fbpx

هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني - كاتب لبناني

حسام عيتاني - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

اليسار الأوروبي ناسياً الفاشية ومحارباً الامبريالية

مع كل حدث سوري كبير، يتدافع اليساريون الأوروبيون والغربيون إلى إدانة التدخل الأميركي والأطلسي في سوريا وتأييد الخطوات الروسية وأفعال نظام بشار الأسد حتى لو كانت البراهين على جرائمه لا تخفى على ذي بصر.

إذا بقينا في لائحة أحدث المؤيدين لروسيا وسياستها في سوريا بين اليساريين الأوروبيين، سنجد جان – لوك ميلانشون زعيم حركة “فرنسا العصية” (او التي “لا تخضع”) وجيريمي كوربين العمالي البريطاني والباحث إيمانويل تود (الذي اشتق في مقابلة تلفزيونية حديثة وصفَ “الديموقراطية السلطوية” لحكم فلاديمير بوتين). ما من شك في جذرية الأسماء المذكورة واصالة انتمائها الى اليسار. لكن الجذرية والأصالة هاتين تقولان عن حال اليسار في أوروبا والغرب اكثر مما تقولان عن ميلانشون وكوربين وغيرهما.

وفي كل مرة تصدرُ مواقف التأييد لروسيا ولبشار الأسد عن القوى اليسارية الغربية بأكثريتها الساحقة ناهيك عن اليسار العربي، تترد أصوات تنتمي أيضا إلى الإرث اليساري تندد بهذا التأييد بذريعة ان الدفاع عن الأنظمة الشمولية وتلك التي تقتل شعوبها بمئات الآلاف وتزج بأعداد مماثلة في السجون والمعتقلات وتفرض التهجير والنزوح على الملايين، لا يمكن أن تعكس أي من قيم اليسار الانسانية والأخلاقية التي تتخذ من العدالة والحرية مؤشرات أساسية لها.

لا يبالي اليسار الغربي كثيراً بمشاركته اليمين المتطرف الأراء ذاتها المناصرة لبوتين وللأسد. وقوف ميلانشون – على سبيل المثال- الموقف ذاته مع قائدة “الجبهة الوطنية” مارين لوبين في دعم بشار الاسد الذي يحارب الارهابيين، لا يعيب انتماءه الى اليسار ولا يخدش زعامتها لأقصى اليمين. وقد لا يهتم احد في الاحزاب اليسارية الغربية في ان يحظى ممثلو حزب “البديل لأجل ألمانيا” اليميني المعادي للأجانب، باستقبال حافل في دمشق. لكن أي يسار هذا؟

يتجاوز فهم الثورة والحرب في سوريا الفهم الاستشراقي والامبريالي التقليديين. سوريا ليست فقط موضوعاً خارجياً ينظر اليسار الغربي إليه كساحة للصراع الجيو- سياسي بين الامبريالية والقوى المناهضة لها بقيادة محور الممانعة من دون ان يفهمها ويقر بتميزها وخصوصياتها وحاجات سكانها التي لا تتفق بالضرورة مع تصورات الآخرين عنهم وعنها، بل هي أيضاً مؤشر – أو بوصلة، ما دامت الكلمة رائجة – لفهم اليسار لذاته ولتموضعه ضمن السياسة الداخلية في بلاده.

يشبه اليسار الجذري الأوروبي والغربي كائناً أصيب بصقيع قاس ومفاجئ، لنقل أن سببه انهيار الاتحاد السوفياتي والخيارات السياسية والفكرية – النظرية الصعبة التي فرضها هذا الانهيار. في الوقت الذي قررت فيه أحزاب كبيرة مثل الحزب الشيوعي الإيطالي الانتقال نحو يسار الوسط، احتفظ آخرون بمنظومة تفكيرهم وتحليلهم السابقة والمريحة واستمرأوا الغطاء الجليدي الذي كساهم: العداء للامبريالية الأميركية والاحتفاء بكل من يعاديها، حتى لو كان عداء ملتبساً مثل عداء بشار الأسد لها وحتى لو كان الطرف الآخر يتبنى فاشية صريحة في سياسته الداخلية. فأين وجدت أميركا، وُجد اليساريون الأوروبيون في الموقع النقيض. هم مع إيران ضد الولايات المتحدة ومع حزب الله ضد إسرائيل ومع الحوثيين ضد السعودية ومع حزب العمال الكردستاني ضد تركيا. وعندما تتداخل الصراعات وتتعقد مثلما حصل في العراق حيث وقف الأميركيون والإيرانيون ضد “داعش” أو عندما يستخدم الأسد السلاح الكيماوي ضد مواطنيه أو يقمع المرشد الإيراني المتظاهرين المطالبين بتحسين ظروف حياتهم في مشهد وطهران، فمن الأفضل النظر إلى الجهة الأخرى وتجاهل الموضوع وعدم التطرق الى حق السوريين والإيرانيين العاديين في أن يكون لهم رأي مغاير في النظامين الحاكمين في دمشق وطهران. يسقط هنا التحليل الطبقي الهش أمام التحليل الجيو- استراتيجي العاتي. العقل الثنائي لا يتحمل موقفا مركبا من نوع امكان العداء لأميركا واسرائيل ورفض الطغاة المحليين في الوقت ذاته.

بيد أن هذا التشخيص لا يفي بالغرض تماماً. عليه، يجدر التذكير أن جانبا مهماً من نضالات اليسار الأوروبي بين أوائل القرن العشرين ومنتصفه كان يتركز على مكافحة الفاشية المحلية. حكم الجبهة الشعبية في فرنسا والحرب الأهلية الإسبانية مثالان على مركزية مسألة الديموقراطية في ثلاثينات القرن الماضي في أوروبا. تراجعت مسألة الديموقراطية من اهتمامات اليسار (الشيوعي خصوصا) بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الاتحاد السوفياتي كقوة عالمية حيث تحولت السياسات الشيوعية إلى تأييد وتبرير ما يقوم به “الرفاق السوفيات” ما كانت له آثار وخيمة بعد كل خطوة سوفياتية معادية للديموقراطية مثل قمع الانتفاضة العمالية في المانيا 1953 واجتياح المجر في 1956 ثم القضاء على “ربيع براغ” في 1968. تراكم هذه الأثار السلبية حمل على تشكيل ما  عُرف “بالشيوعية الاوروبية” كمحاولة لحل المأزق السياسي والفكري بين اليسار الشيوعي وبين المسألة الديموقراطية.

يساريو اليوم المؤيدون لبوتين ولبشار الأسد هم ممن رفضوا ذلك الحل الذي أسفر في نهاية المطاف عن انعدام الفوارق بين الشيوعيين الإصلاحيين وبين الإشتراكيين الديموقراطيين. فتمسك أنصار “إعادة التأسيس” في إيطاليا وأشباههم ونظراءهم في أوروبا  بنهج يقدم الصراع الطبقي والعداء للإمبريالية على فكرة التغيير الديموقراطي والتدريجي. ولم يروا حاجة إلى إعادة النظر في مفاهيم مثل الإمبريالية بعد أكثر من مئة عام على ظهورها وآليات عملها في عالم اليوم ولا في تبدلات أساسية في روسيا التي طلّقت الشيوعية ودفنتها في قبر عميق. فموسكو تستحق التأييد ما دامت قطباً عالمياً يوازن الولايات المتحدة رأس الشر ومعقل الإمبريالية. ما هو مضمون السياسة الروسية في الداخل وفي العالم؟ لا يهم. ما هو مستقبل الشعوب التي تمد موسكو حكوماتها بالسلاح وبالخبراء لقتل المعارضين وإذا خرجت الشعوب هذه تطالب بحقها في الكرامة والعدالة؟ لا جواب.

التغيير الذي طرأ على اليسار الأوروبي من مناهضٍ للفاشية الى معاد للامبريالية وجموده عند هذه النقطة، معطوف عليه يأس كامل من الوصول الى السلطة بالوسائل الانتخابية التي تعيد انتاج الطغمة البراجوازية، ورفض النظر الى شعوب العالم الثالث، كما في سوريا وفي غيرها، كشعوب واعية لمصالحها وجديرة بتحمل مسؤولية خياراتها، حتى لو لم تنل هذه الخيارات اعجاب اليسار الجذري، امور لا تناسب النظرة الاوروبية المركزية التقليدية.

يفضي هذا المنطق إلى أن مهمة  العالم الثالث هي السير خلف القيادة الأوروبية، يمينية كانت أم يسارية. وإذا تصارع اليسار الأوروبي مع امبريالية أميركا، علينا أن نصحح خطواتنا لتتناسب مع السيد ميلانشون وان نتعمق في فهم روسيا على النحو الذي يريده لنا الأستاذ تود. النتيجة البديهية هي التهليل لقصف السوريين بالسلاح الكيماوي حتى لو تماهى في ذلك أقصى اليمين الفاشي مع أقصى اليسار. وسيان أن تفقأ العين فاشية الأنظمة التي يؤيدها هذا اليسار.

إقرأ أيضاً