fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

انتخابات تونس: الأمل القادم من المغرب العربي

لعل أكثر ما يمكن تسجيله في تونس، ولتونس، عشية الانتخابات الرئاسية وفي يوم الاقتراع هو أن هوية الفائز في هذه الانتخابات ما زالت مجهولة، وأن التقديرات عاجزة سوى عن ترجيح عدم قدرة أي من المرشحين عن حصد الخمسين في المئة المطلوبة لحسم النتيجة من الدورة الأولى، وبالتالي ترجيح الانتقال إلى الدورة الثانية للتنافس بين المرشحيَن الأولين.

ناخبون داعمون للمرشح نبيل القروي

تونس الهادئة وغير المحتقنة والسائرة إلى الاقتراع من دون شعور الكتل الناخبة أن المنافسة الانتخابية تقتضي توتراً، تونس هذه لا تعرف من سيفوز اليوم. ومرة أخرى نحن أمام الاستثناء التونسي، ذاك أننا فعلاً أمام تجربة لن تفضي إلى حربٍ أهلية على نحو ما شهدته دول الربيع العربي. هذا لا يعني أن صاحبة ثورة الياسمين منسجمة ومتوافقة، وأن نجاح الثورة أفضى إلى نجاح التجربة، إلا أنك في تونس وعلى رغم المصاعب الكبرى التي يواجهها هذا البلد تشعر بأن شيئاً غير مقلق وأن هذا البلد سينجو.

وما يعزز شعورك هذا هو أن تونس تكاشف نفسها بكل ما تكابده من مشاكل. الفساد مثلاً هو جزء من نقاش عام، وتقابله شفافية في المعلومات فرضتها قوى اجتماعية موازية، بحيث تواجه رغبة القوى الأمنية مثلاً في ضبط الصحافة بشجاعة محصنة بقوانين يمارسها الصحافيون وتحميهم من أجلها نقابتهم.

التدخل الخارجي بالانتخابات موجود، للإمارات العربية مرشحها وهو على ما يقول التونسيون محسن مرزوق الذي انسحب لمصلحة عبد الكريم الزبيدي، ما يعني أن ضوءاً أخضر اماراتياً أعطي له ليفعل ذلك، ولقطر مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو. لكن النفوذ الخليجي في هذه الانتخابات لا يشبه نفوذ الدول الإقليمية في المشرق. فالنظام السياسي لدولة ما بعد الثورة شديد الحساسية حيال استتباع تونس، والإمارات وقطر في تونس هما غيرهما في اليمن وفي لبنان. وأن تقف قطر مثلاً خلف مرشح حركة النهضة فإن الأخير يدرك حدود علاقته معها، ويعرف أن رأياً عاماً لا يسمح له على الاطلاق أن يطلق ما أعلنه حسن نصرالله قبل أيام لجهة أن لبنان جزء من مخيم بقيادة الخامنئي.

 

النظام السياسي لدولة ما بعد الثورة شديد الحساسية حيال استتباع تونس، والإمارات وقطر في تونس هما غيرهما في اليمن وفي لبنان. وأن تقف قطر مثلاً خلف مرشح حركة النهضة فإن الأخير يدرك حدود علاقته معها، ويعرف أن رأياً عاماً لا يسمح له على الاطلاق أن يطلق ما أعلنه حسن نصرالله قبل أيام لجهة أن لبنان جزء من مخيم بقيادة الخامنئي. ومرة أخرى تكشف تونس عن رجاحة عقل نادرة في هذا الزمن العربي.

 

ومرة أخرى تكشف تونس عن رجاحة عقل نادرة في هذا الزمن العربي. ففي الأيام القليلة التي سبقت الانتخابات تصدر عبد الكريم الزبيدي الترجيحات في أن يتقدم على غيره من المرشحين من دون أن يتمكن من حسم النتيجة من الدورة الأولى. والزبيدي هو وزير الدفاع الحالي وهو قيادي سابق في حزب نداء تونس انشق عنه. والأهم أن الزبيدي كان وزيراً شبه دائماً في حكومات عهد زين العابدين بن علي، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن تونس التي أطاحت ببن علي لا تريد أن تقطع هذا الماضي، وإذا كان حزب نداء تونس الذي نشأ كتحالف انتخابي في الدورة التي سبقت هذه الدورة قد تصدع وتفكك، إلا أن القوة التي تقف وراءه هي من سيحدد على ما يبدو هوية الرئيس الجديد.

مرشح “النهضة” عبد الفتاح مورو

 

يتنافس في هذه الانتخابات 25 مرشحاً من بينهم امرأتان، ولا يبدو أن الحركة النسوية مندفعة للاقتراع لهاتين المرشحتين ذاك أنهما قادمتان من خارج همومها. لكن الأبرز أيضاً في خريطة الترشيح هو أن أحد المرشحين الأساسيين هو نبيل القروي موقوف بتهمة فساد، لكن هذا لم يمنع من خوض القروي الانتخابات ومن عمل ماكينته الانتخابية، وهي ماكينة ضخمة ذاك أن الرجل متمول وصاحب أحد أهم محطات التلفزيون في تونس. وفي مقابل خوض القروي الانتخابات من سجنه يخوضها رئيس الحكومة يوسف الشاهد من موقعه الذي يعتبر أعلى سلطة تنفيذية، وهذا بدوره لم يعط الشاهد أرجحية بالفوز، لا بل أن التقديرات لا تضعه بين الثلاثة الأوائل، وتُقدم عليه وزير دفاعه عبد الكريم الزبيدي. 

تونس ليست هذه المرة أمام تنافس بين قواها العلمانية وغير الدينية وبين حركة النهضة. فللنهضة مرشحها الرسمي، وهو الوجه المعتدل فيها الشيخ الزيتوني عبد الفتاح مورو، لكن يبدو أن الكتلة التصويتية للنهضة مشتتة هذه المرة على نحو ما هي مشتتة الكتلة التصويتية لما كان يسمى نداء تونس، فالقيادي السابق في النهضة حمادي الجبالي سيقتطع جزءاً من أصوات النهضة، وكذلك الرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي كان مرشح النهضة للرئاسة في الدورة السابقة. 

حظوظ النهضة غير كبيرة على ما يبدو، وهي تراهن على التفاوض على كتلتها التصويتية في الدورة الثانية في مقابل حصص في الحكومة، وهذا ما يكشف بدوره عن براغماتية تتمتع بها الجماعة لا تتوفر لدى غيرها من فروع الإخوان المسلمين في الدول الأخرى. 

ما كان يسمى القوة الثالثة في تونس، وهو اليسار يعاني بدوره من انشقاقات، وترشح إلى الانتخابات الرئاسية منه ثلاثة مرشحين ليس الزعيم التقليدي لليسار حمة الهمامي أقواهم، ذاك أن منجي الرحوي يتقدمه في التوقعات.

يبدو أن تونس ستستمر في خيارٍ مواز لخيارها عندما اقترعت للرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، فالأخير مثل تقاطعاً في مصالح الشرائح المتضررة من النظام السابق من دون أن تكون راغبة في القطع معه، والأهم مثل حساسية لا تلتقي مع المزاج الإخواني الذي تمثله النهضة.

سيرتسم في منتصف ليل يوم الأثنين مشهد الجولة الأولى من الانتخابات التونسية. وستقول تونس كلمتها، ولن تعطي مهمة اختيار الرئيس لغيرها.   

تونس: يوسف الشاهد وقفزة صعوده من الفلاحة إلى الرئاسة 

إقرأ أيضاً