انتفاضة لبنان: عن ثورة بلا رأس

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ثورتنا يقودها الشباب وهي بالتالي خلاقة ورشيقة ونظيفة وقبل كل شيء غير مكبلة بكل أنواع الحسابات. هي ثورة حرة! غياب القيادة الواضحة هو مكمن قوتها، وهذا تماماً ما تعنيه عبارة بلا رأس، من دون أن يعني ذلك أن تكون بلا عقل.

ما تم إنجازه خلال أقل من أسبوعين لا يجوز التقليل من أهميته ولا يمكن أن ينتزعه أحد منا. 

الـ”نا” هنا هي الشعب اللبناني الموحد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه.  يوماً بعد يوم، نزداد عزيمة ومناعة وقوة، إذ نعبر من حراك إلى انتفاضة إلى ثورة، فيما نجرِّد السلطة من أسلحتها التي سمحت لها بأن تعيد إنتاج نفسها على مدى أكثر من ثلاثة عقود. 

علينا الآن أن نبني على ما أنجزناه وضمان استمراريته.  مع استقالة الحكومة دخلنا مرحلة جديدة، أعقد وأطول. وحده الوقت بإمكانه إنجاحنا، ولكنه أيضاً كفيل بهزيمتنا.  إن تراجعنا، سنهزم من دون شك، وإن صمدنا سننجح لا محالة إن تعبنا أو ضجرنا، أو تقاعسنا أو شككنا بأنفسنا أو ببعضنا سنهزم.  وإن حافظنا على وحدتنا، وتغلبنا على طائفيتنا، ووثقنا بأنفسنا وببعضنا بعضاً سنربح. من يعتقد أن تحقيق المطالب سيتحقق خلال أسابيع مخطئ.  

ثورتنا تنجح عندما ننجح بإنتاج سلطة جديدة كاملة وفقاً لعقد اجتماعي جديد. 

الأمر يحتاج إذا إلى أشهر طويلة ستكون علينا خلالها إدارة مواقع قوتنا والتغلب على مواقع ضعفنا، وفقاً لأولويات يمكن أن تتغير مع تغير الظروف. 

ثورتنا يقودها الشباب وهي بالتالي خلاقة ورشيقة ونظيفة وقبل كل شيء غير مكبلة بكل أنواع الحسابات. هي ثورة حرة! غياب القيادة الواضحة هو مكمن قوتها، وهذا تماماً ما تعنيه عبارة بلا رأس، من دون أن يعني ذلك أن تكون بلا عقل.

الشارع لنا

إن خرجنا من الشارع، نفقد أهم وسيلة ضغط نملكها وإن بقينا فيه من دون خطة سنستنزف كل طاقاتنا خلال أيام وأسابيع قليلة. كم من الوقت نستطيع أن نبقى من دون مصارف؟ من دون وظائف؟ من دون مدارس وجامعات؟ 

علينا إذاً أن نجد صيغاً لعدم العودة إلى منازلنا من دون أن نعطل الحياة العامة. 

يمكن أن يحصل ذلك عبر تقسيم المهمات جغرافياً او بحسب الأوقات، فتكون التظاهرات النقابية أيام الإثنين، في المناطق أيام الثلاثاء، في المدارس والجامعات أيام الأربعاء والعاصمة في عطلة الأسبوع أو يومياً بعد انتهاء دوامات العمل. خلال الأسبوعين الماضين كان شعار “غداً يوم إضراب عادي” من أكثر الشعارات فعالية علينا الآن أن نحوله إلى شعار “غداً يوم ثورة عادي”. 

“كلن يعني كلن” 

“كلن يعني كلن” هو الشعار الجامع الذي نجح بتوحيد اللبنانيين حتى الآن ولا يجوز بأي شكل من الأشكال التراجع عنه. 

السقوط في فخ أن استقالة الحريري تعني أن الثورة حققت أهدافها خطير لأن الأمر غير ذلك أولاً، وثانياً لأن الخطوات التالية اعقد وستحتاج إلى وقت أكثر.

الخاسر الأكبر فعلياً هو وزير الخارجية جبران باسيل الذي نام على حلم فخامة الرئيس واستفاق على حقيقة الوزير السابق، مع ما رافق ذلك من خسائر معنوية مرتبطة بالشعارات التي أطلقت ضده تحديداً. 

خسارة أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله لا تقل فداحة. في الأيام الأولى من الحراك ظهر الرجل وقال إن الحكومة باقية ولا شيء بإمكانه إسقاطها. للمرة الأولى تسقط كلمة نصر الله بهذا الوضوح. سقطت الحكومة، أسقطها الشعب في الشارع على رغم التهديد والترهيب والترغيب. 

النظام بصفته منظومة حكم سقط فعلاً، يبقى أن يكون لنا نفس طويل للعبور إلى إنتاج سلطة بديلة، في حينه فقط نستطيع القول أن الثورة حققت أهدافها.

رفع الشعارات الموحدة هو السلاح الأقوى في وجه السلطة. لن يكون الأمر سهلاً، لأن الاختراق والانزلاق أسهل مما نعتقد. ما حصل من ردود فعل على استقالة حكومة الحريري دليل واضح على ما يمكن أن تؤول إليه الأمور وبسرعة. استيعاب احتقان أي طرف يجب أن يكون سريعاً وتجنب العبارات الطائفية يجب أن يكون واضحاً: الذين نزلوا إلى الرينغ وهجموا على المتظاهرين لم يكن من “زعران” الشيعة، كانوا عناصر من “حزب الله” و”حركة امل”.       

ما أثبتته الأيام الماضية أن في لبنان مجتمعاً مدنياً باستطاعته أن يؤمن قاعدة صلبة لتنظيم الشارع وتنظيم الطاقات وفقاً لما يخدم الثورة، التحدي الآن هو أن تعمل قوى المجتمع المدني كفريق واحد لأن في ذلك مقومات فشلنا أو نجاحنا. 

تحصين السلم الأهلي   

كل ما حصل خلال الأسبوعين الماضيين ما كان ممكناً لولا عنصر أساسي: التغلب على الخوف من الآخر. خلال الساعات الأولى من الحراك خرج الشيعة في مناطقهم بوجوههم وصرخوا مع بقية الشعب اللبناني: كفى! لا يعني هذا أن الشيعة بغالبيتهم -كما هو حال أي طائفة أخرى- تخلوا عن ولاءاتهم فهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت. يعني فقط أن الشيعة التقوا مع بقية اللبنانيين على رفض معادلة ترهن مستقبلهم ومستقبل أولادهم بقضايا كبرى وشعارات رنانة. استجابة طرابلس خلال ساعات، ردمت الهوة بين الشمال والجنوب، بين السنة والشيعة. استجابة جل الديب أعادت نوعاً من الثقة بين المسلمين والمسيحيين. المشهد المعقد بات اليوم بسيطاً: الشعب الثائر من جهة والسلطة الفاسدة من جهة أخرى. ولكن السلطة لم تستنفذ كل أسلحتها وعلى اللبنانيين تحصين مناعتهم ومسؤولية حماية بعضهم.

الوحدة الوطنية 

ما حصل في صور والنبطية من قمع للمظاهرات خلال الأيام الأولى وما ترافق مع ذلك من ظهور علني لشباب كانوا قد هاجموا “حزب الله” و”حركة امل”، يقدمون اعتذاراً، من الواضح أنهم أجبروا عليه، ما هو سوى دليل على وعي السلطة لخطورة ما يجري. البيئة الحاضنة للثنائية الشيعية صارت بيئة حاضنة لأحلام مشتركة مع بقية اللبنانيين. اختفاء الوحش السني من المشهد الطرابلسي خسارة أخرى لكل أركان السلطة. 

استمرار احتفالات طرابلس تنزع عنها صبغة الإرهاب، ورفعها شعارات داعمة للمناطق الأخرى يعطي زخماً ومعنويات لاستمرار التحرك في المناطق المهددة من النبطية وصور إلى بعلبك.

السلمية 

الطريق الوحيد لإعادة الناس إلى بيوتهم خلال هذه المرحلة هو استخدام القوة المفرطة ولكن حتى ذلك يحتاج إلى تبرير. 

الجيش والقوى الأمنية ليس بإمكانهم قمع متظاهرين سلميين و”حزب الله” لا يستطيع أن يستخدم سلاحه في وجه اللبنانيين المتحدين. مرة أخرى الانزلاق سهل بخاصة في ضوء الإشاعات الهائلة التي يتم ترويجها من الحديث عن انشقاقات في الجيش إلى خوات يفرضها المتظاهرون في الشارع. حمايتنا ثورتنا تكون حصراً برفضنا حمل السلاح في مناطقنا كافة، مهما كانت المخاطر.   

الشباب

ثورتنا يقودها الشباب وهي بالتالي خلاقة ورشيقة ونظيفة وقبل كل شيء غير مكبلة بكل أنواع الحسابات. هي ثورة حرة! غياب القيادة الواضحة هو مكمن قوتها، وهذا تماماً ما تعنيه عبارة بلا رأس، من دون أن يعني ذلك أن تكون بلا عقل. من هنا، ضرورة وضع خطة لتأمين استدامة الثورة وضمان بقائها بيد الشباب.   

الأعلام

ما معنى أن تعود القنوات التلفزيونية إلى البث العادي خلال الساعات التي تلت استقالة الحكومة؟ كم هائل من المعلومات والشائعات تم ترويجه من تهديد رئيس الجمهورية إلى صفقة تم إبرامها مع السلطة. غير مهم الدخول في هذه المتاهات، المهم أن وسائل الإعلام المحلية كانت تعرض مسلسلات في الوقت الذي يتم خلاله تناقل فيديوات عن حالات قمع تحصل في العبدة وفي البقاع وهذا أمر لا يجب التساهل فيه.   

الضغط على وسائل الإعلام لنقل ما يحصل عندما تستدعي الحاجة ضروري وممكن. ما حصل مع “الأو تي في” خلال الأسابيع الماضية وما خسرته على مستوى جمهورها دليل على ذلك. 

بإمكان أي قناة تلفزيونية أن تخاف وتنسحب من النبطية، ولكن ليس باستطاعتها السيطرة على من يمسك الميكروفون في طرابلس ويصرخ بملء الصوت “هاكم ما يحصل”، أو تجنُّب حملة عبر “تويتر” تقيِّم عمل الاعلام المضاد. 

النساء

 ما حققته نساء لبنان هائل، ولكنها بداية الطريق فقط. صوتهن أعلى لأن لديهن مطالب أكثر، بدءاً من تعديل القوانين المجحفة بحقهن وصولاً إلى العدالة بالتمثيل مروراً بتجاوز كل أشكال التمييز والتنميط. المرأة لم تكن مجرد وجه جميل أعطى للثورة رونقها. هي كتبت الشعارات، وقادت التظاهرات حتماً ولكنها أيضاً تشارك وبشكل فعال على كل الصعد. عليا مبيض، نايلة جعجع، منى فواز، جويل بطرس، على سبيل المثال لا الحصر أسماء يجب أن تكون معروفة للبنانيين عندما نتحدث عن كفاءات في المجالات الاقتصادية والقانونية والحقوقية والاجتماعية.   

المجتمع والمجتمع المدني 

كثيرة هي الانتقادات التي طاولت الأجواء الاحتفالية التي رافقت الثورة حتى اللحظة، ولكن لماذا؟ اللبنانيون حققوا انجازاً كبيراً بوحدتهم للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية ولهم الحق بأن يحتفلوا. 

ليس من الضروري أن يقتنع الجميع بضرورة شبك الأيدي من الشمال إلى الجنوب، ولكن ضروري أن نتفق على أن في ذلك ما يرضي بعضاً منا ويمنحهم مكاناً للمشاركة قد لا يكون بالنسبة إلى كثر أقل أهمية من حلقات النقاش الحاصلة في محيط مبنى العازرية في وسط بيروت. 

ليس ضرورياً أن ننزل جميعاً إلى الساحات صباحاً للتنظيف ولكن علينا أن نقف احتراماً لأمهات أو آباء ينزلون مع أبنائهم لأنهم مؤمنون بأنه هكذا تبدأ التربية. 

ما أثبتته الأيام الماضية أن في لبنان مجتمعاً مدنياً باستطاعته أن يؤمن قاعدة صلبة لتنظيم الشارع وتنظيم الطاقات وفقاً لما يخدم الثورة، التحدي الآن هو أن تعمل قوى المجتمع المدني كفريق واحد لأن في ذلك مقومات فشلنا أو نجاحنا. 

استعادة البلد

قد تشكل بيروت التحدي الأسهل خلال الفترة المقبلة ولكنها من دون شك ليست الأقل رمزية. 

على طول ما كان يعرف بالخط الأخضر، أو خط التماس خلال الحرب الأهلية، على مساحة ما أصبح “سوليدير” خلال مرحلة ما بعد الحرب، يجتمع اللبنانيون لإعادة بناء وطنهم في مواجهة كل خصومهم من الميليشيات المسلحة إلى الطبقات الفاسدة.

إنها فرصة قد لا تكرر ولكنها فرصة هائلة. إغلاق الطريق من عدمه تفصيل يمكن النقاش حوله ولكن ما لا يجب أن يتغير هو ضرورة إعادة بيروت لنفسها. 

مرة أخرى هو الوقت الذي سيحسم المعركة. بيروت عاد أهلها إليها، المهم الآن أن يبقوا فيها.

البسطات والباعة عادوا وأعادوا الروح إلى مدينتهم: جميلة ومتسامحة وحاضنة.    

الطلاب والأساتذة والفنانون رجعوا وارجعوا لها صوتها قوياً وحراً وهازئاً. 

الرفاق والعائلات والعشاق عادوا وأعادوا صورتها واثقة وضاحكة ومجنونة، مثل ثورة أبنائها.   

ثوار صور: الأمن أو الجوع

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400