fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

اليمن على حافة الهاوية: كيف تستفيد الإمارات من فوضى الحرب؟

قبل أربع سنوات، كان أيمن عسكر يقضي عقوبة بالسجن المؤبد في جنوب اليمن، بتهمة القتل. لكنه حالياً رجل ثري وذو نفوذ تمتد صداقاته عبر خطوط الحرب الأهلية العديدة التي دمرت البلاد.عُين عسكر مؤخراً مديراً للأمن في بلدة كبيرة بمدينة عدن الساحلية الجنوبية، من قبل الحكومة اليمنية، التي ظلت السعودية تقصف البلاد باسمها لمدة  ثلاث سنوات ونصف ولا تزال. لكن عسكر بدوره صديق وحليف للإمارات، أكثر الشركاء عنفاً في التحالف الذي تقوده السعودية والذي يقاتل من أجل إعادة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي أجبره المتمردون الحوثيون على ترك منصبه ​​عام 2015.

نال السعوديون الجزء الأكبر من الامتعاض العالمي على تدخلهم الدموي في اليمن، إلا أن الإمارات تلعب دوراً أقوى على أرض الواقع، وعُرف عن حلفائها في الجنوب، بمن فيهم المليشيات المحلية والمقاتلين السلفيين والانفصاليين في جنوب اليمن الذين يريدون الانفصال عن حكومة هادي، محاربة وكلاء السعوديين في البلاد.

اليوم، يتحالف عسكر مع حكومة اليمن ومع الإمارات، مع أنه منذ فترة ليست بعيدة كان عضواً في تنظيم القاعدة، عدو كليهما معاً. ارتقى عسكر التسلسل الهرمي للسلطة خلال فترة السجن: إذ أدار بقالةً واستراحة للعب البلاي ستيشن في واحدة من زنازين السجن، وصار صديقاً للعصابة الأقوى في السجن، التي تألفت من مجموعة من السجناء كانوا أعضاء في تنظيم القاعدة. وكان يصلي معهم، ويحضر محاضراتهم، كما أطلق لحيته وبدأ يرتدي ملابس تشبه ملابسهم، إلا أن أصدقاءه يقولون إنه لم ينضم إلى التنظيم على النحو الواجب قط، لأنه أكثر انتهازية من أن يدين بالولاء لقضية واحدة.

عندما قام مقاتلو الحوثي في شمال اليمن –والذين تدعمهم إيران- بغزو الجنوب وأطاحوا بالحكومة في العاصمة صنعاء، مجبرين هادي على الفرار جنوباً إلى عدن، ثم خارج اليمن إلى السعودية، كان عسكر لا يزال سجيناً. لكن في الفوضى التي أعقبت ذلك، اقتحم مقاتلو القاعدة السجن وأطلقوا سراح النزلاء فيه. بعد ذلك انضم عسكر إلى المقاومة وقاتل الغزاة الحوثيين مع أصدقائه الجهاديين، وتميز بنفسه بصفته قائد ميداني قاسٍ، وقسم وقته بالتساوي بين القتال وعمليات النهب.

بعد بضعة أشهر، طُرد الحوثيون من عدن بفضل كلٍ من المليشيات المحلية والانفصاليين الجنوبيين والقوات الحكومية والوحدات الإماراتية والسعودية. وتوسعت اهتمامات عسكر وتجاوزت الجهاد، ففرض الحماية على الميناء وعمولةً على كل شحنة تمر من خلاله. أصدرت الحكومة عدداً من الأوامر بالقبض عليه، لكنه نجا منها جميعاً. بعد ذلك بوقت قصير صار صديقاً للضباط الإماراتيين الذين جاءوا مع القوات التي استولت على المدينة – وقضى فترات طويلة في دبي وأبوظبي، وأقام علاقاتٍ هناك. كوفئ على صداقته تلك بعقد تنقل مجزٍ، انتقل بعده إلى تجارة مربحة هي نهب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الواقعة في أرجاء عدن.

أيمن عسكر

ليس أيمن عسكر إلا واحداً من بين الذين استفادوا من الحرب في اليمن – الصراع الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، والذي يُقدر عدد المعرضون لخطر المجاعة فيه حالياً بـ14 مليون شخص.

انتهت محادثات السلام التي رعتها الأمم المتحدة في السويد بالتوصل إلى وقفٍ مؤقت لإطلاق النار بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة، في ميناء الحديدة المطل على البحر الأحمر، وهو بوابة بالغة الأهمية في إيصال المساعدات الإنسانية إلى البلاد. يسيطر الحوثيون على المدينة منذ عام 2015، لكنها ولعدة أشهر كانت واقعة تحت هجوم قوات التحالف الإماراتي-السعودي، ما أدى إلى تحذيرات من وقوع كارثة إنسانية أشد سوءاً.

الواقع أن هذه الحرب لم تعد مجرد حرب واحدة. إذ أنها بدأت في أول الأمرة بصراع بين خصمين واضحين؛ هما التحالف الذي تقوده السعودية متحالفاً بدوره مع الحكومة، وميليشيا الحوثي التي تدعمها إيران. لكن نفوذ التدخل الخارجي والتمويل الذي قدمه -خاصة الإمارات- ساعد في تجزئتها إلى معارك متعددة ومناوشات محلية لن تنتهي بالضرورة بموجب أي اتفاق للسلام. والآن، صارت اليمن خليطاً من الإقطاعيات المُدججة بالسلاح والمناطق المضطربة.

ثمة حرب إقليمية قائمة بين الشمال والجنوب، وثمة صراع طائفي بين الشيعة الزيدية -أمثال الحوثيين- وبين السلفيين السنة. وبخلاف هذه الانقسامات الرئيسية، هناك العديد من الصراعات الأصغر.

يبدو أن التحالف الذي تقوده السعودية هو نفسه تشوبه الصراعات وتعتريه المنافسات، إذ يتبع أعضاؤه الرئيسيون مخططات منفصلة ويتآمر كل منهم ضد الآخر. في مدينة تعز، الواقعة في وسط اليمن والتي وقعت ولا تزال تحت الحصار والقصف من جانب الحوثيين منذ أكثر من ثلاث سنوات، ينقسم المقاتلون في قوات التحالف إلى أكثر من عشرين فصيل عسكري مختلف؛ بما في ذلك الميليشيات المحلية التي تدعمها وترعاها الإمارات، إلى جانب تنظيم القاعدة وغيره من الفصائل الجهادية الأخرى. بل الأدهى من ذلك أن بعض المقاتلين يغيرون مواقفهم، ويبدلون الأطراف التي يحاربون لصالحها وفقاً لمن يقدم لهم أموالاً أكثر.

قبل عامين، عندما ذهب أحد الشيوخ السنة القبليين من مدينة البيضاء –الواقعة على الخط الوهمي التقليدي الفاصل بين الشمال التابع للزيدية والأراضي الجنوبية التابعة للسنة- لكي يطلب المساعدة من الإمارات في معركته ضد الحوثيين، أخبره جنرال إماراتي بأن المتمردين الحوثيين “لم يعودوا أولويتنا ولا ألد أعدائنا”. وقيل للشيخ إنه إذا أراد أسلحةً من الإمارات، فعليه أن يقاتل تنظيم الدولة الإسلامية –داعش- وتنظيم القاعدة وحزب الإصلاح؛ حزب سياسي إسلامي يؤدي دوراً بارزاً في الحكومة نفسها التي ادعت الإمارات أنها أرسلت قواتها لحمايتها.

حالياً توجد ثلاث قوى مختلفة تقاتل في أراضي ذلك الشيخ، تتلقى كلٌ منها الدعم من قبل واحدة أو اثنين من الأطراف الرئيسية في التحالف؛ وهم الإمارات والسعودية والحكومة اليمنية. وقد تلقى كل جيش يقف في هذه المنطقة المليئة بالتلال الصلبة والأحجار البركانية السوداء، ملايين الدولارات في صورة معدات عسكرية وشاحنات ورواتب للمقاتلين. بينما في الوقت نفسه، لم يعد المزارعين في نفس هذه الأراضي قادرين على شراء الوقود لتشغيل المعدات الزراعية، وصاروا يسيرون خلف الحمير النحيفة التي تدفع محاريثهم الخشبية، بينما يصبح أبنائهم مقاتلين وأعضاء في المليشيات.

يبدو أن الإماراتيين هم الوحيدون في ذلك التحالف الذين لديهم استراتيجية واضحة. إذ إنهم يستخدمون جيوشاً خاصة قاموا بتشكيلها وتدريبها وتمويلها، في محاولة منهم للقضاء على التطرف الجهادي والأحزاب السياسية الإسلامية أمثال حزب الإصلاح. بنى الإماراتيون على طول الساحل الجنوبي -حيث تحالفت الإمارات مع الحركة الجنوبية الانفصالية، التي تعارض  كل من الحوثيين وحكومة هادي- سلسلة من المخيمات والقواعد العسكرية، وأسسوا ما يُمكن اعتباره دولة موازية من الناحية الجوهرية، لها أجهزتها الأمنية الخاصة بها ولا تخضع للمساءلة أمام الحكومة اليمنية. كشفت منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش عن وجود شبكة من السجون السرية تديرها الإمارات وقواتها العميلة، المتهمون بإخفاء وتعذيب أعضاء من حزب الإصلاح ومقاتلين حوثيين من فصائل متناحرة، بل وحتى نشطاء وناقدين للتحالف السعودي-الإماراتي. وقد حرص الوزراء اليمنيون على الإشارة إلى الإماراتيين بصفتهم “قوات احتلال”.

شملت الاستراتيجية العسكرية المتهاوية التي تبنتها السعودية قصفاً لا هوادة فيه على المدنيين. ودفع حصارها لموانئ اليمن ملايين الناس إلى حافة المجاعة. وفي السنوات القليلة الماضية، انحصر دورها في لعب دور صانع سلام بين حليفيها، الإمارات والحكومة اليمنية.

يُبين ما حققه الإماراتيون في اليمن –من تشكيل جيوش خاصة ودعم الانفصاليين في الجنوب والتآمر لتدمير النظام السياسي، بينما في الوقت نفسه يسيطرون على الممرات المائية الاستراتيجية في البحرين العربي والأحمر- كيف توسع دولة صغيرة وطموحة للغاية نفوذها في المنطقة وفي العالم.

استمر احتلال الحوثيين لعدن أربعة أشهر فقط، وبعد إخراجهم من المدينة، دبت آمال كبيرة في نفوس الانفصاليين في حركة الجنوب. ولأول مرة منذ عام 1994 – عندما سحق الشمال بسهولة، الجيش الجنوبي، للقضاء على محاولةٍ للانفصال – تحررت المدينة من أي سيطرة شمالية، واستقرت جميع قوات الأمن بين أيدي الجنوبيين، وكانوا يمتلكون الأسلحة بالإضافة إلى حليف قوي، الإمارات العربية المتحدة، التي سيطرت على الجبهة الجنوبية.

وبفضل مساندة الإماراتيين لهم ودعمهم، اعتقد سكان عدن أن مدينتهم ستتحوّل إلى دبي القادمة، حيث تتوافر الكهرباء والماء والوظائف. وقد أخبرني محافظ عدن المتحمس، وهو جنرالٌ سابقٌ، عاد من لندن للمساعدة في إعادة بناء المدينة قائلاً إن الشركات ستأتي إلى المدينة لِتزاول أنشطتها، وستسترجع عدن مجدها القديم، وسيستعيد ميناؤها، الذي ظلت أنشطته مجمدة قبل الحرب، مكانته، وستفتح السفارات أبوابها من جديد. في الأشهر التي أعقبت رحيل الحوثيين في عام 2015، استُقبِل الإماراتيون بحفاوة المحررين، وبيعت أعلامهم في متاجر الأسواق، وزُينت نواصي الشوارع والأسلحة  بصور القادة الإمارتيين.

في الشوارع، كان الواقع مختلفاً. بدت “عدن المحررة” أشبه بالمدن الأخرى التي دمرتها الحروب الأهلية التي أعقبت الربيع العربي. وأصبحت الحرب السبيل الرئيس للوظائف، لِتكتظ الشوارع بالمقاتلين على متن شاحنات صغيرة محملة ببنادق رشاشة ثقيلة، بينما راح قادة جماعات المقاومة المتفرقة والمتناثرة يطالبون بنصيبهم من الغنائم المنهوبة من مدينة فقيرة محطمة.

أحكم أقوى هؤلاء القادة، أمثال أيمن عسكر، سيطرتهم على الموانئ والمصانع وأي مؤسسةٍ تدر دخلاُ، من خلال فرض حمايتهم عليها عن طريق الابتزاز، في حين اكتفى القادة الأصغر حجماً بنهب الممتلكات العامة والخاصة، لاسيما إذا كانت هذه الممتلكات الخاصة تعود لأهل الشمال.

وبحلول نهاية عام 2015، وقعت الحرب ضد الحوثيين  في مستنقع التنافس بين أعضاء التحالف، وانتشار المليشيات التي تسيطر على مناطق البلاد، فضلاً عن توسع نفوذ القاعدة في الجنوب. هكذا تحوّلت أحلام سكان عدن، الذين علقوا آمالهم على ازدهار مدينتهم الفقيرة بمساعدة إخوانهم الإماراتيين الأغنياء، إلى سخطٍ وإحباطٍ وخيبة أمل. واقتنع الشيخ السلفي عندئذ بضرورة القيام بشيءٍ ما.

على غرار العديد من القادة اليمنيين الآخرين، أصبح الشيخ زائراً منتظماً لدولة الإمارات العربية المتحدة، ينعم فيها بكرم ضيافة رعاته الجدد، والاستراحة من أرق الوضع المتدهور في عدن. وخلال إحدى زياراته إلى أبو ظبي، قال الشيخ إنه التقى بأستاذٍ مسنٍ ومستشار لمحمد بن زايد، ولي العهد الإماراتي ورئيس قواتها المسلحة. وقد صاغ هذا الأستاذ مصطلحاً جديدا أطلق عليه اسم “خلجنة العرب”، والذي أصبح رائجاً  بين النخبة الحاكمة في أبو ظبي. إذا أرادت بقية دول العالم العربي أن تنجح، بحسب ما ذكر الأستاذ الخليجي، يتعين عليها أن تسير وفق نموذج الدول الخليجية – الذي يتمثل في التخلي عن الديمقراطية والتمثيل الشعبي في مقابل توفير الرخاء المالي والأمن، وقد اقتنع الشيخ السلفي على الفور بهذا الطرح.

في إحدى الليالي التي قضاها في أبو ظبي، بعد وقتٍ قصيرٍ من مقابلته مع الأستاذ المسن، جلس الشيخ في غرفته الفخمة في الفندق وبدأ في كتابة رسالة طويلة موجهة لحلفائه الإماراتيين، يرسم فيها خارطة طريق لإنقاذ جنوب اليمن والتدخل الذي تقوده السعودية. وبعد أن حمد الله، وأثنى على الجنود الإماراتيين الشجعان، وقائدهم الحكيم محمد بن زايد، بدأ في إحصاء المشاكل التي تهدد المغامرة الإماراتية في اليمن.

في بيانه الذي تضمن 16 نقطة بعنوان “خارطة الطريق لإنقاذ عدن”، دعا الشيخ السلفي إلى تشكيل قوة أمنية جديدة تتألف من مقاتلي المقاومة، وإنشاء جهاز استخباراتي جديد، وتطبيق مفهوم “الخلجنة” عن طريق حظر الأحزاب السياسية، والانتخابات أيضا، في أفضل الأحوال. كما أوضح قائلاً “توجب علينا هزيمة القاعدة واستخدام الجنوب كنموذج يدلل على كيفية تنفيذ استراتيجيات الخليج الجديدة”.

وحذر الشيخ من أن النزعات الانفصالية تكتسح عدن، واقترح على الإمارات، بأن تستفيد من هذه اللحظة المناسبة من خلال دعم فصيلٍ وفيٍ من الانفصاليين –  من أجل منع قوة أخرى، مثل قطر أو إيران، من استمالة الحركة الجنوبية.

قال لي “أنصت، أنا أعمل مستشاراً لصالح الإماراتيين وأردتهم أن ينجحوا. مصائرنا متشابكة؛ ستكون كارثة إذا ما فشلوا وقرروا الرحيل، وسيحل الخراب بعدن. أعلم أنني أحتاجهم وأعتمد عليهم، لكني لستُ ساذجاً كذلك. أعلم أن لديهم مشروعهم وأهدافهم ومخططهم الخاص، لكن لا بأس في التعاون معهم”.

بعد عودته إلى عدن، عمل الشيخ مع جنرال إماراتي لتكوين وتدريب قوة أمنية جديدة موالية لهم وقادرة على مواجهة تهديد الجهاديين الذي يتزايد يوماً بعد يوم. وبينما كان الجميع يطالب علانيةً بمساعدة مؤسسات الحكومة اليمنية وإعادة بناء جيش حديث، كان ما أراد الإماراتيون في الواقع هو وكلاء أقوياء يمكن التحكم فيهم دون تدخل من هادي، الذي كان بمثابة عقبة أمامهم، خاصة بعد تحالفه مع التجمع اليمني للإصلاح، عدو الإمارات.

قال الشيخ “لقد كانت مؤسسات الجيش والشرطة اليمنية الموجودة مؤسسات فاسدة وفاشلة، وأراد الإماراتيون قوة جديدة”، وأضاف “كانت الخطة هي تدريب وتجهيز قوة مكونة من 3000 رجل، لكن انتهى بنا المطاف بقوة يبلغ عدد أفرادها 13000، لذلك قسمناهم إلى أربع كتائب”. كان القائد العام للقوة الجديدة التي أطلق عليها اسم “الحزام الأمني” وجميع قادة الكتائب جنوبيين سلفيين، وكذلك بعض المقاتلين. وصار الشيخ واحداً من كبار القادة.

شكل الإماراتيون مع مرور الوقت ستة جيوش، انتشرت في عدن وجنوب اليمن. يعمل قادتهم جنرالات حرب مستقلين، ولديهم دبابات و سجون وقوة موالية لهم. لا توجد قيادة مركزية تربط كل هذه القوات، ولا تسيطر الحكومة اليمنية عليهم كذلك.

لكنهم يعملون تحت قيادة القائد العام الإماراتي مباشرةً، وهو الذي يعيّنهم ويفصلهم حسب ما تمليه عليه رغبته، ويوزع هباته بناء على مدى تعاونهم وفعاليتهم. وعلى عكس وحدات الجيش الحكومي اليمني، بأعدادها الضخمة والجنود الذين لا يتقاضون أجورهم بانتظام، يحصل جنود القوات التي تسيطر عليها الإمارات على أجورهم بانتظام ويرتدون ملابس أكثر جودة ويحملون أسلحة أفضل، كما أنهم يحبون ارتداء أقنعة سوداء والتعامل بوحشية مفرطة. ويمارسون الاعتقال والتعذيب والقتل دون رادع وبحصانة كاملة.

قابلتُ أحد قادة الحزام الأمني في قاعدته شمال عدن، بالقرب من نقطة تفتيش كبيرة تفصل المدينة عن محافظة لحج المجاورة، حيث كان للجهاديين حضور قوي للغاية. وقال عندما وصل كان لمقاتلي القاعدة مواقع على بعد 200 متر تقريباً. وكانت المقاطعة بأكملها تحت سيطرتهم.

وفقاً لتقرير الأمم المتحدة الذي نُشر نهاية 2018، تقوم جميع الأطراف في اليمن باعتقال المشتبه بهم دون محاكمة، وتعذيبهم كذلك. وقد كان الحوثيون يخفون الكُتّاب والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان  حتى قبل بدء الحرب.

لكن لا أحد يستطيع منافسة الاعتقالات والتعذيب والاخفاء القسري الذي تمارسه القوات الإماراتية. وقد تلى تشكيل هذه القوات عام 2016، حملة إرهابية غير مسبوقة. قام رجال مقنعون بالقبض على الناس ليلاً في أسرتهم، ولم يعلن أحد مسؤوليته عن عمليات الاختطاف هذه. وعلى الرغم من أن الحملة انطلقت ظاهرياً لمحاربة القاعدة، إلا أن الأهداف توسعت لتشمل أي شخص يتجرأ على معارضة وجود الإمارات في اليمن.

قابلتُ في الصيف محامية من منظمة حقوق الإنسان كانت تعمل مع وزارة العدل اليمنية، كانت تجمع قوائم بأسماء المحتجزين وشهاداتٍ منهم ومن عائلاتهم، قالت “بعد معركة عدن، توقعنا أن يشكل الإماراتيون جيش مقاومة واحد، لكنهم بدلاً من ذلك، أنشأوا عشرات القوات لاحتجاز كل من يعارضهم. وصارت ملاحقة تنظيم القاعدة حجة – إذ يتم اعتقال أي شخص لا يوافق على وجود الإمارات، ويجري تعذيب جميع المعتقلين تقريباً، غالباً ما يتم تعليقهم في السقف، ويتعرض العديد منهم للإعتداء الجنسي. الشيء المحزن هو أن الجنوبيين الآن يعذبون بعضهم بمباركة الإمارات، بينما تقف الحكومة اليمنية عاجزة مكتفية بالمراقبة”.

وضعت الصحفية كومة من الملفات أمامي، وهي تعتقد بوجود ما لا يقل عن 5000 حالة، قالت “لا نملك شيئاً نفعله.. نطالب بزيارة السجون لكنهم لا يستجيبون، حتى لو كانوا منتمين لتنظيم القاعدة حقاً، لا يمكن تعريضهم للتعذيب على هذا النحو. إنهم يخلقون قنابل موقوتة من كل هؤلاء الناس الذين تعرضوا للتعذيب، وبوضعهم الأبرياء مع الجهاديين والأطفال مع كبار السن في غرف مزدحمة”.

ترتعد عدن خوفا. كانت الحياة أسهل أثناء الحرب، كان بإمكانك تجنب الخطوط الأمامية والأماكن المغلقة المزدحمة. تقول الصحفية “كنا نسلق البطاطا ونأكلها مع الخبز، لكننا كنا نشعر بالأمان. أما الآن فنحن نعيش خائفين”.

بعض السجناء لا يعرفون سبب احتجازهم. في العام الماضي اعتقل بعض الملثمين شاباً جامعياً يحب قراءة كتب التاريخ ومناقشتها مع أصدقائه في مقهى للشيشة، ووضعوه في صندوق شاحنة صغيرة، دافعين برأسه إلى الأرض، ثم مقتادين إياه إلى غرفة بلا نوافذ حيث احتُجز لثلاثة أسابيع. تم استجوابه عدة مرات ولكنه غالباً ما كان يُترك بمفرده. كان في بعض الأحيان يعتقد أن ساجنيه  نسوا أمره. وقبل إطلاق سراحه، أخبره الشخص الذي يحقق مع أنه من الأفضل ألا يتحدث عن “تلك الكتب التي يقرأها” علناً، ثم أرسل إلى منزله.

اعتُقل العديد من الأشخاص فقط بغرض الضغط على عائلاتهم. قابلتُ عبد الله، طالب جامعي شاب في مقهى يتمتع بإضاءة جيدة بجوار مركز تسوق مزدحم  مليء بالعائلات، وشابات يرتدين عباءات سوداء طويلة وأولاد صغار يرتدون سروال جينز ضيق وتسريحات شعر تتحدى الجاذبية كانوا يتناولون البرجر والدجاج المقلي ويشربون عصير المانجو والليمون. شرب عبد الله عصير الليمون بصمت، وكان كلما رفع الكأس يكشف عن جلد مشوه من جانب ذراعه.

في منتصف الليل قبل عامٍ، طرق رجالٌ مُلثَّمون باب داره، وأخبروه أنه مطلوب للاستجواب، وأكدوا لوالدته أنه سيعود في الصباح. ثم عصبوا عينيه وَربطوه ووضعوه في مؤخرة شاحنة صغيرة (بيك أب). عندما أخرجوه من الشاحنة؛ أدرك أنه في قاعدة قائد “قوات الحزام الأمني” سيئة السمعة في عدن، أبو اليمامة؛ وهو جندي سابق في الجيش اليمني شارك في النضال الطويل من أجل استقلال الجنوب، وأصبح أحد الوكلاء الإماراتيين الأقوياء.

اُقتيد عبد الله إلى زنزانة صغيرة وتُرك فيها لعدة ساعات. قال مستذكراً، “قُبيل الفجر، دخل الزنزانة أربعة رجال. بدأوا في ضربي وطلبوا مني الاعتراف بأن شقيقي كان يعمل مع الجهاديين. أقسمتُ لهم أنه ليس معهم. لدى شقيقي محل صغير لتصليح الهواتف المحمولة والحواسيب. إنه لم يكن يصلي حتى”.

تناول زجاجة مياه صغيرة من على الطاولة، وضغط عليها قليلاً، سقطت بضع قطرات منها على طاولة البلاستيكية البيضاء. أضاف “أحضر أحدهم زجاجة مثل هذه وبدأ في رش (شيءٍ ما) على ظهري”، قال لي، “شممت رائحة وقود؛ فقط قبل أن يشعلوا النار فيّ. جريت في أرجاء الغرفة مصطدماً بالجدران وصارخاً بأعلى صوتي؛ إلى أن أتى الحراس وأخمدوا النيران”.

ما لم يعرفه حينذاك هو أنهم كانوا يصورون ذلك، وأن شقيقه كان قد اُعتقل بالفعل، لكنه رفض الاعتراف. أضاف “عندما عرضوا مقطع الفيديو على شقيقي؛ وقَّع فوراً على اعترافٍ”.

نُقل عبد الله إلى إحدى العيادات، وخرج من الحجز بعد تدخلٍ من قبيلته ذات النفوذ -بعد مرور ستة أشهر-. رفع طرف قميصه ليريني ظهره، حيث كان جسده مشوهاً ومليئاً بالندوب. ما زال شقيقه في انتظار توجيه اتهامٍ إليه أو أمر بالإفراج عنه.

عندما سألتُ الشيخ السلفي عن هذه الانتهاكات، حدق بعينيه وركز بصره على نقطة في الفراغ وقال إن مرتكبيها هم الشركاء المحليين لدولة الإمارات العربية المتحدة. مضيفاً ” سياسة استهداف واعتقال المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة مقبولة دولياً، والإماراتيين شركاء للأميركيين في ذلك. أن تستهدف أحد المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة وتخفيه؛ فلا بأس بذلك. لكن أن تضع رجلاً في السجن سنة كاملة وتعذبه، فقط لأن ابنه متهم بالانضمام إلى تنظيم القاعدة، فتلك مشكلة”.  

أبو اليمامة اسم يجعل الرجال في عدن يرتجفون خوفاً. وهو شديد الفخر بوحدته النخبوية -المُدرَّبة على يد القوات الخاصة الإماراتية- التي يقترن اسمهما -أكثر من غيرها- بأبشع الأعمال الوحشية. جلستُ إلى جواره في أحد الصباحات بقاعدته، بينما كان يشاهد تدريب قواته على عملية مداهمة مُتخيلَة: كانت مجموعة منهم -يرتدون جميعاً ملابس سوداء- يقتحمون غرفة خالية ويسحبون أحد مقاتليهم، ويدفعونه بقوة على الأرضية الإسمنتية، قبل أن يضعوه في مؤخرة شاحنة صغيرة (بيك أب) وَينطلقوا مسرعين. وكرروا نفس التدريب عدة مرات.

في مكتبه لاحقاً، رفض أبو اليمامة جميع الادعاءات المتعلقة بالاحتجاز التعسفي والتعذيب، ووصفها بأنها مؤامرة من جماعة الإخوان المسلمين من أجل النيل من سمعة قواته. وتساءل “ماذا يتوقعون مني أن أفعل إزاء الأشخاص الذين يجوبون الشوارع  بأحزمة متفجرة؟ أن أرسل لهم بعض الأزهار، وأدعوهم لزيارتي بلطفٍ؟”.

في جنوب البلاد، لم يتلاشى أبداً حلم الاستقلال القديم. ومثل كل سكان المدن الملعونة بالفجوة الحاصلة بين تاريخٍ مجيد وحاضرٍ بائس، فإن سكان عدن محكومٌ عليهم بالحنين الدائم إلى ماضٍ مُتخيل. وهذا الحنين هو نوعٌ من المخدرات أو المسكنات، التي غالباً ما تكون غير ضارة، إلى أن تندمج مع خرافات قومية أو طائفية، عندها يصبح المزيج غير مستقر وقابل للاشتعال والانفجار.

في السنوات التي أعقبت الوحدة، رأى الجنوبيون دولتهم الاشتراكية العلمانية وهي تنضم تحت جناح الشمال الأقوى؛ ورأوا مصانعهم تتفكك، وضباطهم يطردون من المناصب الحكومية، وأرضهم تُغتصب، وَأنظمتهم التعليمية والصحية تنهار. وقد استُبدلت دولتهم التي كانت يوماً فقيرة لكن قادرة على أداء وظائفها؛ بنظام قبليٍ متحيز فاسد. وفي الحقيقة، ما كان يُفترض أن يكون شراكة مع الشمال؛ كان احتلالاً ببساطة.

لأكثر من عقدٍ -قبل انتفاضات الربيع العربي بفترة طويلة- طالب سكان جنوب اليمن المتحمسون وَالعاطفيون بمنتهى الرومانسية -بل وحتى بسذاجة- بإعادة إقامة وإحياء دولتهم القديمة. هتفوا وتظاهروا سلمياً  في شوارع عدن، وفي القرى الواقعة بالجبال والصحاري، وقوبلت تظاهراتهم بالوحشية والعنف.

قامت قوات الأمن في ظل حكم  صالح، ومن بعده هادي -الجنوبي الذي فر إلى الشمال في الثمانينيات، ثم قاد الجيش الشمالي الذي سحق المحاولة الأخيرة لاستقلال الجنوب عام 1994- بإطلاق الغازات المسيلة للدموع والذخائر الحية على المتظاهرين السلميين، ولجأوا إلى الاعتقالات والتعذيب، وحتى أحياناً تنفيذ عمليات قتل خارج نطاق القانون لقمع الحراك الجنوبي. قوبلت قضيتهم بتجاهلٍ كبير-من قبل العالم وحتى جيرانهم- إلى أن اجتاح الحوثيون الجنوب، وحينئذ تغيَّر كل شيء.

” لدينا جيش الآن، كما أننا نسيطر على الجنوب، ولدينا حليف إقليمي يدعمنا”، هكذا أخبرني بافتخارٍ أحد زعماء المجلس الانتقالي الجنوبي، الهيئة التنظيمية الانفصالية الرئيسية في الجنوب وصاحبة السلطة السياسية الأبرز هناك، والتي تحظى بدعم كبيرٍ من دولة الإمارات العربية المتحدة. (كان تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي هو أحد النقاط الـ16 الخاصة “بخارطة الطريق” التي حددها الشيخ السلفي، الذي هو أحد أعضائه).

قال زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي “لم يسبق وأن كنا بمثل هذه القوة في الجنوب. يقول الناس إننا نخضع لسيطرة الإماراتيين، كما لو أنهم يستطيعون تَحريكنا بواسطة جهاز تحكم عن بعد. لكن الإمارات ليست مؤسسة خيرية، ولديها مصالح بالطبع، كتأمين الساحل، والقضاء على تنظيم القاعدة، وامتلاك دولة صديقة هنا في جنوب اليمن. كان الإماراتيون بحاجة إلى شريكٍ، وعندما رأوا فشل حكومة هادي، كان عليهم التحرك واتخاذ إجراءات إزاء هذا الأمر”.

لكن حلم استقلال الجنوب لا تزال تكتنفه الأوهام. فالعديد من الانفصاليين ينسون، في خضم حديثهم الحالم عن الجنوب القديم، أن يذكروا الجوع والقمع اللذين لازما الجنوب طوال تلك السنوات، ويتغاضون بكل بساطة عن تاريخٍ من الصراعات والانقسامات التي ميزت الجنوب. انتهى الأمر بأبطال الاستقلال -الذين طردوا البريطانيين في الستينيات وألغوا النظام القبلي وحرروا المرأة وقضوا على الأمية، والذين تجاوزت الديموقراطية في عهدهم حدود مستعمرة عدن البريطانية لتبلغ أقصى قرية في الصحراء- إلى التناحر، كما يحدث مع جميع الثوار.

أصبحت خلافاتهم حول النظرية الاشتراكية وشكل الدولة -كما هو متوقع- خلافات شخصيةً متسمة بالعنف، وبلغت هذه الخلافات ذروتها في حرب جنوب اليمن الأهلية التي استمرت لمدة 10 أيام عام 1986، التي نُفي الخاسرين فيها -كان هادي من بينهم- إلى الشمال، قبل أن يعودوا مرة أخرى منتصرين عندما دحر الشمال الجيش الجنوبي بسهولة عام 1994. واليوم، يصطف من خسر عام 1994 مع الإمارات، في حين يقف هادي وحلفاؤه في الجانب المقابل.

التاريخ بلا شك ليس حلقة مفرغة، ولكن مثلما مهَّد الأميركيون بغباء فادح الطريق أمام نشوب الحرب الأهلية البشعة في العراق، عن طريق التحالف مع طرف دون الآخر، هيَّأ الإماراتيون الظروف المحفزة لتجدد الفتنة وعودة الحرب الأهلية.

أخبرني ناشط شاب “لم أعد أريد جنوباً [مستقلاً] بعد الآن. حلمتُ أنا وأصدقائي طوال سنوات بالجنوب، ولكن إذا كانوا منقسمين بشدة منذ الآن، فما الذي سيحدث عندما يصبحون دولة؟ سوف يقتلون بعضهم بعضاً في الشوارع كما فعلوا سابقاً”.

عُلقت هذا الصيف في عدن لافتات ضخمة في الشوارع تحمل صوراً لوليّ العهد الإماراتي محمد بن زايد، إلى جانب هادي وعدد من القادة الأدنى مرتبة – بعضهم حي وبعضهم لقى حتفه. وعلى الجدران كُتبت شعارات موالية للإمارات، وعُلقت ملصقات مزينة بأعلام البلدين. ولكن مع مرور الصيف، وتغير الآراء حول الإمارات، بدأت الشعارات في الظهور – “يسقط الاحتلال الإماراتي”.

أدت ثورات الربيع العربي، وما أعقبها من عنف وفوضى، إلى حدوث تحول في ديناميات القوة في العالم العربي. فلم يتوقف الأمر على تقديم ممالك الخليج نفسها رموزاً جديدة للاستقرار في المنطقة التي مزقتها الحرب الأهلية، لكنها انتهزت كذلك الفرصة للتباهي بقوتها الجديدة عن طريق التدخل في صراعات جيرانها، وتمثل ذلك في تمويل وتسليح الجماعات المقاتلة في سوريا وليبيا واليمن، ودعم الانقلاب العسكري في مصر.

تبنت الإمارات تحت حكم زايد المتسم بالعدائية سياسة خارجية أكثر حزماً، تهدف إلى جعل الإمارات قوة إقليمية، وتملك هذه الأخيرة ثلاث مهام في اليمن بخلاف تأييدها للتحالف السعودي. تتمثل المهمة الأولى في القضاء على الإسلام السياسي بجميع صوره. وتتمثل الثانية في السيطرة على ساحل البحر الأحمر ذو القيمة الإستراتيجية، مرورواً بالمضيق الضيق المطل على القرن الإفريقي، حيث تقيم الإمارات بالفعل قواعد عسكرية في جيبوتي وإريتريا. أما المهمة الثالثة فهي تطوير وتقوية قواتها الخاصة، التي تدرب وتشرف على حلفاء محليين مثل قوات الحزام الأمني.

السعي نحو تحقيق هذه الأولويات الجيوسياسية -الذي يصبح يوماً بعد يومٍ أكثر وضوحاً- لم يعجب حلفائهم المزعومين في اليمن. ففي عدن، تنامت هذا الصيف الانتقادات الموجهة للإمارات، خاصةً بين الفقراء، الذين ظنوا أن تواجد جيرانهم الأثرياء سيحسن معيشتهم. ولكن على العكس، ازدادت خدمات الكهرباء سوءاً، وانتشرت الأمراض المعدية، ودفعهم انهيار الريال اليمني إلى مستويات أدنى من الفقر.

اندلعت في سبتمبر/أيلول الماضي مظاهرات في عدن وبقية مدن الجنوب احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية. أما اليوم، فقد تلاشى كل أمل بتحقيق التنمية، وخبت جذوة الحماسة والأمل بالمجلس الانتقالي الجنوبي التابع للانفصاليين، وتحولت إلى تناحر ومشاكل داخلية. بل تنامى الاستياء بين أشد حلفاء الإمارات تأييداً لها، وهم السلفيون، من استخدامهم كوقود في حرب غيرهم.

أخبرني قائد في المقاومة السلفية توقف عن القتال في صف الإماراتيين بغضب “لماذا نلقي بأفضل رجالنا للموت على الجبهة، ونقصف المدنيين المحاصرين بيننا وبين الحوثيين.. أنفعل كل ذلك فقط لأنهم يريدون السيطرة على الساحل”؟

وفي غرفة صغيرة بفندق في أفقر أحياء عدن، جلستُ مع ثلاثة قادة منتمين إلى الحراك الجنوبي، حاربوا جميعاً في صفوف المقاومة يوماً، وكانوا ثلاثتهم يعتبرون أنفسهم فيما مضى أصدقاء للإمارات، التي أمدتهم بالسلاح والأموال والعربات. لكن جميعهم أيضاً قالوا إنهم تعرضوا في السنوات الماضية لمحاولات الاعتقال أو الاغتيال من قبل قوات الحزام الأمني. وقال أحدهم متحدثاً بهذا الشأن “نشوب حرب ضدهم هي مسألة وقت لا أكثر”.

يقاتل الثلاثة الآن في معسكر هادي. سألت أحدهم -وكان قد قضى سنوات يدير حملات لتأييد استقلال الجنوب- عن سبب انقلابه فجأة على الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، فأجابني “أردنا جنوباً قائماً على حكم مؤسسات الدولة، لا المليشيات”، وتابع “ما لدينا الآن هو دولة من الفوضى، حيث يمارس مسلحون مقنعون القتل والاعتقال كما يحلو لهم. ليس هذا هو الجنوب الذي عملتُ من أجله. فإما أن يسيطر الإماراتيون على الجنوب ويعتبرونه مستعمرة تابعة لهم، وإما يكون عليهم أن يحترموا الشعب والرئيس”.

في زيارتي الأخيرة للشيخ السلفي في عدن، وجدته يائساً. قال “خضع الجنوب لحكم الجنوبيين طوال السنوات الثلاث الماضية، لكنه كان حكماً فاشلاً”. وأصر على وجوب بقاء الإماراتيين في اليمن، لأنهم إذا رحلوا “يمكن أن تسقط عدن مجدداً بسهولة، وستتناحر كل هذه الفصائل بين بعضها البعض. نحن بحاجة إلى أن يبقوا. ولكنني في الوقت نفسه محبط من الأخطاء التي يقترفونها. صحيح أني أتفهم أنهم لا زالوا يتعلمون، فهم لا يملكون خبرة الدول الاستعمارية بعد، لكن تصرفاتهم رغم ذلك متسمة بعنجهية الدول الاستعمارية”.

وختم حديثه قائلاً “أعلم أن عامين ليس مدة طويلة بالنسبة لدولة تحاول أن تبني إمبراطورية، لكنها مدة قصيرة يُفترض ألا تكون كافية لتجعل من أصدقائك أعداءً لك”.

 

غيث عبد الأحد

الموضوع مترجم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً