المونديال يهزم ترامب وبوتين وينتصر للوثر كينغ ومانديلا

مونديال روسيا قدم صورة طيبة لعالمنا، فهو "انتصر" على سياسات ترامب المتعصبة تجاه الأعراق غير البيضاء،وعلى سياسات نظام بوتين التي تعتمد على شحن المشاعر القومية بطريقة لا تخلو من عنصرية، و"انتصر" للنضال ضد التمييز العنصري ورموزه الكبار.

لم يشب مونديال 2018 شائبة عنصرية لافتة. مضت مبارياته كلها من دون أن يصدر عن مشجعي أي من المنتخبات التي شاركت فيه هتافات أو إشارات أو تلميحات تحمل محتوى عنصرياً. صدرت إشارات تحمل معنى سياسياً، ولكنه ليس عنصرياً، عن اثنين من لاعبي منتخب سويسرا في مباراته أمام منتخب صربيا، وسجل مساعد مدرب منتخب كرواتيا وأحد مساعديه فيديو ذا محتوى سياسي ضد روسيا عقب فوز منتخبها، إذ أهديا هذا الفوز إلى كرواتيا، ولكنهما سارعا للاعتذار عن أقوالهما.

كانت السياسة حاضرة في هذا المونديال، ولكن من دون إساءات عنصرية.

يختلف هذا المونديال، إذاً، عن دورات سابقة شهدت أحداثاً ذات طابع عنصري، وآخرها مونديال 2014، حين صدرت إيماءات عنصرية من جانب جمهور ألمانيا تجاه بعض لاعبي غانا في المباراة التي جمعتهما، ومن جمهور إنجلترا إزاء بعض لاعبي الأوروجواي في مباراة ثانية.

وليس لدينا ما يدل على حدوث إساءة عنصرية غير مرئية، أو مسموعة إلا لمن أُسيء إليه، في أي من ملاعب مونديال 2018، بخلاف ما حدث في مونديال 2006 بين المنتخبين الفرنسي والإيطالي. لم يسمع أحد ماتيرازي عندما شتم زين الدين زيدان، ولكن الجميع شاهدوا الأخير عندما نطح الأول فألقاه أرضاً، وعوقب على فعلته. وأمكن التعرف على المحتوى العنصري لما قاله ماتيرازي، وأثار ثائرة زيدان، بعد المباراة عبر تحليل حركة شفاهه.

كان انتهاء مونديال روسيا على هذا النحو الطيب نبأ ساراً

ولذا يجوز القول، بشيء من التبسيط، إن مونديال روسيا قدم صورة طيبة لعالمنا في مرحلة ربما تكون الأسوأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي لحظة تطل فيها العنصرية برأسها على نحو غير مسبوق منذ التغيير الذي حققته حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي.

وإذا صح هذا الاستنتاج، يكون المونديال قد “انتصر” على سياسات إدارة دونالد ترامب المتعصبة تجاه الأعراق غير البيضاء، وليس السود فقط، وسياسات نظام بوتين التي تعتمد على شحن المشاعر القومية بطريقة لا تخلو من عنصرية، و”انتصر” للنضال ضد التمييز العنصري ورموزه الكبار.

ولعله فأل حسن أن ينجو مونديال، نظمته روسيا تحديداً، من آثار التراجع الذي يحدث في النزعة الإنسانية في العالم، ويحمل معه أجواء عنصرية، في عام يُذكر فيه المناضلان الكبيران مارتن لوثر كينغ، ونلسون مانديلا. إنه عام الذكرى الخمسين لاغتيال الأول، وهو في أوج تألقه النضالي ضد العنصرية، في 4 نيسان “أبريل” 1968، والذكرى المئوية الأولى لميلاد الثاني في 13 تموز “يوليو” 1918، وكذلك ذكرى مرور خمسة أعوام على رحيله في 15 كانون أول “ديسمبر” 2013.

خَيَب المونديال توقعات أثارت خوفاً من تراكمات الموجة العنصرية الجديدة في دول لا يخفي مدى تأثيرها في العالم. في البيت الأبيض الآن رئيس هو الأكثر تحيزاً لذوي البشرة البيضاء منذ عقود طويلة قد تصل إلى ثمانية. استخدم الكاتب الأميركي حائز جائزة بوليتزر هوليبرت كينغ عبارة هي الأكثر دلالة على هذا المعنى، في مقالة نشرها أخيراً، وهي أن البيت الأبيض حالياً يُعد الأكثر بياضاً منذ رئاسة هربرت هوفر (1921 – 1928).

ولذا، كان القلق من وقوع أحداث عنصرية في المونديال ظاهراً إلى حد أن الاتحاد الدولى لكرة القدم “الفيفا” اتخذ اجراءين استباقيين. أولهما إعلان رئيسه أنه تم توجيه حكام المونديال إلى وقف المباريات في حال وقوع أحداث عنصرية، أو إلغائها. والثاني تفعيل نظام مراقبة المباريات، الذي جُرب في التصفيات المؤهلة لهذا المونديال، وبعض المباريات الودية، وإعداد مراقبين مدربين بواسطة شبكة كرة القدم ضد العنصرية في أوروبا، بحيث يرسلون تقارير فورية إلى لجنة الانضباط التابعة لـ”الفيفا” في نهاية كل مباراة.

نُظم مونديال روسيا فى لحظة يزداد فيها الميل العنصري أكثر من أي وقت مضى

لم يكن القلق من أحداث عنصرية في المونديال راجعاً إلى آثار هذه الموجة في الولايات المتحدة فقط. فقد أثارت واقعتان عشية المونديال القلق أيضاً. هتافات حملت إيماءات عنصرية ضد لاعبي المنتخب الفرنسي بول بوجبا وعثمان ديمبلي خلال مباراة ودية أمام المنتخب الروسي، ضمن الاستعداد للمونديال، في ملعب سانت بطرسبرغ في آخر آذار “مارس” الماضي. كانت أصوات تشبه صوت القردة تتردد كلما وصلت الكرة إلى بوجبا لاعب مانشستر يونايتد الغيني الأصل، وديمبلي لاعب برشلونة الذي ينحدر من أصل مالي (من جهة والده). كان الحدث مثيراً للقلق، لأن ملاعب روسيا مُضيفة المونديال شهدت الكثير من الأحداث العنصرية. كما تورط بعض الأندية واللاعبين، وليس قطاعات من الجمهور فقط، في مواقف وسلوكيات مشينة على هذا الصعيد. وعلى سبيل المثال نشر نادي سبارتاك موسكو تغريدة عنصرية على صفحته في موقع “تويتر” في مطلع العام الجاري مصحوبة بفيديو لأحد لاعبيه (برازيلي ذو بشرة سوداء) وكُتب فوقها (انظروا كيف تذوب الشوكولاتة في الشمس)!

والحال أن التعصب العنصري ازداد في روسيا في السنوات الأخيرة نتيجة بناء نظام الرئيس فلاديمير بوتين شرعيته على شحن النعرة القومية ممزوجة بنزعة أرثوذكسية، ورسم صورته بوصفه القادر على استعادة مكانة روسيا العالمية التي فقدتها منذ تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، وبعث المجد الوطني.

زوجة الرئيس الفرنسي، بريجيت ماكرون مع بول بوغبا

وهكذا، نُظم مونديال روسيا فى لحظة يزداد فيها الميل العنصري أكثر من أي وقت مضى منذ النجاح الذي حققته حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي، وسبعينياته ويتنامى هذا الميل في اثنتين من أكبر القوى الدولية بعد أن دخل ترامب البيت الأبيض، وارتاح بوتين إلى نجاح سياسته القومية المتشددة في المحافظة على قاعدته ونفوذه الداخلي.

غير أن المونديال، الذي شارك فيه أكبر عدد من اللاعبين ذوي البشرة السوداء في تاريخ هذه المسابقة، وحقق بعضهم الفارق في مباريات عدة، مضى من دون حدث أو موقف عنصري صريح، سواء من جمهور أحد المنتخبات ضد لاعب أو أكثر في المنتخب المنافس خلال المباراة، أو بعيدها، أو نتيجة أزمة أو مشكلة في داخل منتخب دولة على النحو الذي حدث في المنتخب الفرنسي في مونديال 2010 في جنوب أفريقيا، وكان فريداً في نوعه. فقد أُسيء إلى اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية في هذا المنتخب، لاتهامهم بالمسؤولية عن أدائه المتدني وفشله في عبور دور المجموعات، ومغادرته المسابقة مبكراً جداً مع المنتخبات الأكثر ضعفاً فيها، ووصفتهم وزيرة الرياضة حينئذ بأنهم يشبهون “قادة عصابات الضواحي”.

وإذا كان انتهاء مونديال روسيا على هذا النحو الطيب نبأ ساراً، لابد أن يكون استمرار الممارسات العنصرية في عالمنا وازديادها في بعض دوله أمراً محزناً في وقت يُثبت العلم أن لون البشرة لا يدل بالضرورة على الأصل أو العرق. وكان عدد تشرين أول “أكتوبر” الماضي من مجلة “ناشيونال جرافيك”، الذي خُصص لهذا الموضوع ملهماً، بما تضمنه من مقالات وتحقيقات، وبالعبارة الافتتاحية التي كُتبت تعليقاً على صورة لطفلتين توأمتين تشبه إحداهما الأخرى في ملامحها كلها، باستثناء أن الأولى سوداء، والثانية بيضاء: (هاتان الطفلتان التوأمتان تدفعاننا إلى إعادة التفكير في كل شيء حول الأصل أو العرق Race).

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email