بعض أسئلة إعلامنا أمس واليوم

يردّد لبنانيون كيف استقبل الرئيس الراحل شارل حلو صحافيّين لبنانيّين عائدين من الخليج بعبارة: "أهلاً بكم في وطنكم الثاني: لبنان"، وكيف شرح الصحافيّ الراحل قتلاً سليم اللوزي لأمير الكويت أنّه لا يزور إمارته الخليجيّة إلاّ طلباً للمال. في هذه القصص حقيقة مرّة، وهي قيام الإعلام اللبنانيّ على المال السياسيّ العربيّ.

شاعت بين اللبنانيّين قصص تحوّلت إلى كليشيهات وإلى نكات. فقد ردّدوا طويلاً كيف استقبل الرئيس الراحل شارل حلو صحافيّين لبنانيّين عائدين من الخليج بعبارة: “أهلاً بكم في وطنكم الثاني: لبنان”، وكيف شرح الصحافيّ الراحل قتلاً سليم اللوزي لأمير الكويت أنّه لا يزور إمارته الخليجيّة إلاّ طلباً للمال.

في هذه القصص كان الاحتفال بـ “الشطارة” اللبنانيّة وبالبراعة في تقديم الخدمات يحجب مواجهة الحقيقة المُرّة، وهي قيام الإعلام اللبنانيّ بأمّه وأبيه على المال السياسيّ العربيّ. ومن البديهيّ أنّ علاقة كهذه تقضم الكثير من حرّيّة الإعلام الذي يُفترض أنّه حرّ، وأنّه، مسلّحاً بقوّة حرّيّته واستقلاليّته يراقب أعمال السلطات في لبنان وفي محيطه.

اقرأ أيضاً: حروب الأسماء: أعلى مراحل السخافة القوميّة

هذا لا يلغي أنّ وجود إعلام مثلوم الحرّيّة خير من عدم وجود إعلام خاصّ، وهي الحال التي سادت العالم العربيّ، فيما كسب لبنان، بسبب تلك الحرّيّة الناقصة، بعض أبرز معانيه المحبّبة. وهو أيضاً لا يؤدّي إلى احترام النقد الشائع لـ “الإعلام النفطيّ” والذي غالباً ما يصدر عن “إعلام نفطيّ” آخر. فالنقد السهل هذا يتجاهل أنّ ما من إعلام غير نفطيّ بتاتاً في العالم العربيّ، إمّا مباشرةً أو مداورةً، بل ما من شيء غير نفطيّ في منطقة لم “تنتج” إلاّ النفط. يصحّ ذلك في الثورات كلّها، منذ الثورة الفلسطينيّة، التي شارك المال النفطيّ، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في صنعها.

على أنّنا، مع هذا كلّه، وبسببه إلى حدّ بعيد، لم نعرف، في لبنان، الإعلام الحرّ الذي يتغنّى بعضنا أحياناً بوجوده.

المهمّة المطروحة اليوم لا تقتصر على منع الإعلام الإلكترونيّ من أن ينحطّ أسوةً بانحطاط الإعلام الورقيّ، بل هي تتجاوز ذلك إلى وجود الإعلام نفسه، مجرّد وجوده.

وهذا إنّما يتحوّل اليوم، مع انهيار الصحافة الورقيّة، شيئاً من الماضي، فاتحاً المجال لصحافة إلكترونيّة متحرّرة من المال السياسيّ. وهذا، بطبيعة الحال، إنجاز كبير في ما يتعلّق بالحرّيّة، روح الإعلام وشرطه، خصوصاً أنّ وحدة رأس المال والتحرير، وهو ممّا لازم إعلامنا الورقيّ، لا تنطبق على إعلامنا الإلكترونيّ الوليد، أو معظمه. فهنا، لا يوجد رأسمال يستطيع إذا شاء أن يتدخّل في كلّ كبيرة وصغيرة، بينما لا يكون رئيس التحرير سوى وسيطه المباشر لإحداث ذاك التطابق. هنا، مع الإعلام الإلكترونيّ، ثمّة معونات لا يبغي مقدّموها سوى التطابق مع معايير أكثر حرّيّة وأكثر مهنيّة.

بيد أنّ ذلك لا يحول دون طرح نقاط أربع يتعلّق بها مستقبل الإعلام الجديد.

* كيف ستعمل الرقابات الحكوميّة وتُسنّ القوانين التي تواكب هذا الجديد؟

* هل يتاح المجال للاقتصادات العربيّة أن تنهض بما يوسّع قاعدة الاستهلاك ويرفع فرص التعويل على دخل إعلانيّ محلّيّ، ما يؤدّي إلى الاستغناء عن المساعدات المشكورة لمنظّمات غير حكوميّة؟

* هل يستطيع الإعلام الإلكترونيّ أن ينتج، وهو المهجوس بشروط استمراره الماديّ، صحافة نوعيّة تخاطب النخبة وتتناول المسائل “غير الشعبيّة” و”غير المثيرة”؟   

* وكيف يستطيع الإعلام الجديد، في ظلّ الميل المتعاظم إلى تعزيز الاستبداد المصحوب بالنزاعات الأهليّة المتفاقمة والمعطّلة للحركة، إنتاج تحقيقات ميدانيّة وآراء حرّة؟

الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة في عموم العالم العربيّ قد لا تحمل على المبالغة في التفاؤل. لكنّ التجربة تستحقّ، على رغم كلّ شيء، أن تُخاض، وأن تُخاض بحماسة. ذاك أنّ المهمّة المطروحة اليوم لا تقتصر على منع الإعلام الإلكترونيّ من أن ينحطّ أسوةً بانحطاط الإعلام الورقيّ، بل هي تتجاوز ذلك إلى وجود الإعلام نفسه، مجرّد وجوده.

كي لا ينحطّ أسوة بالورقيّ

اقرأ أيضاً: ترامب وحده… مثل الله أو مثل الشيطان

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email