النهاية العبثية للجنرال قاسم سليماني

درج
يناير 3, 2020
خطوة مهاجمة السفارة في بغداد قبل أيام من قبل "الحشد الشعبي"، امتداد طبيعي لوجهة النفوذ الذي بناه قاسم سليماني في العراق، وقرار واشنطن قتل الرجل الذي قاتلت إلى جانبه قبل أقل من ثلاث سنوات، بدا كسراً لهذا المسار.

ثمة بعد عبثي لخطوة الرئيس الأميركي المتمثلة في إعطاء الأمر لقوات المارينز بقتل قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد، على رغم السياق الواقعي للعملية. البعد العبثي يتمثل في أن الرجلين وقبل أقل من ثلاث سنوات كانا يقاتلان جنباً إلى جنب في الموصل! فما الذي دهاهما؟

المعادلة عام 2017، تمثلت على النحو التالي: قاسم سليماني يقود “الحشد الشعبي” في الحرب على “داعش”، فيما يتولى الجيش العراقي التنسيق مع طائرات التحالف التي كانت تستهدف مواقع التنظيم تمهيداً لتقدم مجموعات الحشد. لقد شهدنا ذلك بأم أعيننا نحن الذين كنا على تخوم الشاطئ الأيمن من المدينة، وكان بيننا على خطوط القتال خبراء أميركيون يتولون تنسيق العمليات، وكان أيضاً أبو مهدي المهندس!

السنوات الثلاث التي تفصل بين القتال إلى جانبه وبين قتله، لم تكن قطعاً لمسارات الحرب المشتركة. ما كان لهزيمة “داعش” أن تُنجز لولا قوات المارينز. لكن الأميركيين عملوا ما بوسعهم لكي تنجز طهران مهمة قضمها العراق، بدءاً من معاهدة الانسحاب التي وقعها الرئيس السابق باراك أوباما، ووصولاً إلى الانكفاء بعد هزيمة “داعش”. الجنرال سليماني لم يبذل جهوداً كبرى في العراق أثناء قضمه نفوذ واشنطن فيه. في سوريا كانت مهمته أصعب وكلفتها أكبر. في العراق، بدا أن واشنطن تفسح للرجل المجال، وتتولى تسليمه الموقع تلو الآخر. وفي اللحظة الأخيرة استيقظ دونالد ترامب على ضرورة قتله.

انعطافة كبرى في شكل المواجهة بين واشنطن وطهران. الإدارة الأميركية أعلنت أنها أقدمت على تنفيذ العملية، ما يعني أنها مستعدة لما يتبعها من احتمالات. طهران بدورها صار صعباً عليها ألا تبادر إلى الرد

هذا المسار هو تماماً ما يرسم البعد العبثي لقرار ترامب قتل سليماني. لقد تمدد الرجل في بلاد الرافدين تحت أنظار الأميركيين. واشنطن أسقطت صدام حسين وباشرت انكفاءها، وفي الحصيلة الأولى ثَبُت أن طهران هي المستفيد الأول من إسقاطه. واشنطن فشلت في تحويل عراق ما بعد صدام حسين إلى نموذج الدولة التي ترغب بها. لقد كانت خطوة مهاجمة السفارة في بغداد قبل أيام من قبل مناصرين لفصائل “الحشد الشعبي”، امتداد طبيعي لوجهة النفوذ الذي بناه قاسم سليماني في العراق، وقرار واشنطن قتل الرجل الذي قاتلت إلى جانبه قبل أقل من ثلاث سنوات، بدا كسراً لهذا المسار.

الخطوة ليست قطعاً مع هذا المسار فحسب، إنما انعطافة كبرى في شكل المواجهة بين واشنطن وطهران. الإدارة الأميركية أعلنت أنها أقدمت على تنفيذ العملية، ما يعني أنها مستعدة لما يتبعها من احتمالات. طهران بدورها صار صعباً عليها ألا تبادر إلى الرد. وبهذا المعنى فإن ترامب أعلن حرباً لا عودة عنها.

محرك الدمى القاتلة الإيراني : كيف بات قاسم سليماني شخصية بالغة الخطورة؟

ثمة خطأ كبير في مشهد تجاور النفوذين الإيراني والأميركي في العراق. فلحظات الانسجام وإن بقيت ضمنية كانت كثيرة. اسقاط صدام كان أحد هذه اللحظات، وهزيمة “داعش” أيضاً، وبين هذين الحدثين نشأت قوى محلية حائرة في علاقاتها وولاءاتها، عادت طهران وأخضعتها، ثم تمكنت من استخدامها في نزاعها مع واشنطن، وكان آخرها واقعة مهاجمة السفارة. وقبل هذه الواقعة جاءت الغارات الغامضة على مواقع فصائل الحشد الموالية لطهران، وبعدها استهداف القواعد الأميركية ومقتل مدني أميركي بالقرب من كركوك، وهو ما ردت عليه واشنطن بالإغارة على البوكمال. كل هذا كان يحصل في منطقة نفوذ مشترك بين عدوين كبيرين.

كان لا بد لهذا النزاع أن يتحول إلى حرب معلنة، وخطوط قتال واضحة. مقتل قاسم سليماني سيكون تحولاً نحو هذه الوجهة. لقد صار من الصعب أن يتجاور النفوذان الأميركي والإيراني في العراق، وربما في لبنان أيضاً. قد تكون قدرة واشنطن على الردع أكبر، لكن قدرة طهران على هضم الصفعة الأميركية منعدمة. الحرب خارج أرضها خيار ممكن. العراق قريب من أجوائها وحدودها، ولواشنطن قواعد فيه، وقدرة على المبادرة. لبنان وسوريا متاحان، وربما الخليج. 

نيويورك تايمز: قصة الرجل الذي طارد قاسم سليماني

إقرأ أيضاً

ميزر كمال- صحافي عراقي
التصعيد الذي بدأ قبل أوانه، يثير المخاوف من موجة جديدة من العنف، والقمع الذي تتبعه القوات الأمنية العراقية لمواجهة الاحتجاجات في عموم البلاد
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الحساسية المفرطة حيال مشهد فتية الطوائف يحطمون مصرفاً أو يستهدفون البرلمان، يجب أن تُوجه نحو السلطة الوقحة للمصرف وللبرلمان. ويجب أن يُشهر في وجهها إصبعاً يشبه اصبع حسن نصرالله حين يشهره في وجه خصومه في “14 آذار”.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email