fbpx

هنا القصة الثالثة

مصطفى النبيه- مخرج فلسطيني

مقالات الكاتب

بابا نويل في غزّة

لن أحكي لكم عن حلم الفتى الذي تحوّل مطراً، ولا عن الكرة الهاربة التي اخترقت الغيوم حتى وصلت الشمس لتضيء بشعاعها مدينةً صغيرةً جنوب فلسطين، تطلّ على البحر الأبيض المتوسط، اسمها غزة.

أنا نعيم، ابن هذه المدينة المجنونة. وُلدت في عام الانقسام، كنت باسمَ الوجه؛ لذلك لم يسمّوني بالنحس، فأنا المدلّل ولي العهد في أسرتي، أنعشت قلوبهم في زمن التهلكة، فحين كنت أسمع أزير الرصاص أنفجر ضاحكاً فيصابون بعدوى الضحك، على رغم قهرهم وحزنهم، ومن يومها ينادوني نعنوش؛ لأنني استطعت أن أنعش قلوبهم.

كبرت في مدينةٍ تعيش العتمة، ميّزت بين الألوان، وفرّقت بين الأصوات، نهض أمامي اللون الأسود لبسني وافتخر ببطولته، فأدركت حينها أننا نعيش في حبس انفرادي محرومين من النور وطعم مائنا مالح…

عشت في غرفةٍ صغيرةٍ فكانت وطني الكبير، لم يتسنّ لي اللعب في الشارع، فشوارعنا مشحونةٌ بالأمراض، وأنا الوحيد لعائلتي، يخافون عليّ من أيّ شر يتربّص بي.

حلمت بكرةٍ طائرة، وظلت مجرّد حلم، فبيتنا الضيّق لا يتّسع لنا ولن يستقبل أي ضيفٍ جديد، فكيف لو كانت كرة؟

جمّدت حلمي وانتظرت… مرّت الأيام لم أعلم كيف كبرت أثناء القصف، وكبرت معي أفكاري. تمنّيت أن أركب درّاجةً هوائية، وأطوف بين الناس لأساعدهم. وبعد انتهاء الحرب، أصبحت فكرة الدراجة تسيطر على هواجسي، فكنت أعطي حصتي من الطعام لزميلي في المدرسة مقابل شوطٍ على الدراجة، ووعدت نفسي عندما أكبر وأحصل على المال أن أحقق جميع ما أصبو إليه…

عشت ثلاث حروب، فهربت أحلامي مني، وكثيراً ما سمعت أبي وأمي يدعوان الله أن يمنحني الحياة. انتهت الحرب وأكلني الخوف، لم أقل يوماً إنني كنت ضعيفاً مثلما تخيل بعض زملائي في المدرسة، فأنا طالبٌ لا يؤمن بالعنف…

استغلّ زملائي هذه الصفة، فكانوا يسرقون حصتي من أي شيء. وفي يومٍ دبّ شجارٌ بيني وبين أقواهم للدفاع عن جارنا المسيحي عيسى، فتغلبت عليه، صدم الجميع من حجم قوتي، حاولوا بعد ذلك مصاحبتي. ضحكت ساخراً، وسألت نفسي: لماذا خلقت الحروب؟ هل خلق الله الإنسان ليقتل أخاه؟ لماذا كل هذه الديانات ما دامت جميعها من أجل عبادة الله؟ لماذا نتحدّث أكثر من لغة ونفقد التواصل؟ أغمضت عيني وأطلقت العنان لمخيلتي. تخيّلت أني أملك فانوساً سحريّاً وأستطيع أن أجعل العالم يعتنق ديانةً واحدةً، ويتكلّم لغةً واحدةً، لتزول الأحقاد والحواجز….

شعرت بالأمان عندما أيقظني أبي وأخبرني أن هناك مصالحةً بين السلطة الفلسطينية في رام الله وسلطة حماس في غزة، وسيزول الانقسام نهائياً…

ابتسمت وطربت لهذا الخبر، وحلمت بأننا سننعم بالكهرباء والماء النظيف والطعام اللذيذ، وبأن الوطن سيفرد جناحيه وسيكبر ويضمّنا… كانت البداية حين حقّق أبي حلماً لي كافأني بكرةٍ تعبيراً عن سعادته، فرحت بها كثيراً حتى أنني لم أتركها أثناء نومي… كنت أحلم بأنني أقذفها فتتحوّل إلى شمسٍ تنير حياتنا المعتمة، وانتظرت أن يهديني في المستقبل دراجةً هوائية، لكن، الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن.

لم تكتمل فرحة أبي، لن يلبس ثياب العمل التي أعدّها منذ زمنٍ بعيد، كان ضحية المصالحة، حكموا عليه وعلى آلاف العاملين بالتقاعد المبكر، على رغم صغر سنهم، مكافأةً مؤلمةً على صبرهم الطويل، هرب حلم الدراجة بعيداً، مسحته من رأسي، تناسيته وعشت مأساة مدينتي، فالعيش في غزة يجعلك تنضج قبل أوانك، وتفكر بأمورٍ لا تعنيك.

الأشياء الجميلة دوماً تهجرنا… نخرج من النار إلى الرمضاء، نعيش ما بين الحرب والحرب حرباً…

فحين أعلن الرئيس الأميركي أن القدس عاصمة دولة الاحتلال، هبّت المدينة غاضبةً، وتساقط الشهداء، فقرّرت أن أصنع شيئاً بطريقتي الخاصة، اتصلت بصديقي المسيحي، وطلبت منه ثياب بابا نويل فهو نصير للمحتاجين، ونحن في حاجةٍ للسلام.

صليت يوم الجمعة في المسجد، وبعد الخطبة لبست ملابس بابا نويل؛ لأقول أن الله رب الناس أجمعين.

انطلقت أعدو إلى حاجز بيت حانون، اخترقت الجميع… لم أخش الرصاص، فرّت من عيني الدموع وأنا أرى الشهداء يتساقطون من حولي، وقفت سدّاً منيعاً بين المنتفضين وقوّات الاحتلال…

رفرف بين يدّي العلم الفلسطيني، فانصبّت عليّ كاميرات الصحافيين، شعرت بالفخر لأنني أصنع شيئاً جميلاً، تراقص العلم بعنفوان، لكن سارق الفرح لم يسعده أمري، صوّب بندقيته؛ ليرهبني، نظرت إلى السماء باسماً، ثار غضبه، فقنصني برصاصةٍ في قلبي، سقطت على الأرض، حملت على الأكتاف، رأيت سماءً صافيةً نظيفة، آمنت بأن هذه الليلة ستحمل نجوماً جديدة تضيء الكون… أغمضت عينيّ وأنا على ثقةٍ بأنني سأعود يوماً إلى الأرض مطراً .

إقرأ أيضاً:
رحلة مُذِلّة في فساد سلطتَي معبر رفح الفلسطينية والمصرية
معبر رفح: جحيم أهل غزة

إقرأ أيضاً