انتفاضة لبنان: ثقافة “السحسوح” والاعتذار

هديل مهدي – صحافية لبنانية
نوفمبر 4, 2019
بعد "السحسوح"، تأتي الاعتذارات، إذ يكون على المواطنين أن يتأسفوا على ما بدر منهم من انتقاد لزعيم ما، وأن يطلبوا السماح وينهالوا علينا بفيديوات التبرير والتصويب. وهم بالتالي يعرّضون نفسهم لحملات التنمّر والسخرية والاستهزاء والعنف والاهانة.

“ما قبل السحسوح ليس كما بعده”، هكذا عنون من تداول فيديوات كثيرة نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. و”السحسوح” هنا يعني اشارة سلبية ومهينة لكنها تعبر عن الضغوط المتنوعة التي تمارسها الأحزاب على المحازبين المنتفضين السارحين في شوارع الثورة. بعد “السحسوح”، تأتي الاعتذارات، إذ يكون على المواطنين أن يتأسفوا على ما بدر منهم من انتقاد لزعيم ما، وأن يطلبوا السماح وينهالوا علينا بفيديوات التبرير والتصويب. وهم بالتالي يعرّضون نفسهم لحملات التنمّر والسخرية والاستهزاء والعنف والاهانة.

 على أنغام الثورة الحاصلة في لبنان، أثارت فيديوات الاعتذار تحديداً من الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري جدلاً، فأبطالها على الأغلب تعرضوا للإهانة من قبل عناصر حزبيين، عمدوا إلى ملاحقتهم وخطفهم و”تأديبهم” وحتى ضربهم وإهانتهم، ليضطر في النهاية كل من انتقد أو عبّر عن رأيه، إلى الاعتذار. حصل ذلك على مرأى من جميع اللبنانيين ومرأى السلطة التي لم تقدم على ملاحقة أو توقيف أي شخص من مرتكبي تلك الأفعال التي تتضمن الخطف والضرب والايذاء الاهانة وجميعها أفعال جرمية يعاقب عليها القانون.

آخر حكايات الاعتذار كانت للشاب ل.ش. من صيدا، الذي خُطف وقام الخاطفون بتعذيبه وإرغامه على الاعتذار “من صرماية السيد والأستاذ نبيه”، بحسب ما اتضح من تسجيل الفيديو الذي صوره ووزعه حزبيون لا تعنيهم دولة ولا قانون. ويعتقد البعض ان إقدام تلك العناصر الحزبية على ضرب واستهداف مواطنين من بيئة سنية كما حصل لهذا الشاب وآخرين هو استدراج لاستعادة الانقسام السني الشيعي بعد ان تراجعت سطوة الزعامات الطائفية في الانتفاضة اللبنانية التي شهدت تلاقياً كبيراً بين أبناء مدن وبيئات كان يعتقد سابقاً أنها أسيرة انقسام مذهبي لا فكاك منه .

الاعتذار اليوم بات صفة ملازمة لترهيب الناس واستهدافهم معنوياً وجسدياً، جراء الإساءة لزعامات الطائفة الشيعية، لتتحول القضية اليوم إلى قضية شتائم واعتذارات، تبعد هذه الشريحة من المواطنين من مطالبها المحقة في هذا الحراك، الانتفاضة، الثورة. 

اعتذار ل.ش. سبقه اعتذار من طرابلس، تقدم به الشاب ك.ت. من نصر الله بعدما أفرج عنه من قبل مخابرات الجيش اللبناني، وكان أقدم على شتم نصر الله في ساحة طرابلس أمام عدد كبير من المحتجين، ليبرر الشاب ووالده ما حصل ملقين التهمة على أحد السياسيين الذي دفع بالشاب نحو الشتيمة. ليتبين بعد ذلك أن الاعتذارات ما عادت تقتصر على البيئة الشيعية في الجنوب والبقاع، بل امتدت إلى أطياف أخرى. 

ظاهرة الاعتذار بالإجبار، التي يمارسها أنصار “حزب الله” و”حركة أمل” وغيرهما على من ينتقد الزعيم، تشير إلى انعدام الأمن في لبنان بخاصة في البيئة الشيعية، فقد أجبر شخصان من منطقة صور جنوب لبنان، على تقديم اعتذارات أيضاً، الأول من النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله بعدما طالبه بكشف ملفاته، والثاني كان موجهاً مباشرة إلى نصر الله. لتبقى هذه اعتذارات فاقدة القيمة لأنها تحت التهديد والضرب.

أبناء البقاع شملتهم أيضاً موجة الاعتذارات، فـ(و.م.) اعتذر أيضاً واصفاً ما تفوه به قبل يوم بأنه “لحظة غضب”، طالباً السماح من نصر الله وبري.

يصر الثنائي الشيعي من خلال تصوير مثل هذه الفيديوات على إذلال أبناء بيئته تحديداً. فالضغط الذي يعاني منه أبناء الجنوب والبقاع أي أماكن نفوذ الثنائي، مختلف عن بقية المناطق.

تعيدنا سلسلة هذه الاعتذارات إلى الأعوام الماضية، إلى حادثة إزالة الاعتداءات في موقف حي السلم حيث تكررت حالات الاعتذار من نصر الله أو “كعب حذائه” كما ردد كثر ممن هاجموه في تلك الحادثة. 

يبدو أن الاعتذار اليوم بات صفة ملازمة لترهيب الناس واستهدافهم معنوياً وجسدياً، جراء الإساءة لزعامات الطائفة الشيعية، لتتحول القضية اليوم إلى قضية شتائم واعتذارات، تبعد هذه الشريحة من المواطنين من مطالبها المحقة في هذا الحراك، الانتفاضة، الثورة. 

انتفاضة لبنان: ضرورة البقاء خارج الحكومة …

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email