج الثوري يأتيكم برعاية “مصرفك الأول والأخير” بنك البنوك”…

هذا ما يُتوقع أن نسمعه في الأيام المقبلة. فقد بادرت المصارف من دون خجل إلى بث إعلانات تلفزيونيّة جديدة لطمأنة الناس، والتضامن معها، فيا أيها المواطنون هل تعلمون أن مئات الآلاف من الدولارات التي تُصرف على هذه الإعلانات تقتطع فعلياً من جيوبنا؟ 

لقد انضمّت المصارف إلى الثورة المضادة التي تشنّها السلطة، فشرعت ببث إعلانات تضامن مع الشعب بينما على الأرض تقوم بقتله ببطء… بات واضحاً أن الشعارات التي رفعتها المصارف كانت تقصد بها الأغنياء فقط. فلا يخفى على أحد ان المصارف هرّبت أموال كبار المودعين قبل تفاقم الأزمة، واختارت أن تنهش بلحمنا الحيّ وتجبرنا على دفع غرامات تأخير حين لم نستطع سداد مستحقاتنا…

“مصرفك مدى الحياة”، “راحة البال”، “عايش معك بيفهم عليك”، “قدرتك تكبر”… وغيرها من الشعارات المصرفية، تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى أضحوكة مطعّمة بالكوميديا السوداء مع مشهد ذل يوميّ، ننتظر فيه ساعات لسحب مصروف الجيب، من مصرف صادر معاشاتنا وجنى عمرنا، تحت حماية السلطة ورعايتها وبحراسة قواها الأمنية. 

أتذكّر عندما بدأت عملي في شركة لتصميم إعلانات في بيروت، كان ذلك في الأيام الأخيرة من عدوان تمّوز/ يوليو، طُلب مني العمل على كتابة شعار لمصرف يعطي الأمل للبنانيين للخروج من الحرب. في هذا الوقت، وحدها المصارف بدأت العمل على حملات إعلانية تستنهض همم اللبنانيين، كنت أرى الناس تدمع لمشاهدة إعلان مصرفي متلفز يشحذ عواطف الجمهور ويبثّ فيه الأمل ويدفعه إلى العمل والصمود والنهوض من جديد. إعلانات متشابهة في أحيان كثيرة، تنهل من معجم مفردات يعجّ بعبارات “الأمل” و”العزيمة” و”الإصرار” و”الغد الأفضل” و”الاستقرار” و”الازدهار”.

انضمّت المصارف إلى الثورة المضادة التي تشنّها السلطة، فشرعت ببث إعلانات تضامن مع الشعب بينما على الأرض تقوم بقتله ببطء…

بعد كلّ نكبة ونكسة نمرّ بها، كان يأتي دور المصارف، تطلّ بعد الخراب كالغراب، بدور الأخ الأكبر، تخاطبنا بلغتها الرصينة ووقارها وثباتها. اليوم توّلت الثورة إخراسها أو هذا ما اعتقدته…

في أول أسبوع عمل لي كتبت شعاراً إعلانياً لأحد المصارف، جملة لم أعد متأكدة من مصدرها أو إن كنت أنا من ألفها: “وتولد من تحت الرماد إرادة الحياة”. كان القطاع المصرفي هو الأب المنقذ، القويّ، الحاضر ليؤمّن لنا ولعائلتنا اليوم، والغد وبعد غد، كلّ ما نريده ونحتاجه. هو راعي الجيش وراعي الوطن وراعي الماراتون، وراعي أطفال السرطان وراعي المهن الصغيرة والكبيرة والمتوسطة وراعي عمليات التجميل وراعي زواجنا وطلاقنا وجامعاتنا وراعي طموحنا وجنوحنا…

كان العمل على ابتكار إعلان للمصارف أشبه بكابوس ينتظرنا، فهامش اللعب والإبداع ضيّق جداً، صورة المصرف يجب أن تبقى رصينة، ثقيلة الدمّ، وبلا مخيّلة… تشبه أصحاب المصارف. 

اليوم انقلب السحر على الساحر، وجاءت الانتفاضة لتهزّ النظام الأبوي الريعي، وعلى رأسه النظام المصرفي. تحوّل منقذ البلد إلى الشبّيح الأكبر وبرعاية السلطة.

لقد “تصرّفت” المصارف بودائعنا، واستفادت على حسابنا وعلى حساب اقتصاد بلدنا.

احتجزت أموال الناس من دون أي مسوّغ قانوني يسمح لها بذلك، اقتطعت رسوماً على السحوبات، وصادرت معاشاتنا الحالية وأموالنا “الجديدة” لتعود وتنقطّها لنا على شكل مصروف أسبوعي يتقلّص يوماً بعد يوم…

“راحة البال” التي وعدتنا بها تحوّلت إلى ساعات من الذل يسألنا فيها موظف البنك عمّا نريد أن نفعله بأموالنا؟ بات الحديث عن المال أمراً عادياً بين الناس، سقطت هيبة السؤال وسقطت هيبة المال أيضاً. 

كان يكفي لأي شركة إعلان أن يكون بين زبائنها مصرف واحد لكي تفتح لها فرعاً آخر، فالمصارف كانت من الزبائن الأغنى والأكثر سخاءً في عالم صناعة الإعلان…

وقتها لم نكن ندرك أن كلّ هذا البذخ يقتطع من جيبتنا نحن المواطنين. قد لا يبدو منصفاً الانقضاض على المصارف والأجدر التصويب على مصرف لبنان والأنظمة التي حكمت طوال هذه السنين وأوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، ولكن واقع الحال يقول إننا من دون دولة ترعى مصالحنا، وأن دولتنا هي مجموعة هذه “الشركات” وعلى رأسها المصارف… فلا يمكننا التعقّل. 

لقد “تصرّفت” المصارف بودائعنا، واستفادت على حسابنا وعلى حساب اقتصاد بلدنا.

منذ وقت قريب أصدر حاكم “مصرف لبنان، رياض سلامة تعميماً طلب فيه تعزيز رسملة المصارف بقيمة 4 مليارات دولار. حاكم مصرف لبنان الذي سقطت تطميناته وصدقيته على أبواب المصارف خلال أقل من شهر. 

أحاول أن أتخيّل من زملائي يعمل حالياً على إعادة ماء الوجه لأي مصرف، وكم هو ضروري أن نستعيد أخلاقياتنا في العمل والإضراب عنه للمصارف ما لم تبادر الى تقديم حلول فعلية للمواطنين. فواجب أي عمل إعلاني أن يتمتع المنتج بالصدقية المطلوبة، لذا علينا أن نتوقف عن الترويج لمن يطعننا في ظهرنا…

مشهد الذل على أبواب المصارف لا يمكن أن يمحى من ذاكرة اللبنانيين، ثقتنا بالقطاع المصرفي اهتزت وباتت مكشوفة للجميع… لا شعارات لمّاعة، ولا اعلانات جياشة يمكن أن ترمم هذا الصدع ما لم تبادر المصارف باللجوء إلى حلول لا تكون على حساب المودعين وإنما على حساب الارباح الهائلة التي جنتها طوال السنين… لقد أصبحت المصارف عدّونا الأول، وعلينا كمواطنين أن نعيد حساباتنا حالما نتملّص من سلطتها.

مصارف لبنان: مشانق أهله

إقرأ أيضاً

ميزر كمال- صحافي عراقي
التصعيد الذي بدأ قبل أوانه، يثير المخاوف من موجة جديدة من العنف، والقمع الذي تتبعه القوات الأمنية العراقية لمواجهة الاحتجاجات في عموم البلاد
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الحساسية المفرطة حيال مشهد فتية الطوائف يحطمون مصرفاً أو يستهدفون البرلمان، يجب أن تُوجه نحو السلطة الوقحة للمصرف وللبرلمان. ويجب أن يُشهر في وجهها إصبعاً يشبه اصبع حسن نصرالله حين يشهره في وجه خصومه في “14 آذار”.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email