fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

بحثاً عن السياسيّ العاقل…

لم ينجح السيّدان دونالد ترامب وكيم جونغ أون في حلّ مشكلة السلاح النوويّ الكوريّ، وتالياً في تحسين العلاقة بين بلديهما، الولايات المتّحدة الأميركيّة وكوريا الشماليّة. لكنْ بمجرّد أن يتصدّى هذان السيّدان لمشكلة خطيرة كهذه، وأن يُناط بهما تذليلها، فهذا بذاته مشكلة كبرى لا تقلّ خطورة عن تلك التي يتصدّيان لحلّها.

وقد يقول قائل إنّ المسألة ليست ترامب، بل القوى الاجتماعيّة التي يعبّر عنها. لكنْ حتّى لو قبلنا هذا التأويل، فما الذي نقوله في كيم، الذي “يعبّر عن” تحطيم القوى الاجتماعيّة في بلده وتلخيصها في شخصه؟

إذاً نحن اليوم، وفي ظلّ الصعود الشعبويّ والتصدّع الديمقراطيّ على نطاق كونيّ، أمام ازدهار للحاكم الفرد والمزاجيّ، أو بالأحرى المريض والمهووس وذي النرجسيّة الطفليّة. ولسنا بحاجة إلى ذكر اللائحة الطويلة من أسماء هؤلاء القادة، والكثيرون منهم يتوزّعون على الخريطة العربيّة.

تدليلاً على الظاهرة نفسها، ولو على نحو مقلوب، يمكن الاستشهاد بزعيمين قد يقال الكثير في نقدهما، هما رئيسا حكومتي الهند وباكستان ناريندرا مودي وعمران خان. فهذان نجحا، أقلّه حتّى اليوم، في تفادي مواجهة حربيّة أخرى بين بلديهما على أثر إسقاط الباكستانيّين طائرتين هنديّتين واحتجاز طيّار. صحيح أنّ ناريندرا وخان هما أيضاً شعبويّان وقوميّان، لكنّهما يملكان من الرجاحة الذهنيّة ما لا يملكه قادة كترامب وكيم.

إنّ البحث عن سياسيّ عاقل يطغى اليوم على البحث عن سياسيّ جيّد

وهذا ما قد لا يسعفنا بمعايير دقيقة في الأحكام، إلاّ أنّه ينبّه إلى تمييز ممكن بين قادة شعبويّين عقّال وآخرين لا يتمتّعون بهذه المزيّة: الأوّلون يركبون الموجة الشعبويّة لكنّهم يراعون العلاقات الدوليّة، ويحاولون تجنّب الانجرار إلى العنف والحرب، ويأخذون في اعتبارهم مصادر أخرى للسلطة، وقد يحقّقون إنجازات اقتصاديّة ملموسة، وهم، قبل كل شيء، يسيطرون على ألسنتهم وردود أفعالهم. الزعيم الصينيّ كشي جينبينغ قد يكون أبرز هذا الصنف من الشعبويّين. وكان عالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر قد نبّهنا، منذ مطالع القرن الماضي، إلى أنّ “السياسة يصنعها الرأس، لا الأجزاء الأخرى من الجسد، ولا الروح”.

بالطبع تبقى المخاوف واردة دوماً. فالانحدار من شعبويّة الحدّ الأدنى أو المتوسّط إلى شعبويّة الحدّ الأقصى يظلّ ممكناً، علماً بأنّ هذه الأخيرة قد تسقط على بلد ما من غير أن يمرّ بالضرورة بالشعبويّة “الألطف”.

لكنّنا، في الحالات كافّة، لا نملك إلاّ أن نخفض درجة التوقّعات ونعترف بضيق الخيارات المطروحة. فالذي يطالب اليوم بأنظمة مثلى هو بالضرورة حالم، وهذا ما ينطبق خصوصاً على العالم العربيّ بعد انهيار الثورات وتفجّر قوى التأخّر والاستبداد من كلّ نوع.

إنّه صعود الاهتمام بالأشخاص والأمزجة على حساب القوى والتيّارات الاجتماعيّة والثقافيّة الفاعلة

ما نقوله هنا يجد ما يوازيه على مستوى آخر: إنّه هذا “الدِين” الجديد الذي يضرب العالم العربيّ منذ عقود، ممثّلاً بالحنين إلى الماضي، ورسم ذاك الماضي عصراً ذهبيّاً. فما لا شكّ فيه أنّ أنظمةَ ما قبل الانقلابات العسكريّة كانت سيّئة بما فيه الكفاية (فساد وزبونيّة وتزوير انتخابات وملكيّات أراض ضخمة…)، لكنّها كانت – في كلّ شيء ينبع من السياسة – أفضل من الأنظمة التي حلّت بعدها. فالملك فاروق وشكري القوّتلي ونوري السعيد وكميل شمعون هم، بلا قياس، متفوّقون على من حلّوا بعدهم وعلى من يحكمون اليوم. وهذا إنّما يعني، أقلّه على صعيد الرغبة بغضّ النظر عن إمكان التحقّق، أنّ العودة إلى تلك الحقبة خطوة متقدّمة.

والحال أنّ بعض الخفض الذي يطال التوقّعات ذو وجه فكريّ وتحليليّ أيضاً: إنّه صعود الاهتمام بالأشخاص والأمزجة على حساب القوى والتيّارات الاجتماعيّة والثقافيّة الفاعلة، أو التي يُفتَرض – عقلانيّاً – أنّها فاعلة. وهذا، لسوء الحظّ، موصول لا بتراجع “السرديّات الكبرى” فحسب، بل بتراجع السرديّات من كلّ نوع، وبالتالي تقدّم الخصوصيّات والنسبيّات وما هو مُفكّك ومتهافت، وفي عداد ذلك زعامةُ الزعيم الذي يعكس “خصوصيّتنا” أو “أصالتنا” ممّا يردّده إعلامه الرسميّ والضاربون بسيفه.

إنّ البحث عن سياسيّ عاقل يطغى اليوم على البحث عن سياسيّ جيّد. ففي “الليلة الظلماء” لا يُفتَقَد البدر، جرياً على ما علّمنا أبو فراس الحمدانيّ، بل يُفتَقَد عود الثقاب نفسه.

إقرأ أيضاً:
اندثار المشرق العربيّ…
أوروبا التي يفتك بها الغموض والحيرة..

إقرأ أيضاً