fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

بعد تحرير الموصل فوضى الحشود تحكم : جثثٌ وتصفياتٌ وبورصةٌ لإطلاق الأسرى

عند الخامسة مساء دخلت سيارتان إلي منطقة حيّ الجزائر في الجزء الشرقي من مدينة الموصل ووقفتا بالقرب من مكب للنفايات في وسط الحي. ترجل منها مسلحون وألقوا بثلاث جثث  وتركوا  المكان. لم يبد الأهالي أيّ رد فعل. كان المشهد مألوفاً بالنسبة إليهم.  اقتربتُ من الجثث وعاينتُها. كان عليها آثار طلقات نارية.  أيدي القتلى موثوقة، وكل جثّة وضعت عليها ورقة صغيرة مكتوب عليها العبارة التالية: ( هاهم كلاب أبو بكر البغدادي. هذا ثأر شهدائنا الابطال… جاري التصفية).
بعد تصويرها اتصلت بأحد القادة الأمنيين في الموصل وأبلغته بتواجد ثلاث جثث في المكان وشرحت له ما شاهدته على الجثث من آثار،  وان الجثث تعود على ما يبدو لمقاتلين من “داعش”. ابتعدت عن المكان بانتظار وصول القوات الأمنية. بعد نصف ساعة وصلت قوة من الشرطة المحلية، حاولت الاقتراب منها ولكن منعني عناصرها من التصوير وطلبوا مني الابتعاد ايضاعنالمكان. راقبتهم من بعيد. رشوا نفطاً  فوق الجثث وحرقوها. لمتغادر القواتإلىأنتفحّمتالجثثوتحولت رماداً. 
وقعت هذهالحادثةبعدعدةاشهر من انتهاء القوات العراقية من تحرير الجزء الشرقي من مدينة الموصل  والتي أعقبها إيلاء مسؤولية الحفاظعلىأمنهالقواتٍمنالفرقةالسادسة عشر من الجيش العراقي إضافة إلى عدة تشكيلات من الحشود العشائرية المحلية والتي تتوزع داخل أحياء المدينة، وينتمي غالبية مقاتليها إلى مدينة الموصل والقرى القريبة منها، على عكس القوات التي حررّت المدينة والتي كان غالبية عناصرها من المحافظات العراقية الاخرى  كما مقاتلي الفرقة السادسة عشر ايضا.
وعلى رغم أن القوات التي دخلت مدينة الموصل، والمتمثلة بقوات مكافحة الإرهاب وقوات الشرطة الاتحادية، استعانت بمخبرين  محليين أثناء اقتحام مركز المدينة من أجل الاخبار عن مقاتلي التنظيم والمتعاونين معهم، لكن الكثير من عناصر “داعش” نجحوا في الإفلات  عبر الانتقال مع عائلاتهم الي أحياء أخرى غير معروفين فيها، وبعد تزوير أوراقهم الثبوتية، أو من خلال دفع الأموال لعناصر من هذه القوات من أجل اخراجهم من المدينة بسلام واخفاء اسماءهم من حاسبات الأجهزة الأمنية. وهذا ما تم اكتشافه بعد تحرير حي الشرطة شرق الموصل والقاء القبض على المدعو (ابو إسلام ) وهو أحد قيادات “داعش” في هذا الحي.
وكانت القوات الأمنية العراقية ألقت القبض عليه ولكن تبين بعد عدة أيام أنه خرج من المدينة، ففتح تحقيق في هذه الواقعة وتبين تورط ضابطين أحدهم برتبة رائد يدعى رياض والآخر برتبة ملازم أول يدعى حسام،  حيث تم نقله من قبلهما إلى خارج المدينة مقابل مبلغ عشرين ألف دولار. وعلى أثر ذلك تم نقل نقطة التفتيش الأمنية التي كانت بالقرب من مفرق الحمدانية جنوب الموصل الى مدينة برطلة وأصبحت تحت إمرة جهاز الامن الوطني العراقي بعد ان كانت هي المسؤولة عن منح التصاريح الأمنية للمواطنين الخارجين من الموصل باتجاه اقليم كردستان ومخيمات النزوح. 
 سألتُ أحد ضباط الشرطة في مدينة الموصل بعد تحريرها عن سبب شكوى الأهالي من أنهم حينما يبلغون عن وجود شخص كان منتمياً إلى “داعش”، فإنه وبعد عدة أيام من إلقاء القبض عليه يخلى سبيله ويعود طليقا من دون عقوبة أو محاكمة، فردّ بأن البلاغات الكيدية نتيجة خلافات اجتماعية جعلت القوات الامنية تتأنى كثيرا في توجيه الاتهامات. فالأهالي يتهمون مقاتلي داعش المتخفين في المدينة بأنهم يقومون بالاخبار عن أناس أبرياء من أجل خلط الأوراق وإرباك عمل القوى الأمنية، وهذا ما جعل عمل الشرطة المحلية محدودا في هذا المجال  وأتاح المجال للحشود المحلية التي تنتشر داخل أحياء المدينة للعمل على هذا الملف. واليوم تقوم الحشود المحلية بنفس مهام الشرطة من خلال الاعتقال والتحقيق مع المعتقلين وفي كثير من الاحيان بعيداً عن مرجعياتها الإدارية والأمنية، ولدى جميع هذه التشكيلات سجون داخل مقراتها يتم إيداع المتهمين بالانتماء إلى داعش فيها. 
القوات الأمنية العراقية فتحت مؤخراً تحقيقاً بما جرى في أحد مقرات هذه الحشود في الموصل. فقد قُتل شخص أثناء مداهمة منزله شرق الموصل ليلاً. ادعى عناصر هذا التشكيل أنه كان مطلوباً للقوات الأمنية لانتمائه لتنظيم داعش، وأثناء المداهمة حاول الفرار فتمّ إطلاق النار عليه وقتله. أثناء التحقيق تبيّن أن الشخص فعلاً مطلوب للقوات الأمنية ولكنه لم يكن يحمل سلاحاً أثناء عملية اعتقاله،  كما ظهر في الصور.  بل إن السلاح وضع بالقرب من الجثة بعد عملية القتل، والسبب عداوة سابقة بينه وبين أحد أفراد هذا الحشد. القاتل والقتيل من نفس الحي ويعرفان بعضهما بعضاً جيداً. لقد كانت عملية تصفية حسابات سابقة. التحقيق تركز على ما إذا كان القتيل عنصراً في “داعش” وعندما ثبت ذلك تم الاكتفاء بتوجيه توبيخ لهذا التشكيل من دون محاسبة أحد. 
يرى عناصر هذه الحشود أن تعمدهم قتل المنتمين لـ”داعش” والمتعاونين معهم من دون إعلام الأجهزة الأمنية الرسمية في المدينة سببه احتمال أن تقوم هذه القوات باطلاق سراحهم بعد تسليمهم لها مقابل مبالغ مادية.  وفي المقابل يتهم ضباط في الجيش العراقي عناصر الحشود المحلية بعقد صفقات مع منتمين لـ”داعش” معتقلين لدى الحشود وإطلاق سراحهم.  بعض الضباط  اتهم الحشود بعمليات بيع وشراء منتمين لـ”داعش” بعد اعتقالهم من أجل مساومة أقربائهم على إطلاق سراحهم. وبحسب قول ضابط عراقي فإن أسعار البيع والشراء تتراوح بين خمسة آلاف دولار وعشرين ألف دولار حسب أهمية الشخص وحسب المنصب الذي كان يشغله في التنظيم. فالعاملين في الدواوين الادارية والامنية والعقارية أسعارهم هي الاعلىكونشاغليهاكانوايجمعونالكثيرمنالاموالاثناءسيطرتهم عليالمدينة.
تعددالمرجعياتالأمنيةفيالمدينة بعدتحريرها والتي يبلغ عدد تشكيلاتها في جانبيها الشرقي والغربي  خمسين تشكيلاً من حشود محلية وشعبية واستخبارية وأمنية وعسكرية يجعل الاتهامات دائما متبادلة في حال حدوث خروقات. وفي الوقت نفسه سهل الأمر على مقاتلي “داعش” الموجودين في المدينة الخروج منها أو شراء التصاريح الأمنية بمجرد أن يدعي أحد هذه التشكيلات أن هؤلاء كانوا من المصادر التي تعمل على إيصال المعلومات عن مواقع “داعش” أثناء عمليات التحرير الى القوات الامنية. 
اضافة إلى الخلافات الموجودة بين هذه التشكيلات والتي ظهرت عبر مواجهات عسكرية فيما بينها أكثر من مرة، يزداد القلق بين الأهالي من عشوائية وجود هذه القوات في الأحياء والشوارع ما دفع قيادة عمليات نينوى إلى إصدار أوامر لتوحيد الزي العسكري للتشكيلات من أجل التمييز بينها من قبل الأهالي.  

إقرأ أيضاً