بغداد: مباراة إيران والعراق في ساحة التحرير

اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز

الجمهور في (ساحة التحرير) متحفز، فهو معتصمٌ في ساحة معركة، وسيشاهد على أربع شاشاتٍ كبيرة معركة ًأخرى. وعلى (المعركة) التي سيشاهدها من خلال عالم افتراضي، سيبني تصورات النصر أو الهزيمة في معركته داخل الساحة. كثير من الرموز والمعاني تختفي وراء هذه اللعبة. 

صديق كتب في فيسبوك: لا تُحمّلوا اللعبة أكثر من معانيها! كيف؟ اللعبة ليست لعبة، فهي حمولة معاني من خارجها، وهي مشحونة برموز ووقائع عالقة بها، وبمشاهديها الجالسين في الساحة. والأمر متعلق بطبيعة كرة القدم عموماً، وبطبيعة الفريقين وعلاقتهما، وأيضاً بتوقيت اللعبة. 

المنتخب العراقي يحتفي بفوزه

كرة القدم ولدت في أجواء الحرب، وهي تجسيدٌ سلميٌ لحربٍ كلاسيكية، (هجوم دفاع مناورة).. كل مفردات الحرب تُستعاد مع كرة القدم، فبعد نصف قرن من نهاية الحرب العالمية الثانية، استعادت صحافة التابلويد البريطانية نفس المفردات النازية، لوصف مباريات حاسمة بين الفريقين البريطاني والألماني. وصف هتلر Blitzkreeg، أي الحرب الخاطفة، كان المانشيت الرئيسي لجريدة (صن). من طبيعة كرة القدم أنها ترفع التفاخر بالوطنية إلى أعلى الدرجات. الأعلام ترسم على الوجوه، وترفرف على المشجعين في الساحة، أو في المقاهي وعلى واجهات لبيوت. الأناشيد التي تمجد الذات تصدح عالياً. المتظاهرون المشاهدون في ساحة التحرير لم يكتفوا بالأعلام، إنما شدّوا رؤوسهم بعصائب خضراء بلون ملابس فريق (أسود الرافدين). الشعور المتباهي بالذات الجماعية يتضخم، في مواجهة الآخر الذي يصير خصماً. ويتضخم أكثر حين تعاد للحاضر العداوات التاريخية. 

اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز. هذا الجمهور الهائل الذي تربع في الساحة ليراقب حرباً(ودية) بين دولتين، خاضتا حرباً حقيقية لمدة 8 سنوات، وكلفت نصف مليون قتيل وجريح. هل من المعقول أن هذا الماضي مضى كلياً، وهل تلاشت شحنات التعبئة والكراهية من الجانبين؟

حقاً إن الحشد المتربع في الساحة المؤلف من شبان وفتية تتراوح أعمارهم بين 15-25 سنة لم يعش حرباً مضى عليها30 عاماً، لكن الآباء عاشوها قاتلين أو مقتولين. التاريخ يقول بأن الأجيال لن تنسى ما حصل للآباء والأجداد. إيران كانت حاضرة في الساحة، بصفتها خصمٌ تاريخي. ولكنها حاضرة أيضاً بصفتها خصم ٌحاضر. السلطة لا تجرؤ على التشخيص، فسمتها (طرف ثالث)، تسمية تحيل إلى الغموض، لكن الجمهور المتظاهر يعرف أن الطرف الثالث، هو الميليشيات الموالية لإيران، ويعرف أن القنابل التي تستهدف أجساد المتظاهرين إيرانية الصنع. لا يداهن هذا الجمهور ولا يُخفي. لذلك تردد هتاف (إيران بره بره!) كثيراً خلال اللعبة، وتردد اسم (سليماني) مع كل هدف عراقي في المرمى الإيراني. العقلاء أرادوا التفريق بين الشعب والسلطة، وبين الفريق والحكومة. وبعد يوم واحد من المباراة، ومع بداية الاحتجاجات في إيران، ظهر بوستر يصور متظاهرين اثنين يقفان معاً، أحدهما يلبس العلم العراقي والآخر يلبس العلم الإيراني. 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email