fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

بحثاً عن راديكالية سلمية: في الحرية بفلسطين ولها

تحت تأثير يمين مسيحي محسوب على البروتستانية الإنجيلية، ممثلاً في نائبه الأميركي، مايك بنس، يرى ضرورة قيام الهيكل ومن ثم هدم الأقصى تمهيداً لعودة السيد المسيح، أضاف قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس مرحلةً جديدة إلى سبعين عاماً من الخيبة. لما نتوقع مما جربنا حرباً، تفاوضاً، أو ممانعةً عبر هذه العقود سوى ما أنتجته عادةً: العجز.
ككثير مما نعيش، المأساة ليست في وقوع المصيبة، لكن في أنها تفاجئنا رغم وفرة المقدمات. اللهم إلا إذا شهدنا ميلاداً جديداً، نحن سائرون إلى موت ما عرفناه دوماً قضيتنا الكبرى. لكن ربما، إن تعدينا نقد ما فات إلى نقضه، تفتح هذه المحنة القديمة-الجديدة آفاقاً تحررنا جميعاً.
القدس فلسطينية، حق أهلها، كما حق كل أهل فلسطين، العودة إليها مواطنين كاملي المواطنة؛ هذا لبُ القضية، لكنه أيضاً بُعدُها المُهمش أحياناً، إن لم يكن عادةً، باسم العروبة والإسلام (إسرائيل تطلق على الفلسطينيين حاملي جنسيتها “العرب” لا الفلسطينيين، وكأن وطنهم أي مكان آخر فيه “عرب”). الجوهر القومي المهمش هذا هو الذي يربط كل فلسطيني بأصله في كامل فلسطين التاريخية. ومع هذا التهميش، وبعد سنوات من تفاوض لم ينتج سوى الفشل، الصوت الأعلى بيننا، عرباً ومسلمين، يصرُ على الكفاح المسلح سبيلاً وحيداً، ولأنه باسم “القضية” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة (التي نخسرُ عادةً)، حلالٌ أن نرفض اعتراض السوريين أو الإيرانيين على حكامهم “المُمانعين” ،(أياً كان ما يعنيه ذلك تحديداً)، مع هذا كله لا تُغّيَب فقط فلسطينية فلسطين، وحقيقة التفوق العسكري المطلق للطرف الآخر، ناهيك عن استخدام مظلومية الفلسطينيين وسيلة لظلم غيرهم، لكن تغيبُ أيضاً قدرتنا على التعلم من العدو المنتصر. في العقد الفائت سجن القضاء الإسرائيلي رئيساً (موشيه كاتساف)، ورئيس وزراء (إيهود أولمرت)، وعشرات من الوزراء بتُهم فسادٍ مختلفةُ. في شؤون الحرب الحساب حاضرٌ أيضاً؛ هل بيننا من يذكر اليوم لجنة “فينوغراد”، التي حققت في حرب 2006 وحمّلت رئيس الوزراء آنذاك ووزير دفاعه فشلهم في تحقيق الأهداف المعلنة لعدوانهم على لبنان (جرى هذا بينما كان حزب الله يحتفل بـ “نصر إلهي” تكبد فيه لبنان خراباً شبه كامل لبنيته التحتية وعشرة أمثال القتلى الإسرائيليين حسب الأرقام المعلنة؛ المعاييرُ تختلف). أين في بلادنا أي درجة من المسائلة تقارب تلك التي تعرفها إسرائيل؟
من يطلب حرية أهل فلسطين لا يستقيم أن يضحي بحرية غيرهم. تماماً مثلما لا يستقيم أن يطلب نصير الطرف الآخر العدالة لليهود، بعد قرونٍ من الاضطهاد (الأوروبي) بظلم الفلسطيني. بالنسبة لأنظمة منطقتنا، فلسطين، عادةً إن لم يكن دوماً، وسيلة استقواء، داخلياً مبرر قمع، وخارجياً وورقة تفاوض. ليس معتاداً أن تحارب دولةٌ لصالح أخرى، فكيف بأنظمة لا تحاسبها شعوبها بعد عقودٍ من التفوق الإسرائيلي؟ أمن العقل الحديث عن صراع مسلح أصلاً، ناهيك عن استخدامه مبرر قمع؟ مضحكٍ-مُبكٍ أن أنظمةً في سلام مع إسرائيل منذ عقود، بما في ذلك تعاون أمني، ما زالت تروج إعلامياً لصورة إسرائيل كعدو، بينما أخرى حتى حين هاجمتها إسرائيل، لم تطلق رصاصةً لعشرات السنوات لكنها تصفق لمن يموت مقاتلاً “العدو” (نيابةً عنها؟) وتتشدق بأنها (اسمياً) ما زالت في “حالة حرب” مع “الكيان الغاصب”؟ بحسابات الدول والأنظمة ومصالحها الفلسطيني كان دوماً وحيداً، لا يعني أحداً اللهم إلا لمنفعة. هذا هو الواقع، “الفيل الذي في الغرفة” الذي يصر الجميع على التعامي عنه، حسب التعبير الإنجليزي الشائع.
خطاب الممانعة يقول ضمناً إنه إما الحرب التي نخسر جميعاً عادةً، آنيةً أو مؤجلةً، أو الاستسلام، أما التفاوض فمن أي درجة من الضعف نطلب، أو يطلب الفلسطيني تحديداً، حلولاً وسطاً؟ ناهيك عما هو أكثر؟ لكن الصورة أعقد. في الأسابيع الأخيرة خدمت صورة الشابة عهد التميمي قضية فلسطين أكثر من أي جهادي أو جيش خاسر، وقطعاً أكثر من أي مفاوض. كما أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى، البطلة التي لم تشهر سلاحاً رغم عدالة قضيتها، أكدت موقع الفلسطيني كضحيةٍ مقاوم في وجه محتل غاشم.  إعلامياً على الأقل، في عقلٍ غربي محملٌ بذنبِ قرونٍ من اضطهاد اليهود توجتها المحرقة النازية؛ معركة كل مدافعٍ عن الحق الفلسطيني صراعٌ على مكان الضحية لا المنتصر. كلُ مقاومة تتجاهل ذلك، تهدي إسرائيل فرصةً لقلب الحقائق. لهذا، من جهة؛ كل عنف عشوائي يستهدف الإسرائيليين دون تمييز، مهما كان محدود الأثر (صواريخ الكاتيوشا أفضل مثل) ينتهي تبريراً لعنفها الذي يقتل المئات بل الآلاف دون تمييز (مثلاً لا حصراً الحرب على حماس 2009) ومن جهة أخرى خطابٌ ينطلق من العداء لـ “اليهود” لا للصهيونية تحديداً، كهذا الغالب على “المقاومة” اليوم، بل على ثقافة هذه المنطقة عموماً، أشد تدميراً من أي هزيمةٍ عسكرية.
الكارثية هنا متعددة الجوانب. بديهي أنه لا سلام دون عدالة (اللهم إلا أذا أباد طرفٌ الآخر) والعدالة لا تعرف إلا ظالماً ومظلوماً. مجرد تصوير العداء بالديني أو العرقي يمحي إنسانية القضية؛ يحيلُ الصراع من محاولةٍ لإحقاق الحق إلى هجوم على جماعة تذكر العالم دوماً أنها اضُطهدت عبر التاريخ لهويتها الدينية، فيصبح الطرف العربي والمسلم (الذي يضيع فيه الفلسطيني) امتداداً فجاً لهذا التاريخ، ويسقط أخلاقياً الموقف المناوئ لإسرائيل. ليس المدهش هنا فقط هو غباء هذه اللغة الصارخ، لكن أننا لا نكاد نسمع صوتاً ينتقدها أو يوضح تفوق الجانب المسلم الأخلاقي تاريخياً الذي ضيعته. على عكس العالم المسيحي، بمعايير القرون الوسطى كان وضع اليهود جيداً؛ عاشوا بسلامٍ كجزءٍ من مجتمع أهل الذمة وقلما عرفوا إضطهاداً ممنهجاً. يهود الأندلس فروا من “إعادة الفتح الكاثوليكي” إلى مجتمعات مسلمة. طبيب محرر القدس الأسطوري صلاح الدين لم يكن إلا المفكر اليهودي الأشهر على الإطلاق، القُرطبي الموَلد، موسى ابن ميمون. في العصور الحديثة، مع ولادة الدول الوطنية يبدوا أن الأوضاع تحسنت: في مصر مثلاً تولى يهود مناصب وزارية (قطاوي باشا) وشاركوا بقوة في الحياة الثقافية. عربياً؛ ولادة العداء لليهود لم تحدث إلا مع صعود الصهيونية. أول من استهدف تخريباً ممتلكاتٍ ليهود كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ثم تحت حكم أنظمة قومية حُرم عشرات الآلاف من اليهود من جنسياتهم العربية. لا نستغرب اليوم أن نسمع بيننا من ينكر المحرقة النازية كأن أدولف هتلر كان منا. كم هو سهل على الإسرائيلي الحديث عن نفسه كضحية محشور بين كارهين لكل اليهود (أياً كان موقفهم السياسي) في دول طردت مواطنيها منهم دون تمييز.
بديلاً عن التصفيق لـ”مقاومةٍ” يُذيح باسمها الآلاف دون الوصول لأي تغيير فعلي أو لتفاوض ينطلق من ضعفٍ شبه كامل علينا البحث عن منطق يحيل فلسطين مشروعاً عابراً للحدود، إنساني، كما يجب أن يكون، الفاعل الرئيس فيه الأفراد ومؤسساتهم قبل الدول، والمخاطَب (بفتح الطاء) الرأي العالمي الواسع. ساعة يجد الفلسطيني من يدعمه عبر العالم مقاطعةً وتبرعاً تظاهراً وإدانة لإسرائيل نصل بالوسائل السلمية إلى إيذائها، كما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ساعتها نكون قد نقلنا الحرب من الحكومات (المسلحة الخاسرة) إلى الشعوب المقاومة سلماً ومكنّا لتفاوض لا لإملاء شروط. لن يعدم أي مناصر للفلسطينيين تجديداً لذكر قضيته، مع الإصرار على يهودية الدولة العبرية، والتوسع في الإستيطان، وامتهان لحقوق المسلمين والمسيحيين على حد سواء في القدس (لاحظ موقف الكنيسة الكاثوليكية الثابت من هذه القضية) ستتجدد مظلومية الفلسطينيين مراراً وتكراراً. لكن لن يتسنى لنا نهج جديد دون علمنة نظرتنا ولغتنا ضماناً لإنسانية جامعة: الحديث عن “إسلامية” فلسطين والحرب مع “اليهود” يسلك مسلك الصهيونية، هذه التي تقوم على وعد توراتي بعودة ذرية من هُجر أجداد أجدادهم المزعومون من ألفيتين. صحة أو خطأ هذه الدعاوى لا يعني أي مهتم بالعدالة. الرد على هذا الكلام بقداسة القدس أو فلسطين عند المسلمين أو المسيحيين يرد على الإقصاء باسم دينٍ بإقصاءٍ باسم دينٍ آخر. من يقبل أن وعداً توراتياً أساسٌ عادل لدولة ليس له أن يدين تنظيم الدولة، “داعش”، التي ترى نفسها الإسلام الحق الأوحد المنوط به إعادة الخلافة المزعومة، يتطابق النقيضان في الآخروية والإقصاء، ومن ثم الظلم.
العدالة هي المطلب، وهذا يعني قبل أي شيء آخر حق العودة، الحليف كل من يعترف بهذا الحق الأساس. جزء من فشلنا عبر العقود الماضية عجزنا عن العمل مع الأصوات اليهودية الرافضة للصهيونية، أو توظيف تلك التي وثقت لولادة إسرائيل من رحم التطهير العرقي (ما يعرف بالمؤرخين الإسرائيلية المراجعين). بدلاً من أن يكون التطبيع هستيريا قبولاً أو رفضاً، ممانعةً أو استسلاماً، ربما كان ساحةً لإثبات قبولنا للعيش العادل المشترك. لم َنرفض من يقبل بمظلومية الفلسطيني وحقه من أي مكانٍ أتى؟ ومن جهة أخرى، خبت بيننا دعوات المقاطعة الاقتصادية؟ لا لإسرائيل فقط، لكن لكل داعمٍ لها بشكل مباشر أو غير مباشر؟
منحىً كهذا يتطلب قيماً مختلفة، تحاسب الناس أفراداً لا جماعات، لا تزدوج معاييرها، تخصص ولا تعمم، ولا تقبل انتقاصاً للحريات تحت أي دعوىً كانت. الأقصى وقبة الصخرة، كما كنيستا المهد والقيامة، لن يعدما من يدافع عنهما، أما القدس مدينةً وسكاناً، كما سائر فلسطين، ففي حاجة لنا، فربما بها ولها نتحرر جميعاً. إن رأيت ذلك رجعاً بعيداً تذكر أن المشروع الصهيوني بدا ضرباً من الجنون قبل أقل من قرنٍ ونصف.

إقرأ أيضاً