“بأمر الشعب”… أُغلقت القنصلية الإيرانية في كربلاء

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
"أُغلقت بأمر الشعب" هذه العبارة كُتبت على لافتةٍ كبيرة وعُلِّقت على جدار القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، بعد محاولتين لاقتحامها من قبل متظاهرين عراقيين سقط منهم خمسة قتلى وعشرات الجرحى، لكنَّهم أنزلوا العلم الإيراني أخيراً ورفعوا مكانه العلم العراقي بعد إحراق محيط القنصلية بالإطارات وهم يرددون: "كربلاء حرة حرة... إيران برا برا".

“أُغلقت بأمر الشعب” هذه العبارة كُتبت على لافتةٍ كبيرة وعُلِّقت على جدار القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، بعد محاولتين لاقتحامها من قبل متظاهرين عراقيين سقط منهم خمسة قتلى وعشرات الجرحى، لكنَّهم أنزلوا العلم الإيراني أخيراً ورفعوا مكانه العلم العراقي بعد إحراق محيط القنصلية بالإطارات وهم يرددون: “كربلاء حرة حرة… إيران برا برا”.

شرارة الغضب الأولى

في الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بدأ السكان المحليون في مدينة كربلاء -التي تحظى بقدسية عالية عند أتباع المذهب الشيعي في العالم- اعتصاماً مفتوحاً على غرار العاصمة العراقية بغداد ومدن جنوب البلاد، للمطالبة بالقضاء على الفساد واستقالة حكومة عادل عبد المهدي وحلِّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي وتعديل الدستور. لكن اعتصام كربلاء لم يدم سوى أربعة أيام، وتدخلت الأجهزة الأمنية للسلطة بالقوة لفضّه، وفي 29 تشرين الأول 2019 ليلاً سقط ما لا يقلُّ عن 14 قتيلاً من المتظاهرين العُزَّل وأكثر من 865 جريحاً بحسب ما أوردته وكالة “رويترز”.

متظاهرو كربلاء يتهمون جهة معينة بفض اعتصامهم، وهذه الجهة هي قوات التدخل السريع والمعروفة باسم “سوات”، وهي إحدى تشكيلات وزارة الداخلية، لكن من يقودها هو ثامر محمد إسماعيل ويُلقَّب بأبي تراب الحسيني، وهو أحد كبار القادة العسكريين لميليشيات منظمة “بدر” الموالية لإيران والتي يتزعمها هادي العامري، الذي شارك في القتال إلى جانب الجيش الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي.

وفقاً لـ”معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى” فإنَّ المدعو أبو تراب الحسيني، هو واحد من خلية الأزمة المكونة من 10 أشخاص يقودهم الجنرال في حرس الثورة الإيرانية وقائد فيلق القدس قاسم سليماني والتي أخذت على عاتقها القضاء على التظاهرات في العراق التي اندلعت في الأول من تشرين الأول 2019.

الحسيني الذي قاد القمع في مدينة كربلاء متهم بالإشراف أيضاً على نشر القناصين في العاصمة بغداد لمنع المتظاهرين هناك من اقتحام المنطقة الخضراء التي تتولى الأمن في محيطها ميليشيات: سرايا الخرساني وكتائب حزب الله العراقية وعصائب أهل الحق وهذه كلها تدين بالولاء المطلق لإيران وتحصل على الدعم والتمويل والتدريب من حرس الثورة الإيرانية.

عام 2007 اعتقل الجيش الأميركي في العراق أبا تراب -بحسب صحيفة بالتيمور صن الأميركية- بتهمة دعم ميليشيات مسلحة موالية إيران، ووفقاً للتقرير الذي نشرته الصحيفة، فإنّ الحسيني كان حينها ضابطاً في استخبارات الفرقة الثانية بالشرطة الوطنية التي تسيطر على المناطق الواقعة بين العاصمة العراقية بغداد ومحافظة الأنبار، وهو متهم بشكل أساسي بتوجيه أوامر لضباط آخرين لاعتقال مواطنين سُنَّة عند حواجز التفتيش في تلك المنطقة وانتزاع اعترافات منهم تحت التعذيب، من أجل الحصول على فدية مالية من عوائلهم مقابل إطلاق سراحهم.

أبو تراب الحسيني برفقة زعيم ميليشيات بدر هادي العامري

عام 2013 أمر رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي بأن يتولى أبو تراب الحسيني قيادة قوات الرد الشريع في الشرطة الوطنية، وعام 2015 وضع الكونغرس الأمريكي تلك القوات على القائمة السوداء التي يمنع بموجبها الجيش الأميركي من تقديم أي مساعدات لها وفقاً لقانون “ليهي” الذي ينص على حجب المساعدات المالية عن القوات التي يثبت تورطها بانتهاكات حقوق الإنسان.

ليلة إنزال العلم الإيراني

القمع الذي واجهت به تلك القوات المتظاهرين في كربلاء، أدى إلى تصاعد الغضب بين السكان المحليين، وخرجوا بتظاهرات أكبر في الأيام التي تلت، ولم يمرّ أسبوع حتى حاصر الشباب الغاضبون القنصلية الإيرانية في المدينة، وحاولوا اقتحامها ليلة الأحد الموافق 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، وأشعل مئات المحتجين الإطارات البلاستيكية في محيط القنصلية مرددين هتافات ضد إيران والميليشيات الموالية لها في العراق، لكنَّ قوات الأمن ومثل كلِّ مرة، واجهت الحشود البشرية بالرصاص الحي، فسقط أربعة شبان من أبناء المدينة، وعشرات الجرحى.

الليلة التي تلت كانت حاسمة في مدينة كربلاء، حشود كبيرة من الأهالي الغاضبين على قتل أبنائهم، يتوجهون لمحاصرة القنصلية الإيرانية، ودون أن تفتح قوات الأمن النار على الجموع، اقتحم المتظاهرون القنصلية وأنزلوا العلم الإيراني ورفعوا مكانه العلم العراقي وجددوا هتاف الليالي السابقة: “كربلاء حرة حرة… إيران برا برا”، مع ترديد الشتائم الكثيرة للمرشد الإيراني على خامنئي والميليشيات الموالية له في العراق.

القمع الذي واجهت به تلك القوات المتظاهرين في كربلاء، أدى إلى تصاعد الغضب بين السكان المحليين

أحمد الكعبي أحد الشباب الذين شاركوا في اقتحام القنصلية يروي لـ”درج” عن ليلة اقتحام القنصلية: “أعطينا عشرات الشهداء ومئات المصابين منذ بداية التظاهرات في تشرين الأول، لكننا مصممون على إنهاء الوجود الإيراني في العراق، وفي كربلاء خصوصاً، إيران وأتباعها أخذوا كلَّ شيء ويتحكمون بكل شيء، الزوار الإيرانيون يدخلون مجاناً إلى العراق. وهنا في كربلاء تقدم لهم خدمات خمس نجوم، وتتعامل معهم الحكومة على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، بينما نحن تقتلنا البطالة والفقر، ونعاني منذ 16 سنة من انعدام الخدمات”.

يحكي الكعبي لـ”درج” عن النفوذ الإيراني في مدينة كربلاء: “دائماً أنت ترى الإيرانيين في كل مكان، ونفوذهم امتدَّ أكثر في المدينة، إنهم يشترون العقارات هنا، ويسحبون العملة الدولار من العراق ويأخذونها معهم إلى إيران. كثيرون لا يعرفون أنَّ الإيرانيين يجلبون معهم ملايين من العملة الإيرانية ويستبدلونها بالدولار ويعودون إلى بلدهم، وكلّ شيء هنا يُقدم لهم مجاناً تقريباً”.

يروي الكعبي قصة عن سيطرة الإيرانيين في الفترة الأخيرة على مدينة كربلاء: “في زيارة الأربعين الأخيرة، أنت لا تشاهد في شوارع كربلاء سوى الزوار الإيرانيين لكثرتهم، ونحن أبناء كربلاء صرنا حين نشاهد العراقيين نحتفل بهم، وفي أحد الأيام دخلت امرأة مسنّة أحد أزقة المدينة، ووجدت شابين يتحدثان باللهجة العراقية، فاقتربت منهما وهي تقول لهم: يمَّه انتو عراقيين؟ فرد عليها الشابان: أي خالة احنا عراقيين، وانفرطا ضاحِكَين”.

من المفارقات الملفتة، أنَّ تاريخ اقتحام القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء وإغلاقها بـ “أمر الشعب العراقي” صادف مع إحياء إيران الذكرى الأربعين لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران 4 تشرين الثاني 1979 حيث شارك مئات آلاف الإيرانيين في معظم مدن البلاد في مسيرات “اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي”.

وفي حديث لوكالة أنباء “فارس”، قال القائد العام للجيش الإيراني اللواء عبد الرحيم موسوي عن اقتحام السفارة الأميركية: “إن هذه الخطوة كانت إحدى أهم الحركات العفوية في تاريخ الثورات الأصيلة والشعبية في العالم، والتي أطاحت بالهيبة المزيفة للإمبريالية الأميركية وأظهرت هوانها وذلها للعالم من جانب، وأطلقت صرخة مظلومية الشعب الإيراني وحريته، في انحاء العالم، من جانب آخر”.

حظر على الزوار والبضائع الإيرانية

قُبيل أيام على اقتحام القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، انتشرت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق تحت وسم: “خلّيها تخيس” لمقاطعة المنتجات والبضائع الإيرانية التي تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، إذ تشير تقارير إلى أنَّ الصادرات الإيرانية إلى العراق عام 2016 تجاوزت حاجز الستة مليارات دولار، وأن تلك الصادرات زادت بمقدار 17 ضعفاً عن حجمها في السنوات الماضية بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي.

المقاطعة امتدت إلى أكثر من البضائع، فوفقاً لوكالة أنباء “فارس“، فإنِّ إيران قررت منع مواطنيها “زوَّار العتبات المقدسة” من الذهاب إلى العراق حتى إشعار آخر، بسبب ما قالت إنه “الظروف الراهنة في هذا البلد” ونقلت عن مصدر في حكومي إيراني أنَّ: “ضمان أمن الزوار هو أولويتنا، ومن هذا المنطلق وبعد أيام زيارة الأربعين ونظراً إلى الظروف المستجدة والوضع في العراق، لم يكن لدينا توافد إلى العتبات المقدسة، وأنَّ جميع الموظفين الإيرانيين في العراق عادوا إلى البلاد”.

إيران غاضبة!

لم تتأخر إيران في الرد على إغلاق قنصليتها في مدينة كربلاء، فسرعان ما نددت وزارة الخارجية الإيرانية بما قالت إنَّه اعتداء على قنصليتها، وذكر المتحدث باسم الخارجية عباس موسوي أنَّ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية نقلت للدولة المضيفة مخاوفها عبر القنوات السياسية وتأكيداتها اللازمة في ما يتعلق بضرورة توفير الأمن للأماكن الديبلوماسية والقنصلية الإيرانية في العراق، في إطار المقررات والمعاهدات الدولية وطالبت باتخاذ الاجراءات اللازمة وتعزيز التدابير لحماية الأماكن الدبلوماسية الإيرانية في العراق”.

أتباع إيران في العراق، أو بتعبير آخر قادة الميليشيات الموالين لها كان لهم رأيهم أيضاً في إغلاق القنصلية الإيرانية في كربلاء، فزعيم ميليشيات “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، عدَّ قيام من سمّاهم “عناصر محلية” بحرق جدار القنصلية وإعادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتغريدة في “تويتر” تظهر فيديو لحظة محاولات اقتحام القنصلية، عدها الخزعلي دليلاً على ما قاله هو سابقاً أي أنَّ الدور الأميركي والإسرائيلي والخليجي وبدعم من عناصر محلية واضح في تخريب الوضع في العراق.

إختطاف صبا المهداوي يُهدد الناشطين في العراق 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400