fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

بماذا تفيد تقنيات الدفاع عن النفس لحماية النساء من الاعتداءات الجنسية؟

في سبعينات القرن الماضي، وتحديداً عام 1978، قررت سيلين صبّاغ، حين كانت فتاة شابة لا يتجاوز عُمرها 18 سنة، الذهاب في رحلة إلى إسرائيل. وهناك التقت سائقَ حافلة يبلغ من العُمر 25 سنة، وأمضت معه ثلاثة أسابيع، اصطحبها خلالها في جولة في القدس. وصفته سيلين بأنه “كان لطيفاً ومهذباً” في بادئ الأمر. ولذا لم يكن لديها مانع من قبول دعوته إلى زيارة شقة والديه الفارغة. أمضيا وقتاً طيباً معاً يجلسان ويضحكان لما يقرب من ساعة، إلى أن فُتح باب الشقة. تقول سيلين “استدرت لألقي نظرة، وشعرت حينها بأن شيئاً فظيعاً على وشك أن يحدث”. كان هناك أربعة شباب يقفون عند المدخل. ثم دخلوا غرفة المعيشة، فيما أغلق الرابع الباب وراءه. عقّبت سيلين بقولها بما يشبه الحسم: “أعتقد أنهم فعلوا ذلك من قبل”.

عادت سيلين تلك الليلة إلى غرفتها في الفندق، ثم فرت عائدةً إلى منزلها في فرنسا. وظلت مكبّلةً بعبء ثقيل تحت وطأة الذنب والخجل، وآثرت ألا تنبس ببنت شفة عمّا حدث، ولم تخبر أحداً أن خمسة رجال اغتصبوها في تلك الليلة في الشقة. وبعد فترة وجيزة من عودتها إلى بلادها، حاولت الانتحار، وكانت تلك هي المحاولة الأولى من محاولات عدة. وفي محاولة يائسة للمساعدة، سعت سيلين إلى الحصول على علاج. ولذا راجعت حالتها مع أطباء ومتخصّصين في علم النفس، وبدأت تتناول أدوية نفسية. وحاولت أيضاً أساليب علاج بديلة مثل العلاج بالحركة. وعلى رغم أن بعض تلك العلاجات أتى بثماره، إلا أنها لم تتمكن من محو الذكريات القاسية والمؤلمة التي علقت في ذاكرة سيلين بسبب الاغتصاب، فضلاً عن خوفها الشديد من الرجال المجهولين الذين قد تصادفهم في الأروقة وفي المصاعد وعلى السلالم، وأعراض أخرى من اضطرابات ما بعد الصدمة النفسية.

“إلى القلب”

عام 1996، قررت الهجرة إلى إسرائيل، على أمل بأنّ تتمكن من طي تلك الصفحة والمضي قُدماً في حياتها. وتطوعت للعمل في أحد المراكز التي تتلقى مكالمات مباشرة من الناجين من الاعتداءات الجنسية. أعربت سيلين عن السبب الذي دفعها إلى التطوع في ذلك العمل، قائلةً “أردت أن أتيح الفرصة أمام الضحايا للتحدث، وأن يكون هناك شخص يستمع لما يعانونه وما مروا به. خلافاً لما حدث معي، فإنني لم أطلب المساعدة، ولذا لم يستمع أحد إلي”. ومع ذلك، لم تتوقف محاولاتها الانتحار حتى عام 2006، عندما نصحها أحد الأصدقاء بالانضمام إلى دورة متخصصة في الدفاع عن النفس قدمتها مؤسسة “إلى القلب” El HaLev، وهي مؤسسة إسرائيلية أُنشِئت عام 2003 لتقديم تدريبات للدفاع عن النفس للنساء اللواتي تعرضن للاعتداءات الجنسية، إضافة إلى الفئات المستضعفة الأخرى. في البداية انتاب سيلين الشك، مُتسائلةً كيف سيفيدها تعلم القتال؟

ولكن في الواقع، ثمة كم متزايد من الأبحاث التي تُشير إلى أن تدريبات الدفاع عن النفس قد تُمكّن النساء من مجابهة الخوف من التعرض للعنف الجنسي، إذ إنه يغرس في النفس شعوراً بالسيادة والتحكم والسيطرة الذاتية على سلامتهن. في هذا المجال، طرحت بعض الدراسات سؤالاً فريداً وملحاً: هل بإمكان التدريب العلاجّي على الدفاع عن النفس أن يكون وسيلة فعالة لمساعدة الناجين من الاعتداءات الجنسية الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة وغيرها من أعراض الصدمات النفسية؟ وعلى رغم أن تلك الدراسات لا تزال في طور المهد، يعتقد بعض المعالجين والباحثين أن الإجابة على ذلك السؤال هي نعم.

تقول جيانين روزنبلوم، المتخصّصة في علم النفس السريري في ولاية نيو جيرسي، والتي تعاونت مع مدربين للدفاع عن النفس لتطوير برامج تدريب مصممة خصيصاً للناجيات من الصدمات النفسية، إنّه في حين تكون العلاجات “القائمة على الحوار والتحدث” مفيدة بلا شك، فإنّ هناك حاجة ضرورية لوجود أساليب معالجة إضافية.

يشير الباحثون الذين عكفوا على دراسة الدفاع عن النفس باعتباره أحد العلاجات لمساعدة ضحايا الاعتداءات الجنسية إلى أوجه التشابه بينه وبين العلاج بالتعرض، الذي يتضمن تعرض المريض وهو في بيئة آمنة للأشياء التي يخشاها ويبتعد منها. غير أنه في حالة تدريبات الدفاع عن النفس، لا يتعرض المشاركون فقط لاعتداءات زائفة تُحاكي ما حدث لهم في الماضي، بل يتعلمون ويمارسون أيضاً كيف يُمكنهم القيام باستجابات استباقية، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، مناورات الدفاع عن النفس. ومع مرور الوقت، يُمكن أن تحول عمليات المحاكاة المتكررة هذه بصورة كبيرة الذكريات القديمة للاعتداء إلى ذكريات جديدة للقوة والتمكين، كما أوضح جيم هوبر، عالِم النفس والمدرس المساعد في كلية الطب في جامعة هارفارد.

لم تكن سيلين على دراية بهذه النظريات عام 2006، ومع ذلك، قررت في النهاية الالتحاق بتدريبات الدفاع عن النفس. ربما ظنت أن ذلك سيساعدها على أن تكون أقل خوفاً من الآخرين.

تمكن مشاهدة سيلين في أحد مقاطع الفيديو عام 2006، والذي أرسلته إلى مجلة “أندارك” (Undark)، وهي مُستلقية على أرضية صالة الألعاب الرياضية في مؤسسة “إلى القلب”. وحولها ما يزيد عن عشر نساء، يغمرونَها بكلماتِ التّشجيع. بينما يقترب منها بخطىً ثقيلةٍ رجلٌ ضخم يرتدي سُترةً مُبطَّنة وخوذة -يشار إليه باسم “المعتدي”- ويقف فوقها. تواصل النساء الهتاف، مشجعات سيلين على ضرب مهاجمها. في حين تنحني المدربة، وتوجهُها بالتعليمات. يتلقى المعتدي بعض الركلات الضعيفة من سيلين. ثم تنهض على قدميها، وتتمايل وتعود إلى صف المتدربين.

تقول سيلين إنّها، في لحظةِ المواجهةِ تلك، شعرت بالارتباك والتشويش، ولم تَدْرِ أين كانت. لقد كانت تشعر بالغثيان فيما تنتظرُ دورَها، وحين كان يقف “المعتدي” أمامَها، تجمّدَت في مكانِها. تقول “رفضَ جسدي التعاوُنَ، وكان هنالك انشطار: فقد تخلّى عقلي عن جسدي وكأنهما انفصلا عن بعضهما البعض، وكنت أتطلّع إلى جسدي كأنني شخصٌ آخر ينظر من الخارج، تماماً مثلما يحدث في الكابوس. من دون هذا الانشطار، ما كنتُ لأجدَ القدرةَ على التفاعل”.

تقول روزنبلوم، إنّ هذا الانفصال (ما يُعرَف في علم النفس باسم “التفارُق” dissociation) من آليّات التكيّف التي تسمح للبعض بالعمل تحت الضغوط، إلّا أنّ “من المفضّل لأيّ بيئة علاجيّة أو تعليميّة أن تسهِّل التكيّف غير التفارُقيّ”. في ورقةٍ بحثيّة نُشِرت عام 2014، تؤكّد روزنبلوم وزميلتها المتخصّصة في علم النفس السريريّ، لين تاسكا، وجوب توخّي الحذر لضمان أن يظلّ الطلّاب/المتدرّبون داخل ما يسمّونه “إطار التسامح”: وهو مجموعة الانفعالات العاطفيّة التي يمكن الفرد استيعابها ومعالجتها بكفاءة. وأضافَت الباحثتان في الورقة “إذا كانت المحفّزات الخارجيّة مثيرة جدّاً أو أدّت إلى تحفيز وإثارة أمور كثيرة داخليّاً دفعةً واحدة، فإنّ هذا يؤدّي إلى تجاوز إطار التسامُح”. تقترحان أنّه في تلك الحالات قد تضيع الفوائد العلاجيّة، وقد يُصاب الأفراد بالصدمة النفسيّة من جديد.

غالباً ما عانت سيلين كي تنام ليلاً بعد جلسات التدريب، لكنّها تمسّكت بإتمام الدورة التدريبيّة، بل وسجّلت فيها مرّة ثانية. تقول إنّ معرفة ما يمكنها توقّعه قد أحدثَت فرقاً لديها. ومع أنّها ظلّت تعاني انتكاساتٍ وحالاتٍ من الانفصال/التفارُق، فقد قلَّ الشعورُ بالغثيان والارتعاشات في المرّة الثانية من حضورها تلك الدورة، وشعرَت بمزيدٍ من الحضور الجسديّ. تشرَح سيلين كيف أنّ هذه التغييرات سمَحَت لها بالتركيز وصقلَت تصرّفاتها وأفعالَها، قائلةً “كانت الركلات دقيقة، واللكزات في موضعها، ولم أكن أتوقّف عن الحديث في جلسات المشاركة”.

واصلت سيلين مسارَها وأصبحت مدرِّبةً في منظّمة “إمباكت” IMPACT، وهي منظّمة ذات فروع محلّيّة مستقلّة حول العالَم، من بينها مؤسّسة “إلى القلب” في إسرائيل. تقدِّم منظّمة “إمباكت” دروساً حول الدفاع عن النفس من أجل تمكين المرأة، والذي طُوِّر ابتداءً في ستينات القرن الماضي، مع أنّ جذوره يُمكن أن تمتدّ إلى فترة زمنيّة أبعد من ذلك. لقد صُمِّمَت الأشكال التقليديّة للدفاع عن النفس، مثل الفنون القتاليّة، من قِبَل الرجال ولأجل الرجال. ومع أنّ تلك الأنماط قد تكون مفيدةً للنساء، فإنّها تحتاج إلى سنواتٍ من التدريب، ولا تُعالِج ديناميكاً العنف الجنسيّ. على سبيل المثال، فإنّ معظم الاعتداءات الجنسيّة يرتكبها أحد معارف الضحيّة، لكنّ الدروس التقليديّة في الدفاع عن النفس لا تقدِّم المعرفة والمهارات الخاصّة اللازمة لصدّ المعتدي الذي تعرفه الضحيّة، بل وربّما يكون محبوباً.

عام 1971، كانت دورة “نموذج الاعتداء” Model Mugging -في الدفاع عن النفس من أجل التمكين- هي أوّل دورة تدريبيّة توظّف محاكاة الاعتداءات بهدف مساعدة النساء في التغلّب على الخوف من التعرّض للاغتصاب. تم تصميم دورات منظّمة “إمباكت” -المعتمدة على فكرة “نموذج الاعتداء”- بناءً على مُدخلاتٍ من علماء النفس ومتخصّصين في الفنون القتاليّة وموظّفي إنفاذ القانون.

واليوم تقدِّم الكثير من المنظّمات دوراتِ الدفاع عن النفس من أجل التمكين. ومع أنّ التدريبات تتنوّع بناءً على مَن يقدِّمها، فإنّها تشترك في بعض السمات، ومنها توظيفُ مدرِّبةٍ تدرِّب المشارِكات على تقنيات الدفاع عن النفس، ومدرِّبٍ يرتدي سُترة مبطَّنة ويُحاكي سيناريوات الاعتداء. في بعض تلك السيناريوات، يمثّل ذلك المدرِّب دورَ معتدٍ غريب، وفي بعضِها يُحاكي دورَ أحد معارف الضحيّة. ويقدِّم معالِجٌ نفسيّ أيضاً إرشاداتٍ لمساعدة المشارِكات في وضع الحدود الملائمة للعلاقات الشخصيّة.

بمرور الوقت، طُوِّرَت دوراتٌ متخصّصة في الدفاع عن النفس من أجل التمكين موجّهة إلى الناجيات من الاعتداءات الجنسيّة، وأيضاً إلى الرجال والمتحوّلين جنسيّاً والأشخاص ذوي الإعاقة وآخرين. الأهمّ من ذلك هو أنّ الدروس العلاجيّة للناجيات من الاعتداءات الجنسيّة تتطلّب تعاوُناً مع متخصّصين في الصحّة العقليّة. في بعض الحالات يقدِّم الأطبّاء النفسيّون بعضَ الدعم في أثناء التدريبات؛ وفي حالاتٍ أخرى قد يقدِّمون توصياتٍ لبعض مريضاتهم أن تسجّلن في دورةٍ من تلك الدورات، ثم يقدِّمون الدعم خلال لقاءاتِ العلاج النفسيّ.

تقول جيل شيمس -المتخصّصة في العمل الاجتماعيّ السريريّ في إسرائيل، والتي أمضَت أكثرَ من 30 عاماً تدرِّس الناجيات من الاعتداءات الجنسيّة في دوراتِ الدفاع عن النفس- “يجب أن تخضع المشارِكات في ذلك النوع من الدورات للعلاج”. توقّع المشارِكات في دورات شيمس على اتّفاقيّة تسمح لهن بالتواصل مع معالِجيهنّ، وتقول هي عن هذا “يجب أن يوافِق المعالِج على المشارَكة في تلك العمليّة”.

في أوائل التسعينات، بدأ الباحثون دراسة الآثار النفسية لدروس التدرُّب على الدفاع عن النفس، وأظهرت عشرات الدراسات أن النساء اللاتي شاركن في تلك الدروس زادت ثقتهن في قدرتهن على الدفاع عن أنفسهن إذا ما تعرضن للاعتداء. ومن ثم، اقترن هذا الإحساس “بالنجاعة أو الفاعلية الذاتية” بدوره مع عددٍ من النتائج الإيجابية لهذه الدروس.

في ورقةٍ بحثيّة نُشِرت عام 1990 في مجلة “الشخصية وعلم النفس الاجتماعي”، شرح الباحثان من جامعة ستانفورد، إليزابيث أوزير وألبرت باندورا، نتائج دراسة شاركت خلالها 43 امرأة في برنامج تدريبي يستند إلى أسلوب الدفاع عن النفس المعروف باسم “نموذج الاعتداء”. واستمرت التدريبات خمسة أسابيع. علماً أن 27 في المئة من المشاركات تعرضن للاغتصاب. قبل بدء البرنامج، أبدت النساء المغتصبات إحساساً متدنياً بالنجاعة الذاتية من حيث قدرتِهنّ على التعامل مع التهديدات المحتملة عند الاندماج مع الآخرين، كما في اللقاءات الإلزامية في العمل. فقد شعرت أولئك النسوة أنهن أكثر عرضة للاعتداء وأبدَين ميلاً انعزالياً. واجهن أيضاً صعوبة كبيرة في التمييز بين المواقف الآمنة والخطرة، وكن غير قادرات على وقف “الأفكار والصور الاقتحامية” العابرة حول الاعتداء الجنسي الذي تعرضن له.

في برنامج الدفاع عن النفس، تعلمت المشاركات كيفية إظهار الثقة وكيفية التعامل بحزم مع التجاوزات الشخصية غير المرغوبة وأخيراً كيفية الصراخ وطلب النجدة لتخويف المعتدي. وذكر الباحثان أنه “إذا فشلت هذه المحاولات”، فإن المشاركات كن “قادرات على حماية أنفسهن جسدياً”. فخلال التدريبات، تعلمت المشاركات كيفية إيقاف وإعاقة معتد غير مسلح “عندما يتحرش بهن من الأمام مباشرة، أو من الخلف، أو عندما يمسكهن بشدة، أو في حال حدوث الاعتداء في الظلام”. ولأن النساء عادة ما يُطرحن أرضاً في معظم الاعتداءات الجنسية، قال الباحثان إن البرنامج “أعطى اهتماماً كبيراً للغاية لإجادة طرائق السقوط على الأرض بأمان وكيفية ضرب المعتدي بينما هن عاجزات عن الحركة ومثبتات على الأرض”.

أظهرت عشرات الدراسات أن النساء اللاتي شاركن في تلك الدروس زادت ثقتهن في قدرتهن على الدفاع عن أنفسهن إذا ما تعرضن للاعتداء.

أجرت جميع المشاركات استطلاعاً قبل إنجاز البرنامج وخلاله وبعده. ولتحديد آثار غياب المعالجة النفسية، خضعت تقريباً نصف المشاركات لـ”مرحلة مقارنة”، حيث أجرت المشاركات خلالها الاستطلاع، بعد ذلك انتظرن خمسة أسابيع من دون تدخل، ثم أجرين الاستطلاع مرة أخرى قبل بدء البرنامج مباشرة. (لم يعثر الباحثون على تغيرات ملحوظة في نتائج الاستطلاع خلال مرحلة المقارنة).

ازداد أيضاً إحساس المشاركات بالفاعلية الذاتية في جوانب عدة، من بينها قدرتهن على الدفاع عن أنفسهن والسيطرة على الشعور بالتهديد عند الاندماج مع الآخرين. ولعل أبرزها، هو أنه خلال الشهور التي تلت التدريب، لم يعد هناك أيّ اختلافات بين النساء اللاتي اغتصبن واللاتي لم يتعرضن للاغتصاب.

وبعد أكثر من عقد ونصف العقد، عام 2006 تحديداً، قام باحثون من جامعة واشنطن في سياتل، بالتعاون مع نظام الرعاية الصحّيّة لشؤون المحاربين القدامى في بوغيت ساوند بواشنطن، الذي يوفر الخدمات الطبية للمحاربين القدامى وعائلاتهم في جميع أرجاء إقليم شمال غرب المحيط الهادئ، بإجراء دراسة تُعنى تحديداً بالنساء اللاتي يعانين من “اضطراب ما بعد الصدمة” نتيجة تعرضهن لصدمة جنسية خلال الخدمة العسكرية. ولأن جميع المشاركات تدربن على الأساليب القتالية العسكرية والبدنية، فقد تمكنت الدراسة من بحث وتحليل الرأي القائل إن دروس الدفاع عن النفس المتخصصة تعزز الإحساس بالأمان والسلامة أكثر من التدريبات العسكرية أو الفنون القتالية.

12 أسبوعاً

حضرت المشاركات في الدراسة برنامجاً تجريبياً مدته 12 أسبوعاً، يشتمل على التوعية حول الآثار النفسية للاعتداءات الجنسية وتدريبات الدفاع عن النفس ومقابلات منتظمة لجمع المعلومات. وفي نهاية الدراسة، أظهرَت المشاركات تحسناً في بعض الأمور، من بينها القدرة على تحديد المواقف الخطرة وكيفية وضع حدود عند تعاملهن مع الآخرين. تحسنت أيضاً حالتهن النفسية وتراجعت أعراض الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة لديهن.

لكن نظراً لأن دراسة شؤون المحاربين كانت صغيرة وانحيازيّة الانتقاء -أيّ أنها تضم عيّنة إحصائيّة خاصة بمجموعة معينة- وينقصها عامل المقارنة، فقد أشار الباحثون إلى ضرورة إجراء دراسات إضافية لتحديد ما إذا كان يمكننا استخدام نتائج دراسة المحاربين القدامى هذه على نطاق واسع. ويؤيد هذا الرأي وجهات نظر أنصار تدريبات الدفاع عن النفس الذين يرون أن هذه الدراسات واعدة؛ لكنها بحاجة إلى مزيدٍ من الأبحاث. في الوقت الراهن، يقول هوبر إن التعافي الذي أحرزته المشاركات في هذه الدروس قد يُعزى جزئياً إلى عملية تُعرف بـ”تعلُّم إخماد الألم” (extinction learning). يحدث هذا الأمر في دروس الدفاع عن النفس العلاجية عندما يُحفز الشخص الذي يقوم بدور المعتدي ذكرى الاعتداء. لكن هذه المرة، يحدث المشهد في سياق جديد، وبالتالي “تُستبدل ردود فعل المرء المعتادة على تلك الذكرى بأخرى جديدة لا تُسبب الألم”.

وبصرف النظر عن مزاياها المحتملة، فإن الاستخدامات العلاجيّة لدروس الدفاع عن النفس تُعَدّ بعيدة مما هو مقبول عالمياً، إضافةً إلى أنّ فريق التدريب في هذه الدروس لا يضمّ كلّ مقدمي خدمات الصحّة العقليّة. وفي هذا الشأن تقول روزنبلوم إنّ “زملائي المعالِجين حذِرون من دروس الدفاع عن النفس، لأنهم غالباً ما يكونون قلِقين من أن تُعيدَ تلك الدروس ذكرى الصدمة وآثارَها النفسيّةَ على العملاء”. وقبل سنوات، وجدت روزنبلوم صعوبة في محاولة تقديم تدريبٍ في أحد دروس الدفاع عن النفس العلاجيّة، لذا تعتقد أنّ من الأهمّيّةِ بمكان التشديد على ألّا تضغط الدروسُ المتخصّصة على الطلاب من الناحية النفسيّة، وأن يكونوا مستعدّين لوضع حدود تفصلهم عن معايشة الألم مرة أخرى.

“تؤكِّد الأوراقُ البحثيّة والدراساتُ القليلة الموجودة على الساحة، باستمرار، على فاعليّة وأهمّيّة أن يتلقّى الفردُ تدريباتِ الدفاع عن النفس من قِبَل محترفين لديهم خلفيّة في العلاج من الصدمات”

إلّا أنّ الافتقار إلى توحيد المعايير قد يتسبَّب في حدوث بعض المشكِلات. في هذا الصدد، تقول ميليسا سوالت -وهي معالجة نفسيّة سابقة، ورائدة في حركة الدفاع عن النفس للسيّدات- “بدأ الدفاع عن النفس كحركة شعبيّة، لكنّه غَدَا الآن مشروعاً تجاريّاً، بل صناعةً. اليوم أسمع عن دوراتِ تدريبٍ تُقام للمعلِّمين، وتستغرق أقلَّ من أسبوع، مُقدَّمةً من قِبَلِ مدرِّبين لا يملكون الحِنكةَ أو الخبرةَ الطبّيّةَ والمعرفةَ اللازمة لتقديم مثل هذه التدريبات. وينبغي ألّا يغيب عن البال أيضاً أنّ الدفاعَ عن النفسِ ليس سهلاً ولا يؤتِي ثمارَه دوماً، وإنْ قيل لك خلاف ذلك، فلا تصدِّق”.

طُلِبَت سوالت للإدلاء بشهادتها كخبيرة، في محاكَمة حيث كانت فتاة شابّة رفعَت دعوى قضائيّة ضد مدرِّبِ في الدفاع عن النفس، وربحَت القضيّة. قالت سوالت، لم يحصل المدرب ابتداءً على التدريب الكافي، ولذا فقد تسبّب في أنْ عادت إليها ذكرى الصدمة النفسيّة التي جاءت، أساساً للتخلص منها ومن آثارها. وقالت سوالت -التي تؤكد أنّ هذه كانت حالةً استثنائيّة متطرِّفة- “إنّ السلامةَ هي الأولويّة الأولى هنا، وينبغي عند اختيار دورة تدريبيّة للدفاع عن النفس التأكُّدُ من كفاءةِ المدرِّبين”.

وفي هذا الشأن تقول شيمس -المتخصّصة في العمل الاجتماعي السريري في إسرائيل- “تؤكِّد الأوراقُ البحثيّة والدراساتُ القليلة الموجودة على الساحة، باستمرار، على فاعليّة وأهمّيّة أن يتلقّى الفردُ تدريباتِ الدفاع عن النفس من قِبَل محترفين لديهم خلفيّة في العلاج من الصدمات”، مع إقرارِها بصعوبة إقناع البعض بتوظيف الدفاع عن النفس أسلوباً علاجيّاً.

للتشجيع على توحيد المعايير، تصِف الورقةُ البحثيّة، التي قدمتها روزنبلوم وتاسكا، خصائصَ ومميزاتِ درس الدفاع عن النفس المُقام في منظّمة “إمباكت”. تقول روزنبلوم: “ستكُون الخطوة التالية في البحث هي الحصول على منحةٍ لإنشاء وتنفيذ بروتوكولٍ رسميٍّ خاصٍّ بدروس الدفاع عن النفس العلاجيّة، وأيضاً لاستخدام البروتوكول ذاته في مواقع عدّة من قِبَل الموظّفين والمدرِّبين الذين خضَعوا جميعاً للتدريب ذاته”.

مبادئ توجيهية

وضَعَ “التحالف الوطنيّ ضد الاعتداءات الجنسيّة” (NCASA)، المتوقّف حالياً، مبادئَ توجيهيّةً لاختيار الدورات التدريبيّة المناسبة للدفاع عن النفس. ومع أنّ تلك المبادئ كُتِبَتْ في الأصل لتوجيه النساء، فإنّ عضواً في اللجنة الأصلية لـNCASA قد حدّثَها لتشمل توجيهاتٍ للرِّجال أيضاً. تشدِّد هذه المبادئ على “ألّا يسعى الناس إلى الاعتداء وألّا يتسبّبوا فيه وألا يدعوا إليه، وفي الوقت ذاته فهُم أيضاً لا يستحقونه”. لذلك، ينبغي ألّا تُصدِر دروسُ التدريب على الدفاع عن النفس أحكاماً على الناجين. فضلاً عن ذلك، فإنّ الضحايا يُصِدرون ردودَ أفعالٍ متباينة، إذ يعاني كثر منهم شللاً لا إراديّاً أثناء مهاجمتهم، ولذا فالمبادئ المتّفَق عليها تفيد بأنّ الضحايا غيرُ مَلُومين على ردودِ أفعالهم ولا ينبغي لأحد إلقاءُ اللومِ عليهم، بل بدلاً من ذلك، “ينبغي احترام قرار الشخص بالبقاء على قيد الحياة بأفضل طريقة ممكنة”.

ويشير كتيّب المبادئ التوجيهيّة إلى أنّ الوجهَ الأمثلَ لتلك الدورات هو أنْ تشملَ دروساً عن الثقة بالنفس وعن التواصل والتفكير النقديّ، بالإضافة إلى تدريس بعض التقنيات الجسديّة التي يُمكِن من خلالها الدفاعُ عن النفس. ومع أنّ بعض النساء قد يُفِدنَ من وجود مدرِّبات، “فإنّ الجانبَ الأهمَّ هو أن يُجرِيَ المدرب -ذكَراً كان أو أنثى- تدريباً للطلّاب لتوجيههم نحو قُدراتهم ومَواطنِ القوة الفرديّة فيهم”.

تتوفّر الآن دوراتٌ للدفاع عن النفس ومدرِّبون يهدفون إلى تطبيق هذه المعايير أو معايير مماثلة، من خلال منظّمة “إمباكت” و”الاتّحاد الوطنيّ للفنون القتاليّة النسائيّة” في الولايات المتّحدة ومنظّمة “Action Breaks Silence” غير الهادفة للربح والداعمة للدفاع عن النفس في المملكة المتّحدة.

تقول سيلين (60 سنة)، والتي تعمل حالياً مدرِّبةَ لياقة بدنيّة لكبار السن، وتساعد الطلاب الذين يهاجرون إلى إسرائيل، وهي إحدى ممارِسات اليوغا الملتزمات دينيّاً والمهتمّات بالفلسفة الشرقيّة، إنّها بمرور الوقت تمكّنت تدريجيّاً من إعادة فهم ما يحتاجه جسدها.

تُقدِّر سيلين عددَ من دربتهن على الدفاع عن النفس بنحو أكثر من مئة امرأة وفتاة في سنِّ المراهَقة، وتقول “في المستقبل، أو في أحلامي، سأفضِّل أن أعود إلى تدريب الفتيات على وضع الحدود بينهُنّ وبين الرجال وعلى إظهار ثقتهنّ في أنفسِهنّ، لأنني أؤمن بأنّ هذا هو أصلُ العلاج وأهمُّ مرحلة فيه”.

هذا المقال مترجَم عن theatlantic.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي

عن التحيز الجنسي في صناعة الكحول

إقرأ أيضاً