“بروفايل” لشخص غير ثائر

باسكال صوما – صحافية لبنانية
نوفمبر 29, 2019
هناك "بروفايل" لغير ثائر، يرمي المصائب كلها على رأس انتفاضة اللبنانيين، من الوضع المالي والمعيشي مروراً بعدم تشكيل حكومة وصولاً إلى حروب المغول وصراغ الغساسنة والرومان مع الفرس الساسانيين.

كتبت سابقاً أنه سيكون صعباً بعد الآن أن ألتقي أصدقائي غير الثائرين، وسيكون صعباً أن أجري محادثة ودودة مع شخص ضد الثورة، أي ثورة، من سوريا إلى ليبيا وتونس ومصر والعراق وإيران والجزائر والسودان… 

يستحيل أن يكون الثائر انتقائياً كذوباً ينظّر من فوق، يرفض ثورةً هنا ويدعم ثورة أخرى هناك. الثورة ليست رأياً في مسألة سياسية أو اقتصادية، هي مشاريع حقة لأي شعب مقموع اقتصادياً، سياسياً، اجتماعياً، نفسياً وحتى عاطفياً.

هناك من بجّل لبراميل بشار الأسد المتفجّرة في الإعلام وفي الجلسات الخاصة والمؤتمرات وبينه وبين نفسه، ويخبرنا الآن أنه مع ثورة اللبنانيين.

هناك من يخبرنا أن الموجة الثانية من ثورات العالم العربي أفضل من الأولى وتستحق الدعم أكثر منها. هناك من يقسّم الوجع بين وجع يستحق الدعم والاعتراض، ووجع آخر غير مهم، بحجة أنه أنتج تطرّفاً أو دواعش أو جرائم. لكنّ “داعش” الإرهابي لا يلغي أن الشعوب متألمة وتعيش إرهاباً في لقمة عيشها وحرياتها، وقد انتفضت رفضاً وامتعاضاً وبحثاً عن حياة أفضل.

هناك “بروفايل” آخر لغير الثائرين يعود إلى أولئك الذين لا يرون في قطع الطرق سوى “قطّاع الطرق” وقطّاع تعني من مهنتهم القطع. وهذه إساءة كافية ووافية ليفهم الواحد كم الحقد والخبث الذي يخفيه تعبير “قطّاع الطرق”. لكنّ الذين قطعوا الطرق معظمهم عاطلون من العمل أو يتقاضون رواتب لا تكفيهم أو يبحثون عن أي وظيفة حتى إن كانت لا تمتّ لاختصاصاتهم بأي صلة. وهؤلاء ماذا يملكون في وجه سلطة فاسدة لا تأبه لهم وترشقهم بالعنف ومحاولات القتل والقمع والتمييع؟ قطعوا الطرق، حاولوا إقفال مؤسسات عامة، يتظاهرون في الساحات كلها ويعقدون حلقات نقاش جميلة، ويُهانون ويُضربون من القوى الأمنية ومن المدنيين التابعين لأحزاب معينة. كيف يثور الواحد مثلاً؟ ما “إيتيكيت” الثورة برأي غير الثائرين؟ 

هناك طبعاً من شارك في أول يومين من التظاهرات ثم عاد إلى بيته لأنه يكره الفوضى.

وهناك “بروفايل” لغير ثائر، يرمي المصائب كلها على رأس انتفاضة اللبنانيين، من الوضع المالي والمعيشي مروراً بعدم تشكيل حكومة وصولاً إلى حروب المغول وصراغ الغساسنة والرومان مع الفرس الساسانيين. وغير الثائر هذا يمكن أن يجادلك حتى كسوف الشمس المقبل، ليُفهمك أن هؤلاء الذين في الشوارع ضحية مؤامرة كونية، وليسوا ضحية نظام الفساد الذي يحكمنا بلا رحمة.

وطبعاً لا ننسى أصدقاءنا الذين حصلوا على وظائفهم ومراكزهم وهيبتهم بواسطة فلان ودعم علّان. هؤلاء لا مشكلة لديهم في وأد وجع كل من سواهم، دفاعاً عن فلان وعلّان. هؤلاء لم يعتقدوا في حياتهم بأن بإمكانهم أن يحققوا طموحهم من دون تقبيل الأيدي أو ترجّي أحد، وأن الوظيفة التي مُنحت لهم هي أبسط حقوقهم، وليست إنجازاً يُحسب لزعيم ما.

وهناك طبعاً من شارك في أول يومين من التظاهرات ثم عاد إلى بيته لأنه يكره الفوضى. وهو كل ليلة يحضّر الشاي بالحليب ويجلس أمام شاشة التلفزيون ليلعن المنتفضين “الزعران”، بعدما أيقن بحسّه الطائفي الحزبي أن لا أفق لأي ثورة. كان يظن أن التغيير لا يحتاج إلا إلى يومين، وبعد ذلك على الدنيا أن تصبح ورديّة، كوجنتيه بعدما يشرب الشاي الساخن مع ملعقة سكر إضافية.

ولا ننسى فقهاء الحرب الجاهزين دوماً لتحضير السيناريوات والقول إن الحرب خلف الباب. هؤلاء يعيشون في كوكب من الآذان الموصدة بإحكام، لا يسمعون الصراخ ولا يهمهم أن يصنعوا مستقبلاً آخر. ولو عاد الأمر لهم لاختاروا العودة إلى عام 1975 لتنفيس غضبهم ورغباتهم المكبوتة في المزيد من الدم. إنما كما قال أحد المتظاهرين بلهجته العرسالية: “حرب ما في حرب، في مصاري نهبتوهي، سرقتوهي، أخدتوهي، ردّوهي!”.

الانتفاضة اللبنانية : لماذا هي ثورة النساء أيضاً؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
في استدعاء نضال أيوب ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة.
ريد مطر – صحافية مصرية
سكب الطلاء على وجه جمال عيد لا يعني سوى ضيق السلطات الأمنية من نفسه الطويل وإصراره على التمسك بمهماته كمحامٍ حقوقي.
“درج”
قررت السلطة أن تستدعي الأمين بتهمة شتمه مصرفياً قامر مع المصرف المركزي بمدخرات الناس، وجنى فوائد وأرباحاً صرف جزءاً منها في رحلات صيدٍ بري في أفريقيا، ولم يخجل من التقاط صور لنفسه مبتسماً أمام الحيوانات القتيلة.
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
يوجد مؤشرات عالمية خطيرة تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية إلى شتى أنواع الاستغلال. ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
بعد سلسلة من التقارير التي تناولت مراكز الاعتقال وفظاعة ما تخفيه خلف جدرانها وتحت أرضيّتها، يشعر الإنسان وكأنّه تعب من زيارة تلك المشاهد المضنية التي لا يحتمل العقل تصوّرها، وربّما يفضّل الانكفاء عن المتابعة. لكن وسط مساعي الانسحاب هذه، تأتي أصوات 400 معتقل سابق في سجون النظام السوري لتعيد إلى القضيّة زخمها…    
ترجمة – The Guardian
كان دونالد ترامب على وشك إنشاء مبنى إداري في نيويورك وطلب من سوروس أن يصبح أكبر المستأجرين له. كان سوروس في ذلك الوقت من أنجح المستثمرين، لكنه قال لترامب إنه ببساطة لا يستطيع تحمل تلك التكلفة. يقول سوروس مبتسماً، “قلت له ذلك لأنني لم أكن أحبه”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني