fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة- Politico

ترجمة- Politico

مقالات الكاتب

الوسيلة الأفضل للتعامل مع روسيا… انتظار انهيارها

في العقد الماضي، أصبح التهديد الروسي أكثر حضوراً في أذهان خبراء السياسة الخارجية الأميركية ومسؤوليها، لكن خوف هؤلاء تزايد خصوصاً بعد تدخل الحكومة الروسية في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وقد ظهر ذلك جلياً في قول المحامي السابق الخاص روبرت مولر، عن الجهود الروسية للتدخل في الانتخابات خلال جلسة الاستماع الأخيرة له في مقر الكونغرس، “لم تكن مجرد محاولة واحدة فقط، بل ما زالوا يفعلون ذلك الآن ونحن جالسون هنا، ونتوقع أن يحاولوا ذلك خلال الحملة الانتخابية المقبلة”. وقال أحد مسؤولي الاستخبارات لصحيفة “نيويورك تايمز” في منتصف حزيران/ يونيو عن الهجمات المتصاعدة على شبكات الطاقة الروسية، رداً على حملات القرصنة ونشر الأخبار الزائفة التي تقودها موسكو، “إننا نقوم بأشياء على مستوى لم نفكر فيه مطلقاً قبل بضع سنوات”.

لكن ماذا لو لم يكن التهديد الأكبر الذي يواجه روسيا هو الولايات المتحدة، أو أي حكومة أجنبية أخرى، بل هو روسيا نفسها؟ قد تبدو للوهلة الأولى روسيا دولة قوية للغاية، مع محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضم الأراضي السوفييتية السابقة وابتلاعها، وتنسيق الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الأجنبية، والتراجع عن المسار الديموقراطي المحلي على مدى العقد الماضي. بيد أن الواقع قد يبدو مغايراً لذلك، فقد أصبحت روسيا اليوم أضعف بكثير من إمبراطورية رومانوف، التي دامت من عام 1613 إلى عام 1917، أو حتى الاتحاد السوفييتي. إذ إن المشكلة الأكبر التي تواجهها روسيا هي مشكلة داخلية، فقد فشلت هذه الدولة الأوراسية الشاسعة في تشكيل هوية وطنية جامعة تشمل جميع سكانها، فالملايين من مواطني روسيا لا يكنون الولاء لدولتهم، وبمجرد أن تضعف موسكو سيطرتها المشددة على الانتخابات المحلية، الأمر الذي لن يحدث على الأرجح إلا إذا ترك بوتين سدة الحكم، ستسعى تلك الجماعات إلى الاستقلال. بصفتي عالماً متخصصاً في علم الإنسان – الأنثروبولوجيا – ومؤرخاً وعالماً سياسياً أمضى كثيراً من الوقت في أوراسيا، أعتقد أن قنبلة الانفصال الموقوتة التي يخشاها بوتين قد تنفجر في غضون 10 أو 20 أو 30 عاماً كحد أقصى.

ما الدافع وراء ذلك؟

أولاً، وقبل كل شيء، تتسم الدوافع الانفصالية داخل روسيا بالقوة. وسأكتفي بذكر مثالين فقط لكي أوضح على نحو أفضل ذلك الأمر، بالنظر في وضع كلاً من تتارستان وباشكورتوستان، نجد أنهما جمهوريتان تتمتعان بحكم عرقي مستقل في وسط روسيا. وفي هاتين الجمهوريتين توجد منظمات قومية قوية – أزاتليك (اتحاد شباب التتار) وبشكير كوكبوري (الذئب المقدس) – تدعو إلى الاتحاد مع الجنسيات الأخرى الناطقة باللغة التركية واللغات الفنلندية- الأوغرية في المنطقة. ولا تزال الدولتان تحييان ذكرى طرد قازان من قِبل إيفان الرهيب، أمير موسكو العظيم وقيصر عموم روسيا الأول، عام 1552، تلك الهزيمة الساحقة التي تركت أساها في حلق الجمهوريتين لخمسة قرون. وكما رأينا خلال الحروب الروسية الشيشانية في حقبة التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحالي، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من البشر، يمكن أن تكون الحركات الانفصالية في روسيا دموية وأن تدوم طويلاً.

لكن ماذا لو لم يكن التهديد الأكبر الذي يواجه روسيا هو الولايات المتحدة، أو أي حكومة أجنبية أخرى، بل هو روسيا نفسها؟

(لم يكن الاستقلال غاية الأقليات العرقية فقط: فقد حاولت الاقليات الاثنية الروسية التي تعيش في سيبيريا الغنية بالموارد، وجزر الأورال، والشرق الأقصى، السعي للحصول على الاستقلال في مناسبات عدة أيضاً).

في ظل حكم خليفة بوتين، قد تنحل هذه الوحدة الروسية المتوترة والمشحونة، لتُمهد الطريق لأصحاب المشاريع الانفصالية. وبينما تظل هوية الحاكم المقبل رهناً للتكهنات، فإن بوتين على الأرجح، سيختاره أو سيختارها شخصياً في نهاية فترة ولايته، وليس جلياً بعد إن كان هذا الخليفة المختار سيكون قادراً على إحكام القبضة القوية التي فرضها بوتين على الجماعات والمناطق المختلفة. وفي غياب نظام للرقابة والتوازن بين السلطات أو أي مؤسسة قوية أخرى في روسيا، فإن هذا المستوى من السيطرة ضروري للحفاظ على وحدة البلاد. قد يرى فياتشيسلاف فولودين نائب رئيس مستشاري الكرملين تحقق كلماته على أرض الواقع يوماً ما، والتي قال فيها “إذا وجد بوتين وجدت روسيا، وإن لم يوجد بوتين لم توجد روسيا”.

ثانياً، لا تتمتع الإيديولوجية التي توحد روسيا في الوقت الراهن بقوة نظيرتها في السابق. إذ يقول فلاديسلاف سوركوف، مساعد الرئيس الروسي، وكبير إيديولوجيي الكرملين السابق، إن روسيا على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، تتمثل في “دولة بوتين المديدة”، وهي الإيديولوجية العالمية التي يقول إنها تحظى بقدر كبير من الجاذبية بين أتباعها بقدر ما تتمتع به الماركسية. والواقع أن البوتينية – روسيا في ظل حكم فلاديمير بوتين – هي عبارة عن خليط ملتهب من الأوراسية وما يطلق عليه الفيلسوف الروسي المحافظ المتطرف، ألكسندر دوغين “النظرية السياسية الرابعة”. نشأت الأوراسية كمدرسة فكرية في عشرينات القرن العشرين بين المهاجرين الروس المعادين للشيوعية. وهي تدعو إلى اضطلاع روسيا بدور استثنائي ومعنوي باعتبارها حضارة قائمة بذاتها وفقاً لطابعها الخاص، ولا تشكل جزءاً من الشرق ولا الغرب. أما المقصود بـ”النظرية السياسية الرابعة”، فهو الجمع بين “أفضل” الأفكار الفاشية والشيوعية في حملة جهادية جديدة ضد الليبرالية. ويقترح دوغين حذف مفهوم الإلحاد من الشيوعية، ومفهوم العنصرية من الفاشية، مع مواصلة مهمتهما المشتركة إلى حد كبير.

على رغم أن هذه الإيديولوجية قد تبدو مخيفة، فإنها لا تضاهي القيصرية أو الماركسية اللينينية، باعتبارهما أكثر الإيديولوجيات التي هيمنت سابقاً في روسيا. فقد قدمت قدسية القيصر رابطة حقيقية للشعب الروسي لقرون. بينما حظيت الأفكار الماركسية اللينينية التي تتعلق بالمساواة وتوزيع الثروة بجاذبية كبيرة بالفعل في الكثير من الدول في عصر ما بعد الاستعمار. أما في عصرنا الحالي، فتشكل القوميات الإقليمية، القائمة على أجندات شعوبية، تهديداً لليبرالية أعظم كثيراً من تهديد الاستبداد الروسي الجديد، أو البوتينية.

أخيراً، تتضاءل الظروف الفكرية والاقتصادية الحالية في روسيا مقارنة بالظروف التي سادت في عهد إمبراطورية القيصر أو الاتحاد السوفييتي. ففي ظل النظام القيصري، كان الأوروبيون يقدمون على روسيا لممارسة الطب، والتدريس في الجامعات، وإجراء البحوث وإقامة المشاريع التجارية. بينما خلقت الحكومة السوفييتية، على رغم عمليات التطهير والفظائع التي ارتكبتها، حياة مريحة نسبياً لبعض كبار العلماء، طالما أنهم لم يتعارضوا مع النظام. أما اليوم، فقد صار التعليم العالي والعلوم في روسيا في حالة رثة مأساوية، إضافة إلى أن الاقتصاد يعتمد على الموارد ولا يحمل أي علامات تشير إلى التحديث. وتعتبر الإشارة الأكثر دلالة على ذلك، هي أن أبناء النخبة في روسيا يفضلون الدراسة والعيش في الغرب.

على رغم أن هذه الإيديولوجية قد تبدو مخيفة، فإنها لا تضاهي القيصرية أو الماركسية اللينينية، باعتبارهما أكثر الإيديولوجيات التي هيمنت سابقاً في روسيا.

يتعين على العالم أن يكون مستعداً لتفكك روسيا. وأفضل سياسة ينبغي على الولايات المتحدة وأقرب حلفائها اتباعها تتلخص في الجمع بين الصبر الاستراتيجي والاحتواء، مع التأكيد بقوة على الصبر الاستراتيجي. قد لا يُعد العمل والتعاون مع بوتين بطريقة عملية مجرد استرضاء، بل إنه سياسة واقعية تهدف إلى تحقيق المصلحة الوطنية الأميركية. أولاً وقبل كل شيء، يتعين على كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم الرئيس، أن يلتقوا بشكل منتظم الرئيس بوتين والمقربين منه. إذ ليس هناك ما يعيب في مجرد تجاذب أطراف الحديث. وثانياً، يتعين عليهم أن يتبنوا سياسة المقايضة وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الكرملين. إذ يُمكن أن تمتنع روسيا أو تغير بعض موافقها، مثل تفاوضها مع حركة طالبان أو دعمها نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، في مقابل بعض المزايا التي قد تحصل عليها من الولايات المتحدة.

ستُحسن الولايات المتحدة التصرف إذا ما عملت على إعادة تقييم إستراتيجيتها الحالية لفرض العقوبات، والتراجع عنها في بعض الحالات، وتشديدها في حالات أخرى. فالنصر الذي حققته في الحرب الباردة لم يكن بفضل العقوبات، بل لأن الشعب السوفييتي، بما في ذلك بعض الأفراد من أعلى مستويات الحكومة، فقدوا إيمانهم بأيديولوجيتهم، وتطلعوا إلى الغرب من أجل مستقبلهم.

قد يحدث الشيء ذاته اليوم مع استمرار روسيا في الانهيار البطيء للغاية – وبالتالي قد لا يكون التدخل الخارجي ضرورياً.

هذا المقال مترجم عن موقع Politico ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

حمزة بن لادن: عندما يكون الولد سر أبيه…

إقرأ أيضاً