fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

“الهيبة”: قصة ركيكة وأداء هزيل

لم يُفكّر صنّاع مسلسل “الهيبة”، الداخل بقوة تسويقية في الدراما الرمضانية، في أيٍّ من الفرضيات الفلسفية أثناء تحضير هذا المسلسل، لكنّ “غرائبية” الأحداث تجعلنا نستحضر، رغماً عنّا، مفهوم “الحتمية” تارةً، و”العبثية” طوراً.

مشاهد كثيرة تترابط بشكل فوضوي ينافي المنطق، فيما تتسلسل أحداث “عجيبة” يُفترض أن يتقبلها المشاهد ويُصدقها كأنها وقائع حتمية محددة سلفاً.

نفوذ بطل المسلسل، جبل شيخ الجبل (تيم حسن)، لا يقف عند حدود “الهيبة”/ القرية، وإنما يتعدّاها ليغدو متحكماً بقوانين الطبيعة والمجتمع بأسره. ينفخ الروح بابن عمّه الميت فيُعيده من الموت إلى الحياة. وحين تقرر الإعلامية نور (سيرين عبدالنور) أن تتناول قضية جبل على الهواء، تجد نفسها جارته وتقع في غرامه.

وفي مقابل صورة “السوبر هيرو”، تأتي شخصية الإعلامية نور لترسم صورة الـ”ووندرومان” أو المرأة الخارقة. هي المرأة الجميلة، المغامرة، المشهورة، الطموحة، الرومانسية، القوية… امرأة تتعرّض لعنف جسدي ولفظي بالغ ثم تغسل روحها كما تغسل وجهها وتضع قناع “الغيشا” (أحمر شفاه فاقع، بودرة بيضاء سميكة، رموش سوداء طويلة)، وتدخل في علاقة عاطفية مفاجئة كأنّ شيئاً لم يكن. إنها تُعير طلّتها “الأنثوية” اهتماما كبيراً على حساب اهتمامها بالأداء والحركة. وهذه أكبر مغالطة تقع فيها الممثلات الآتيات من عالم الجمال والأزياء.

بعضهم لا يضع اللوم على الممثلة وإنما على النصّ. ولكن، بصرف النظر عن ضعف النص أو قوته، من الضروري أن تسعى ممثلة مثل سيرين عبدالنور- تعمل في المجال منذ عقدين تقريباً، إلى تقديم أداء أكثر صدقاً وإقناعاً. وفي هذا السياق، أذكر في مقابلة شاهدتها على الإنترنت مع الفنانة فاتن حمامة أنها ذهبت إلى الفيوم وعاشت مع الفلاحين وطلبت مرافقة نساء التراحيل الحوامل، لمعرفة تفاصيل عن يومياتهن وعملهن وطريقة جلوسهن كي تؤدي دور عزيزة، الفلاحة الحامل، بصدق وإقناع. فالإتقان في الدور لا يتحقّق بحفظ المشاهد وإنما في دراسة الشخصية وتقمصها، بعيداً من شخصية الممثل(ة) الحقيقية.

بالعودة إلى مفارقات “الهيبة”، تدفعك المستجدات إلى لجم أسئلتك وإلغاء أدوات الاستفهام من ذهنك. فإمّا أن تتقبّل الأحداث كما هي وإما أن تُغير المحطة. لا ينبغي أن تسأل مثلاً لماذا تنتعل البطلة الكعب العالي في بيتها وتطبخ “المقلوبة” وهي بكامل أناقتها؟ أو كيف اجتمعت شقيقة جبل مع حبيبته الجديدة في أول زيارة لها الى بيروت؟

هذا الجزء من “الهيبة”، مثل مسلسلات كثيرة في هذا الموسم، يفتقد مبدأ الصدق الفني، وهو أساس الفنّ أصلاً. فما شاهدناه حتى الآن، ينتزع من قلب المشاهد إيمانه باحتمال واقعية الحياة المصوّرة. وهذا أخطر ما في القضية، لأنّ الدراما الحقيقية هي التي تُرسّخ إيمان المشاهد بحقيقة ما يراه. ولهذا السبب فقط عاشت الكثير من المسلسلات التي لم تكن مبهرة بإنتاجها أو بإطلالات بطلاتها بقدر ما كانت مبهرة بصدقها.

ومع كل المآخذ على المسلسل، يبقى في “الهيبة” ما يشدّ الناس إلى متابعته. بعد الإنتاج الضخم، لا بدّ أن نتوقف عند أداء تيم حسن الذي يُعوّض نقصاً في قيمة العمل من خلال أداء يُمسك بتفاصيل الشخصية من ألفها إلى يائها. ومن يراقب تاريخ تيم حسن الدرامي، يُدرك حجم موهبته واحترافيته، والأهمّ اختياراته التي بدأت نخبوية من خلال الثلاثية الأندلسية مع المخرج حاتم علي، ثمّ مسلسل “التغريبة الفلسطينية” و”نزار قباني” و”الملك فاروق”، و”أسعد الورّاق”، و”عابد كرمان” وغيرها، قبل أن يترأس قافلة النجوم السوريين الوافدين الى الدراما العربية المشتركة المبهرة إنتاجياً والمفلسة فنياً.

ومن أهم عوامل نجاح “الهيبة”، شخصية أم جبل (منى واصف)، المتحكمة منذ الجزء الأول بأبعاد الشخصية شكلياً ونفسياً. وقد تكون ختام اللحّام مفاجئة هذا الموسم بعد تقديم دور الأم الثكلى بأداء مبهر.

لكنّ السؤال الأخير، هل النجاح الجماهيري هو المعيار الوحيد لنجاح عمل ما؟ وهل نسب المشاهدة العالية لمسلسل “الهيبة 3” ستُقنع صنّاع العمل بتقديم جزء رابع منه؟

 

إقرأ أيضاً