fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

اليوم، لن أحنّ إلى خبز أمّي

الحوار معهنّ صعب، والتعبير لهنّ أصعب. حتّى الكتابة لهنّ قصاص لا يُحيل الراشدَ طفلاً، بل أفظع من ذلك، يجعله مراهقاً أحمق، كما هي الحال الآن. تتجمّد الأصابع حين تتذكّر هويّة المُخاطَبة، فتغدو تنقّلاتها من حرفٍ إلى حرف متثاقلة، مهمومة، مائلة إلى الحريّة التي يعِدُها بها الاستسلام المُغري.

حالةُ ارتباكٍ تسود النفس لدى استحضار شبح الأمّهات، تُشبه لحظة قراءتنا ذاك السؤال الوحيد الذي لم نحضّر له على ورقة الامتحان.

إن دلّت الكتابة للأمّهات إلى أمرٍ وحيد فسيكون في الغالب عجزنا عن الحديث معهنّ بكلّ راحة، أو هدوء، أو الاثنين معاً. فالاحتكاك بهنّ يبقى مشحوناً، مهما توطّدت الأواصر ولانت أفعال التقارب.

بدايةً، تعالوا نجعل اليوم استثناءً، من باب المشاكسة، لا أكثر. تعالوا لا نعتذر ولا نشكر. لا نندم ولا نحزن. لا نُنظِم البيوت الشعريّة ولا ننتقي الورود ونعطي معنًى لألوانها. بدلاً من ذلك، فَلْنستمرّ في التقبّل والتفهّم. نحن الذين امتهنّا تفهّم قلق أمّهاتنا المُشبع حزناً حيناً، وأنانيّةً حيناً آخر. نحن الذين يجتاحنا قلقهنّ، المحكي والمبلوع، ونمتصّه أيضاً، باسم الحقّ.  

لا جديد في ذلك. ولا جديد في النغمة التي أَطلقَتْ علينا ذاتَ الحكم الغيابي الذي تتصدّره كلمة مؤبّد: أمّهاتنا قلقات علينا، وعلى مستقبلنا المجهول، وعلى جهلنا المخمور.

كما الله، يُرِدْن لنا أكثر ممّا نريد لأنفسنا. وعن سرّ هذا الهوس بالأكثر… فالله أعلم.  

ثانياً، تعالوا لا نشتري غرامات ذَنْب، ولا أواقي التزامات أخلاقيّة مُكرّرة. فقد ادّخرنا منها لمونة المستقبل ما يكفينا للأعوام المتبقّية من أعمارنا وأعمار أطفالنا.

مزيجٌ من المخاوف الجاهزة يتأهّب عند كلّ فجرٍ أَرِق يدفعنا إلى اجترار مشاعر بطعم الأمّهات. سيلٌ من العواطف الحارّة والحائرة يفيض أمام وجوههنّ المُعاتِبة في الصباح، حتّى ولو كانت في الحقيقة تباركنا قبل الرحيل.

كما الله، تحبّنا أمّهاتنا من دون مقابل. كيف لعاقل أن يصدّق تلك النكتة؟

من يُحبّ، يطلب مقابلاً، له أو للطرف الآخر، لا يهمّ. وحين يقول إنّه لا يتوخّاه، فهذا يعني أنّه لا يكترث.

ثالثاً، ومن باب تغيير الجوّ، تعالوا لا نحوّل عيد الأمّهات إلى مناسبة نكرّر فيها شعار “الحقوق بدلاً من التابرويرات!”. لا ضير في هذا الشعار، المعلوك. لكن لنتقبّل أنّ أمّهاتنا متعلّقات بالتابرويرات، وأنّه علينا أخذ المسألة على محمل الجدّ، وأنّنا قريباً سنسلك درب التمسّك بالتفاصيل واللّوازم نفسها، إن لم نسلكها أصلاً بعد.

كما الله، تطالبنا أمّهاتُنا بما يُثبت حسن النيّة وجدّية المحاولة ومظهر السعي. أضعف الإيمان! إنّما الفخّ بالتابروير نفسه. فقد اتّضح أنّ التابروير مجرّد وعاء لمطالب أعقد لا تحسن أمّهاتنا ولا نحن توضيبها.

رابعاً، تعالوا نتجاهل الإعلانات التي تهوى رمي أمّهاتنا في قوالب ضيّقة قوامها بضعة أدوار نمطيّة قرّر رجلٌ ناقص الذوق وحسير البصر أنّها تليق بجنسهنّ. تعالوا نقلب هذا العالم رأساً على عقب، من دون أن يعني ذلك حمل السلّم بالعرض. فالقليل من الفولكلور يُفرح قلب الإنسان.

كما الله، قد نجلّ الأمّ وهي على عرشٍ بعيد، ونهابها وهي على كرسي قريب. لعلّها فروض الإجلال الموروثة خلف مخافتهما؟ أم هو تداخل أنساق العبادة؟

خامساً، تعالوا نبعث الأمل في قلوبهنّ العطشى، ونصير لهنّ ما أردن أن يصبحن وننتهي!

ربّما يساعدنا ذلك في إقفال هذا الملفّ الشائك مرّةً وإلى الأبد. وفي أسوأ الأحوال، نتيح لذواتنا المُعلَّقة الدخول في هدنة غير معلنة وتسوية أطول. لكن قبل ذلك، تعالوا نكاشفهنّ بالحقيقة المرّة. حقيقة أنّنا مرآة آلامهنّ وإخفاقاتهنّ أكثر من أفراحهنّ ونجاحاتهنّ، لا لشيء، سوى أنّ الألم والإخفاق أصدق.

كما الله، نحبّ المتألّمين أكثر، فلا نشفيهم.  

سادساً، تعالوا ننتقل من مرحلة المراهق الغاضب الكئيب المنزوي الفوضوي الغريب التائه الفضولي المسلّي، إلى النسخة الراشدة منه التي عرفت أخيراً كيف تضبط إيقاع عواطفها- أم لا. تعالوا نطالب أمّهاتنا بحبٍّ يعترف أنّه يطالب المحبوب بمقابل، ولنتفاوض مع بعضنا، بلطف، ولكن الأهمّ، بسخاء.

كما الله، “أمّهاتنا كريمات”، ولكن الأهمّ، أن نصدّق “أنّنا نستأهل”.  

سابعاً، تعالوا نستريح من كلّ هذا الخلق. تعالوا لا نعذّب أمّهاتنا أكثر. فعذاباتهنّ كافية لشطف جهنّم.

 

مانيفستو “العوانس” الجديدات

إقرأ أيضاً