fbpx

هنا القصة الثالثة

مصطفى إبراهيم

مصطفى إبراهيم

مقالات الكاتب

الهجرة من غزة… هروب إلى الموت

“يما أنا مش هاين علي أتركك وأخلي بالك مشغول علي ليل مع نهار، يما أنا مخلص جامعة ومليش فرصة هان الفرص مش إلنا إحنا الغلابة، يما الحقيقة مستقبلي معدوم ولا حتى في ضو بعد الظلمة إحنا في غزة بمكان معتوم ونهايته موت بطيء. يما أنا مش طالع أتفسح وأطش نفسي مسدودة على كل شيء، أنا بس بدي أعملي مستقبل وما أشحت من أبوي مصروفي. يما أنا بدي أشرد من قلة حيلتي وصنعتي ودوري، يما عرضو علي أشتغل بمخبز عشرة ساعات وأوخد يومية عشرة شيكل ليه يما هو أنا لهدرجة محتاج!”.

هكذا كتب محمد أبو شملة خريج الهندسة من مخيم النصيرات في وسط قطاع غزة، لوالدته، قبل سفره إلى تركيا من أجل الهجرة، ووفاته في شهر آذار/ مارس الماضي هناك، عندما سقط من الطبقة الرابعة في الفندق الذي كان يقيم فيه هرباً من الشرطة.

أضاف محمد في رسالته:

“يما أنا مش جعان وأنتو مش بخلانين علي بشي بس ما بينفع أضل في بلد حلم الشب فيه بطالة أو عقد بيشمل حد أدنى للأجور، يما شفتي الغابة اللي حكتيلي عنها وأنا صغير ضاع فيها أرنب وصاروا يتصيدوا فيه كل وحوش الغابة. يما أنا جاي أضحك عليك بنفس الشي وأقنعك إحنا هان بغابة بنظام المتاهة وأكيد حضيع فيها بس مفش وحوش، فيه فقر وبطالة وأزمات بتخوفني أكتر.

يما أنا سمعت أنشودة وفيها مقطع إني ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي، يما في أكتر من هيك إهانة، يما إكتافي وصلو الأرض وإذا ضليت هان بيندعس علي مشان مبتكلمش.

يما هان ثقافة الناس بالحضيض مستعد يقتلني إن حكيت إلو بدي أعيش”.

يوم الجمعة 26/4/2019، علمت عائلة محمد وهو من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أن السلطات التركية عثرت على جثته بعد غرقه على شواطئ تركيا قبل 15 يوماً، وانقلاب الباخرة التي كانت تحمل مهاجرين في البحر، وكانت في طريقها إلى اليونان.

حال الناس في القطاع مخيفة ومهينة، ويعتقد الناس أن اقامتهم غير شرعية، يموتون غضباً وكمداً وقصفاً وغرقاً في لجوء جديد

ارتفعت معدّلات الهجرة من قطاع غزة، وهناك مؤشرات تؤكد أنها تسير في اتجاهات تصاعدية، وهناك حالة من التجاهل أو عدم الاهتمام الجدي، بهذه الظاهرة من قبل المسؤولين الفلسطينيين، لا سيما في السنوات الأخيرة، بخاصة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، حيث غرق في بحر الاسكندرية عشرات الفلسطينيين، وهناك عدد غير معروف منهم لم يتم العثور على جثثهم.

قبل أشهر نشرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية باللغة العبرية “كان”، تقريراً تلفزيونياً لمراسلها للشؤون الفلسطينية، حول الشباب الفلسطينيين الذين هاجروا من قطاع غزة، والذين تجاوز عددهم وفقاً للتقديرات الإسرائيلية الـ40 ألفاً، حتى منتصف عام 2018، و20 ألفاً وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ولا يوجد أي إحصاء فلسطيني حول أعداد المهاجرين، وهم من الجنسين ومن أعمار مختلفة، علماً أن هناك عائلات غادرت قطاع غزة للهجرة إلى الدول الأوروبية.

يقول كثيرون، “لو كنا نعلم أن الانتخابات ستوصلنا إلى ما وصلنا إليه من انقسام وحصار، لما كنا مارسنا حقنا الديموقراطي في الانتخابات، وتفادينا انقلاب حياة الناس من سيئ إلى أسوأ”.

صحيح أن الحياة كانت صعبة منذ عام 2000، تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى، وفرض إسرائيل الحصار على قطاع غزة وتقلصت فرص العمل بعد وقف إسرائيل السماح للفلسطينيين بالعمل في إسرائيل، وعدم قدرة السلطة وقتذاك على مواجهة نسب البطالة التي بلغت 53 في المئة.

ومع فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، دخلت غزة مرحلة أخرى من القسوة والانتهاكات الحقوقية، وتأجج الصراع بين حركتي فتح وحماس التي سيطرت على قطاع غزة بالقوة المسلحة، وفرضت اسرائيل حصاراً مشدداً، وتبنت الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 19/9/2007 قراراً أعلنت بموجبه قطاع غزة “كياناً معادياً”، وقررت اتخاذ مجموعة من الإجراءات، تشدد بموجبها حالة الإغلاق والحصار القائمين منذ سنوات.

ولم تشكل هذه الإجراءات أي خطوات جديدة، بل اقتصرت على توسيع نطاق القيود المفروضة على القطاع منذ سنوات، والتي تصاعدت بشكل خطير أثناء تطبيق خطة فك الارتباط وبعده، والخطة انتهت بتاريخ 12/9/2005.

الانقسام الفلسطيني الذي لا يقل خطورة عن الاحتلال والحصار الإسرائيلي، وغياب الاستقرار وفقدان الأمل في المستقبل، دفع شباناً كثيرين إلى الهجرة بسبب اليأس أو التهميش الاقتصادي والسياسي

قوّض الحصار جميع مقومات الحياة وعززه الانقسام الفلسطيني الذي أصاب الناس في عمودهم الفقري، وعم الحزن والكآبة واليأس والاحباط، غزة محاصرة والانقسام يكبر، ويتعمق، وضرب عصب النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وقيدت حركة غزة والناس، منذ أكثر من عقد من الزمن، وتراكمت المآسي والمصائب والكوارث وبقي يتجدد الألم يومياً.

في السنوات الـ13 الماضية، شهدت غزة دورات عدوان اسرائيلية مستمرة، ثلاث حروب سقط فيها آلاف الفلسطينيين، وأصيب عشرات الآلاف وشرد مئات الآلاف من منازلهم، وتم هدم عشرات آلاف المنازل، وهناك نحو 3 آلاف منزل لم يتم إعمارها حتى الآن.

وزاد الطين بلة عندما قررت الحكومة الفلسطينية في بداية شهر نيسان/ أبريل 2017 فرض إجراءات جديدة على قطاع غزة لإجبار حركة حماس على إنهاء الانقسام، وأحيل آلاف موظفي السلطة من قطاع غزة على التقاعد وخفضت الرواتب 50 في المئة.

يتناولون الإفطار قرب منزلهم المدمّر في غزّة

في ظل ذلك، شهد المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة تحولات عميقة أحدثت خللاً في التوازن السياسي والاقتصادي الاجتماعي والنفسي، هذا الخلل خلف أثراً بالغاً، بشكل مباشر في عقيدة المواطنين ووضعهم النفسي ورؤيتهم للحياة والمكان الذي يعيشون فيه، بسبب الحصار ودورات العدوان الإسرائيلي المستمرة.

والانقسام الفلسطيني الذي لا يقل خطورة عن الاحتلال والحصار الإسرائيلي، وغياب الاستقرار وفقدان الأمل في المستقبل، دفع شباناً كثيرين إلى الهجرة بسبب اليأس أو التهميش الاقتصادي والسياسي.

وعلى رغم معرفة المهاجرين أو الذين يحاولون الهجرة الخطر الذي يواجههم وما يسقط من أرواح واموال وأرزاق، والاضطرار إلى الاستدانة وضياع المستقبل والاحلام. إلا أن الهجرة أصبحت طموحاً وحلماً في فلسطين، بخاصة في قطاع غزة، ولم يعد حديث الهجرة سراً، بل هو حديث الساعة، وحلم يسيطر على شرائح كبيرة من المجتمع، وكأن الهجرة هي جنة عدن وسر الوجود والبقاء، وهي مرض أيضاً استشرى في نفوس الناس، ضحايا الاحتلال والحصار والانقسام والحروب القاسية التي تعمل على كي الوعي في معركة البقاء على قيد الحياة.

الروايات التي نسمعها عن الهجرة والرعب من أمواج البحر العاتية وجثث المهاجرين التي يبتلعها البحر، وعصابات التهريب، وفرق الأمن التركية والأوروبية التي تطارد المهاجرين، لم تردع المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء، فهم يواصلون المحاولة على رغم كل ذلك، وكأنهم اعتادوا أن يكونوا ضحايا في سبيل البحث عن بارقة أمل، أو أنهم يبحثون عن حرية فلسطين في نهاية نفق دولة اوروبية.

حال الناس في القطاع مخيفة ومهينة، ويعتقد الناس أن اقامتهم غير شرعية، يموتون غضباً وكمداً وقصفاً وغرقاً في لجوء جديد.

هجرة الفلسطينيين ليست رغبة اعتباطية في الرحيل أو تغيير واقع الحال، إنها ضريبة يدفعونها، جراء تنصل المعنيين من المسؤولية القانونية والاخلاقية والإنسانية، وفقدان الامل والمستقبل. ويأتي الموت في البحر، ربما رداً على سياسيات المنع وكبت الحريات وألاعيب السياسة وحيلها..

وعلى رغم غياب أي أرقام رسمية عن الهجرة من غزة، إلا أن الأرقام المرجحة كبيرة ومخيفة، في المقابل هناك نسبة ربما أقل في الضفة الغربية، ولكن لا تجب الاستهانة بها، فهي كارثة وقد تكون نكبة الفلسطينيين الثانية.

 

أهل غزة بين المصاحف والسيوف ورفض الموت بهدوء!

إقرأ أيضاً