انتفاضة لبنان : خلدون جابر وانتقام الرئيس

لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا "عهدك جوّع الكل".

لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا “عهدك جوّع الكل”…

هذا الهتاف أدى إلى اعتقال خلدون من قبل مخابرات الجيش واقتياده إلى مقر وزارة الدفاع. لساعات طويلة بقي مصيره مجهولاً، وبعد ضغط من عائلته وتحول قضية توقيفه إلى قضية رأي عام، تم اليوم إطلاق سراح خلدون الذي استقبلته كاميرات النقل المباشر وحشد من الصحافيين والمحبين، فوقف بينهم مبتسماً وقال: “أنا باق في الساحات مع كل الناس الأوفياء ولن أستسلم. سنبقى في الشارع ونكمل الثورة”. 

خلدون كشف أمام الإعلام ظهره لتظهر عليه آثار الضرب الشديد الذي تعرض له خلال ساعات قليلة من التوقيف. وروى عن أسلوب التحقيق معه والترهيب النفسي الذي تعرض له من خلال طرح أسئلة مثل: “من أنزلكم الى الشارع؟ مين دفع حق السندويشات..”، ليجيب خلدون: “الفقر هو من أنزلنا”…

وتكشف قضية خلدون دوراً مقلقاً للأجهزة الأمنية بعد تكرار حالات الاعتداء والتوقيف، التي أعلن عن جزء منها، فيما بقيت حالات أخرى طي الكتمان. هناك مثلاً الكاتب فادي توفيق الذي لفت على صفحته في “فايسبوك” إلى تعرضه للخطف والضرب من قبل عناصر أمنية وحين وصل إلى مقر مخابرات الجيش قال له الضابط إن خطأ حصل واعتذر منه. 

وفي الحقيقة يعيدنا مشهد اعتقال خلدون وضربه إلى ما حصل في بيروت وصور والنبطية، يوم صرخ أبناء هذه المناطق ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري وأمين عام “حزب الله” حسن نصرالله، فكان الرد من محازبي الاثنين بالهجوم على المواطنين والتعرض لهم بالضرب. وقتها بدل أن تدّعي النيابة العامة على المعتدين، ادعت على 51 شخصاً في قضية حرق استراحة صور، ما زال 18 منهم موقوفين بعد رفض القاضي تكليف المحامين المتطوعين الذين حضروا إلى قصر العدل في صيدا للدفاع عنهم.

“من أنزلكم الى الشارع؟ مين دفع حق السندويشات..”، ليجيب خلدون: “الفقر هو من أنزلنا”


وفي بيان حول قضية استراحة صور من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، تبين أن هناك مخالفات قانونية يقوم عليها الاحتجاز، وهي كالآتي: 

المخالفة الأولى: مدة احتجاز الموقوفين تجاوزت المهل المنصوص عليها في القانون من دون أن تصدر مذكرة توقيف بحقهم. فقد وصلت مدة احتجاز بعض الموقوفين إلى 22 يوماً، بناء على إشارة النيابة العامة، في حين أن القانون يسمح باحتجازهم لمدة أقصاها 48 ساعة، يمكن تمديدها لمدة مماثلة ويفرض مثولهم “في الحال” أمام قاضي التحقيق لدى انتهاء هذه المهلة من أجل استجوابهم وتقييم قانونية توقيفهم الاحتياطي وضرورته، (المواد 32 و42 و47 و106 و107 من أصول المحاكمات الجزائية). وهو ما يفرض الإفراج عنهم فوراً استناداً إلى مبدأ استثنائية التوقيف الاحتياطي.
المخالفة الثانية: تعرّض الموقوفين للضرب والعنف خلال احتجازهم والتحقيق معهم، وهو أمر مثبت بموجب تقارير من أطباء شرعيين ويشكل جرم المادة 401 من قانون العقوبات. كما أفاد أهالي الموقوفين بأن ظروف احتجاز أبنائهم مهينة وغير لائقة، ما يفرض الإفراج عنهم بأسرع وقت ممكن.

المخالفة الثالثة: رفض قاضي التحقيق تعيين المحامين المتطوعين للدفاع عن الموقوفين يخالف المادة 78 من أصول المحاكمات الجزائية التي تجيز لقاضي التحقيق تعيين محام مباشرة على المحضر، من دون حاجة إلى وكالة أو إلى تكليف من نقابة المحامين.

يشار الى أن المحامين المتطوعين قدموا طلباً خطياً إلى نقابة المحامين في بيروت لتكليفهم بالدفاع عن الموقوفين، وطالبوا نقابة المحامين بإصدار قرار التكليف بأسرع وقت ممكن لكي يتسنى للمحامين المتطوعين الدفاع عن الموقوفين أمام هذه المخالفات القانونية الصارخة.

 تحرير القضاء من التبعية السياسية والعمل على استقلاليته كان من أول المطالب الاحتجاجية السلمية في لبنان، بعدما شهدت البلاد في الآونة الأخيرة انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ولحرية الرأي والتعبير، فضلاً عن قضايا فساد كبيرة قابعة في الأدراج، ناهيك بالتبعية السياسية الواضحة التي تحكم عدد غير قليل من القضاة.

هذه القضايا برسم القضاء اللبناني الذي يتأرجح ما بين قضاة ومحامين جديين يحاولون إنفاذ العدالة في مقابل زمرة قضاة ومحامين موالين يحاولون تطويع القانون بما يخدم أصحاب النفوذ، فهل شرعت الثورة المضادة عبر أمن وقضاء تابعين للسلطة في الكشف عن أنيابها؟

محتجو الساحات قالوا كلمتهم وخلدون جابر اعلنها صراحة: سنكمل ثورتنا ولن ترهبوننا…

الانتفاضة اللبنانية خارج وجدان الإعلام العربي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email