fbpx

هنا القصة الثالثة

سحر مندور- باحثة في شؤون لبنان في منظمة العفو الدولية

سحر مندور- باحثة في شؤون لبنان في منظمة العفو الدولية

مقالات الكاتب

“النسويّون الدجّالون” داخل الفقاعات الآمنة: في متناولهم أسلحة كثيرة سنقاومها كما الساحرات!

يعتدي عليها، لفظاً أو ضرباً أو بالعنف الجنسي.

ضربها، وكان قد ضرب سواها قبلها. ضربٌ وعنفٌ جنسيّ. لماذا لم تتكلم هي أو تتشكى عليه؟ لماذا لم تتكلم السابقات ويتشكين عليه؟ لكل فتاةٍ أسبابها، ومعظم هذه الأسباب يصبّ في خانةٍ واحدة مهما تبدّلت السياقات: الخوف من الأهل. سيستخدم المعتدي أسلوب حياتها ضدها، وهي قد شقّته بمعزلٍ عن أهلها لأنها لا تقتنع بشروطهم عن الحياة وتعريفهم لموقعها منها كإمرأة.

المرأة المستقلة مغرية للمعتدي

لكن هذا كله ما عاد في صالحها، فجأة. ما تريده من الدنيا أغراه بها، وهو تماماً ما سيستعمله ضدها. المرأة المستقلة، مغرية للمعتدي. يحقّق فوزين عليها، واحدٌ بالإغواء وثانٍ بالتأديب. هؤلاء الفتيات صنعن لأنفسهن فقاعةً إجتماعية تتيح لهنّ أن يكنّ كما يشتهين أن يكنّ، وهنّ كثيرات والفقاقيع كثيرة وتتلاقى. نعرف بعضنا عبر الأجيال أيضاً. أنظر إليهن في سهرة وأتذكر الفقاعة التي احتوتني، أراها تتسع على أمل أنها يوماً ما ستبتلع المجتمع. سيأتي يومٌ لن تضطر فيه الفتيات إلى إخفاء الجنس والكحول وسواهما من خيارات الحياة الشخصية. لكن، هؤلاء الفتيات، وبينما هنّ يافعات في فقاعتهن، إلتقين برجالٍ قالوا إنهم مثلهنّ وأنهم يقدّروهنّ. أشهروا اليسار والشيوعية والإحمرار في المبادئ والعدالة والتحرّر. وهذا إشهار ورثوه عن أجيال سبقت لطالما رفعت شعاراتٍ تحرريةً انتهت استغلالاً لنساء كثيرات حكين عنه ووثّقنه في كتاباتٍ عديدة وعبر القارات. هنا، قالوا “الرفيقة للرفيق”. وهنا، قلن: الرفيق ينام مع الرفيقة ثم “يفضحها” كإمرأة قابلة للمضاجعة، قبل أن يبحث في زوجته عن العذرية ويلجم ابنته عن مبادئ الرفيقة التي كانت للرفيق. ليسوا كلهم كذلك، لكن كثيرين منهم كذلك. وَرَثَتُهم على الأرض تعلّموا كلمة جديدة تضاف إلى الكلمات الذهبية هي “النسوية”. أنا يساري ونسوي. أنا الذي أبدع النسوية. وتراهم ينفعلون لقضايا أدين فيها سواهم. كيف لا تقبل الفتيات كلامهم هذا وتستقر معهم في الفقاعة؟ ثم، ترى بعض الفتيات يدافعن عن تهمة مسّت واحداً منهم لأن “رجال فقاعتي ليسوا كذلك”. رجال فقاعتي تستهدفهن النساء وليسوا هم من يستهدف النساء. وبذلك، يحصلن على رضا رجال وفي داخل الفقاعة. كأنه توازنٌ ذهبي يبقيهن على مقربة من “الرجل” من دون أن يتنازلن عن أسلوب الحياة. وكثيرات هنّ اللواتي دفعن ثمن هذه المعادلة، إذ أنهن أغفلن فيها المكتسبات. مكتسباته وحقوقه عليهن.

ببساطة، يكذبون. كذاك الذي يقول “مرتي معيّشتني بجحيم” ليخونها، يقولون “أنا نسوي”، “أنا يسار نسوي”، لا بل “أنا يسار نسوي تقاطعي”، ليمارسوا الإغواء. أيّ شرّ يمكن أن يخرج من هذا اليساري النسوي التقاطعي! يسرق من الفقاعة كلماتها، ويسمّي نفسه بها. يأخذ النساء إلى بيته، ويفتعل فيهن كافة أفعال الذكورية. هو وسواه، يمارسون بحقّهن كافة مكتسبات الذكر الشرقي، من الضرب إلى الإغتصاب، ومن الكذب إلى الإهانة. إن ساءلنه، يروي لهن الأعذار التي تلائم الفقاعة. وإن رفضن الأعذار وطالبن بالمحاسبة أو على الأقل الفضح لكي تتفادى الأخريات مطباً شبيهاً، يستل حينها صريح الأسلحة الذكورية: العشيرة والقانون.

أبي سيفضحك عند أبيكِ. شيوخ عائلتي وعموم عائلتك. الفضيحة. التشهير.

لو نساءٌ تأملن وفكّرن ومهّدن للموضوع، لا بد أنهن سيجدن السبل لإخبار الآباء والأمهات عن الاستقلالية ونوعية الحياة التي يشتهينها لأنفسهن. لكن، في ذلك الصباح أو ذاك الليل، حين تستفيق هذه الفتاة أو تلك على نفسها لتجدها مضروبة، مدمرة، أو مغتصبة، وبالطبع مصعوقة، سيستحيل واقع استقلاليتها جداراً شاهقاً يستقر فوق صدرها، تعجز هي عن هضمه، فكيف سينفجر بها أمام أهلها؟ وهكذا، تُهدَّد به. بلا أيّ تمهيد، سيفتح الآباء والأمهات عيونهم عليها عاريةً مرمية في وجعٍ و”تروما”، سيرونها هكذا.

من يمكنها أن تتخيل عن نفسها لحظةً كهذه، رعباً كهذا؟

هذا ولم نباشر بعد بالحديث عن التروما. تروما الضرب. تروما الإغتصاب. تروما فقدان الأمان التام. هو الحصار الاجتماعي داخل الجسد كآخر ملاذ، يليه الإعتداء على هذا الملاذ الأخير كمشاع. إن تروما التعرّض للشاب “النسوي” الآمن تضيف إلى تروما العنف نكهةً خاصة مفادها أنه لا يوجد في الدنيا شخصٌ آمن ولا مكان آمن، لا تستقيم في الحياة ثقةٌ بإنسان، بحبّ، بسرير.

تتردّد، ولا تبلّغ الشرطة.

حتى ولو استخرجت تقرير طبيبٍ شرعيّ، تراها تتردد ولا تبلّغ. تخاف، وتغضب. تنفجر داخل نفسها وتنهار، وهي جالسة مكانها. التروما تحكمها. هذا كله ونحن لا نزال فعلياً في مرحلةٍ تسبق القانون. تراها تفكّر.. إذا دخلنا الأرض القانونية، ألن يلعب كل شيء ضدها وضدنا كلنا؟ كانت في بيته، في الليل، لماذا؟ هؤلاء لسن متزوجات ولا عذراوات، لماذا؟ وتكرّ سبحة التهم: شربنا في تلك السهرة، تخففنا من بعض الوعي، نرتدي الحرّ من الملابس، نمتلك خصوصية..

في ذلك الصباح أو ذاك الليل، حين تستفيق هذه الفتاة أو تلك على نفسها لتجدها مضروبة، مدمرة، أو مغتصبة، وبالطبع مصعوقة، سيستحيل واقع استقلاليتها جداراً شاهقاً يستقر فوق صدرها، تعجز هي عن هضمه، فكيف سينفجر بها أمام أهلها؟ وهكذا، تُهدَّد به

في متناوله قوانين كثيرة، وفي متناولنا مخاوف كثيرة..

طيب، ماذا لو قام الأصحاب والناشطات والناشطين والمعارف بنشر الخبر بدلاً منها؟ ألا نتفادى المطبات الشخصية؟ أليس من المنطقي حينها أن تأخذ الجريمة بعدها العامّ؟ ألا نتحمّل بذلك جميعنا تبعاتٍ تعجز واحدةٌ منا عن تحمّلها وحدها؟

هو ليس واحداً، هم كثرة. وهي ليست وحيدة، نحن كثرة.

المنطق بدا سليماً، وبدأ ينشط في السنوات القليلة الأخيرة هنا، بوساطة السوشل ميديا.. حتى أوجد أحدهم حدّاً له: واحدٌ، رجلٌ، قبل فترة، فضحته فتاةٌ كمتحرّشٍ ليليّ، فثار برفقة أفراد عائلته وأصحابه ضدها (وجميعهم/ن ناشطون وناشطات في سياقٍ ما من سياقات العدالة الاجتماعية والجندرية، لحسن الحظ)، وراحوا يغزلون الحرير حوله كـ”شخصية محترمة” و”صاحب أسرة”، ناهيك عن “تاريخي يشهد لي”. فليعتذر إذاً! لا يعتذر. هي أساءت الفهم وهو لا يخطئ. واتسعت دائرة النقد وصارت مواجهة بين الذين يريدون فضح كل معتدٍ طالما ليس منّا وبين من يريدون فضح كل معتد حتى ولو كان منّا. ولما اشتدّت المعركة، لجأ الشاب المتحرّش إلى أحد الأسلحة التي تهمّشت في المواجهات داخل الفقاعة الواحدة. استل سلاحاً من المجموعة التي يتيحها له النظام البطريركي منذ نعومة أظافره: اختار القضاء. العسكر، القضاء، الدين، الإعلام، العائلة، القيم الاجتماعية، المال، … كلها بنى تستقيم في صالح الرجل، ما أن يحتاجها. فمثلاً، ما زلنا نحارب كي لا تكون حضانة الأولاد هي أداةٌ لتعذيب المرأة أو، بالأحرى، أداةٌ لفرض عليها التعايش مع الضرب والتعذيب.

كيف نبقى تحت سقف الضحية احتراماً لأمنها؟

المهم.. راح صاحبنا هذا يهدّد بكلماتٍ من نوع: تبليغ، شكوى قضائية، قدح وذم، … وتبدّلت لغته لتستعير عبارات قانونية على طريقة “سيطال كلّاً من” و”للبيان حرّر”، وهي للأمانة عباراتٌ لا تشبه العبارات التي خطّها لها آخر الليل، ولو أن اللغتين يسيل منهما اللعاب: لعاب الشهوة ليلاً ولعاب السطوة نهاراً.

هذا الذكر افتتح طريق صدّ النساء بواسطة القضاء. قدح وذم. فسار على دربه ذكرٌ آخر، أيضاً من مريدي العدالة شكلاً وخطابةً ومن ممارسي الظلم مضموناً ومنهجياً، ليهدد بالقدح والذم. الفتاة الضحية يتم إسكاتها بالأهل والعشيرة. وصديقات الضحية وأصدقاؤها كما المناضلات والمناضلين، يتم اسكاتهم/ن بطريقتين: 1- القدح والذم إذا أتوا على ذكر اسم المعتدي..

2- الإبتزاز بأمن الضحية إذا خلا المنشور مما يتيح استخدام قانون القدح والذم.

كيف؟ هنا، نعود لنقفل الدائرة العفنة بالتهديد بالأهل. إذا لم تسكّتيهم/ن، أهلي سيفضحونك لأهلك. وتصبح الفتاة مرعوبة من الدعم أكثر مما تجد فيه ملاذاً. تصبح الضحية مرعوبة من محاسبة المعتدي. وينتقل المشهد من إمكانيات الألوان إلى صرامة الأبيض والأسود: العلن فضيحةٌ، والخفاء أمان. ويصبح مطلب المحاسبة قصاصاً لها لا له.

هذه هي الدائرة المفرغة التي نغطّ فيها: لا تنقصنا الخبرة، ولا ينقصنا الحقّ، ولا ينقصنا الحافز، ولا تنقصنا الشجاعة. لكن، في كل تجربة اعتداء، نضع أنفسنا تحت سقف الضحية. وبينما قضايا الحضانة تشهد نساءً فدائياتٍ يذهبن إلى السجن رافضات تسليم أبنائهن، فإن قضايا العنف التي تقع داخل فقاعات الحريات الخاصة تصبح أكثر خطورةً كونها تنطلق من عزلةٍ صغيرة عن المجتمع الحاكم لا من إنتماءٍ عريض له.

لذلك، نجد أنفسنا أمام سؤال: كيف نبقى تحت سقف الضحية احتراماً لأمنها؟ وكيف نقفز عنه من دون المساس بأمنها؟ فالضحية هي بطلة قصةٍ واحدة، ونحن نرى كثافة القصص. التجربة لا تتوقف عندها، الاعتداء مستتبٌ بيننا. لكن، هي التي تعرّضت له هذه المرة وهي التي تعرف مدى قدرتها على تحمّل التبعات.

في مصر، كان الزواج العرفي هو مسلخ المرأة. تشتعل بها النيران ما أن يُذكر أن سبب الحبل هو زواجها العرفي. أيّ أنها حبلت من علاقة أُريد لها أن تكون جنسية فحسب، قوامها المتعة. الجنس والمتعة يساويان الحق برجمها وحرقها كالساحرات على الأعواد. وبقي “العرفي” مكسر المرأة حتى ظهرت امرأة اسمها هند الحناوي، بأم وأب متوسطي الحال، يعيشان بمدخول أستاذٍ جامعي، ليسا بالضرورة منفتحَين أكثر من محيطهما ولا هما بالضرورة منغلقان أكثر من محيطهما. لكنهما، بالتأكيد، قادران على تمييز أمن ابنتهما وسلامتها، حقّها وإرادتها، فوقفا سدّاً منيعاً يسندها. قال الفنان أحمد الفيشاوي أن الزواج عرفي والحبل ليس منه، والقضية “قدح وذم”. قالت هند الزواج عرفي، والحبل منه، والقضية “إثبات أبوّة”. وبسحر ساحرٍ، لا بل بتراكم التجارب في كلّ شارع وبناية، انقلب الرأي العام من ضدها إلى ضده. وتمكّنت هند الحناوي، على مدّ سنوات المحاكمة، من إحداث تغيير إجتماعيّ كان قد استوى ونضج لكن أحداً لا يجرؤ على إحداثه. كم اعتذر على التلفزيون.. وكم كان أثر ذلك كبيراً في المجتمع.

 

لدينا قصص اعتداء، يجب علينا أن نعلنها. لدينا ضحايا، يجب علينا أن نحميهنّ. ولدينا معتدين، هم بيننا، نحتاج أن نظهّرهم ليعاقبوا، ولنتفادى شرّهم، وليرتدع سواهم.

 

 

هند ليست ربما أقوى من غيرها ولا هي مسألة قوّة فردية، هي مسألة اختلافٍ في الواقع الإجتماعي ومدى عنف معادلاته. لو كان أهل هند من فصيلة “نذبحها لنغسل العار”، لما تمكنت من فعل ما فعلت. ولكن أيضاً، يكفي ألا تثق الفتاة برد فعل أهلها لكي تتخيل الأسوأ وتلعب ضمن شروطه. وفي تجارب العنف الجسدي والجنسي، التروما بطبيعتها تفقد المرأة الأمان العميق.

باختصار، المواجهة تحت سقف الضحية في هذه الاعتداءات تصل إلى حدّ وتتوقف عنده، فسقف الضحية هو الأكثر انخفاضاً.

هذه مسألة تحتاج إلى تفكير وحلّ. وليس حلّها بعصيّ.

لدينا قصص اعتداء، يجب علينا أن نعلنها. لدينا ضحايا، يجب علينا أن نحميهنّ. ولدينا معتدين، هم بيننا، نحتاج أن نظهّرهم ليعاقبوا، ولنتفادى شرّهم، وليرتدع سواهم.

إذا استعصى الوصول إلى العقاب، فلتكن مقاومة. وإذا امتلأ العلن بالخطر، فليكن العمل شبه السريّ. ولا استحالة في ذلك، فالسكة تبدأ من جلسةٍ مع الحلفاء من المحاميات والمحامين، وجلسةٌ مع الحلفاء من الناشطات والناشطين.

هذا المعتدي الذي يأتي بأبيه ليحتمي خلفه، سيُلجم بالنبذ والإدانة ولو فَرَضَ عليها الصمت. وهذا الأب الذي يأتي بالعشيرة والقانون ليبتزنا كي نخضع له، سيرى بعينيه – إلى فشله في تربية إنسانٍ يحترمه محيطه – نساءً أصغر منه بكثير يقفن في وجه سلطته، يحقّرنها، ويحتقرنه. وهذا القانون الذي يتردّد كثيراً أمام النساء، يبتكر في صناعة المطبات لهن ويتمنى لو يخفيهن، ستواظب عليه الساحرات حتى يخفينه تحت سابع أرض.

 

شبحٌ يخيّم فوق حرية التعبير في لبنان

 

إقرأ أيضاً