fbpx

هنا القصة الثالثة

نبيل مروة - موسيقي لبناني

نبيل مروة - موسيقي لبناني

مقالات الكاتب

الموسيقى العربية بين خطابي العَقل والعاطفة…

أكثر من نصف قرن مرَّ على وجود فِرق موسيقية أوركسترالية في بلدان العالم العربي. أوركسترات صغيرة الحجم وأخرى كبيرة، موقتة وثابتة عزفت وتعزف لمختلف الأهواء والاتجاهات. وعلى رغم ذلك، لا نرى أنّ هذا قد ترك أثراً واضحاً وحاسماً، في ما يخُص اتجاهات التأليف الموسيقي لشعوب هذه البلدان ومساراتها، ما خلا بعض الموسيقيين الذين حسموا خياراتهم التأليفية، وقرروا خوض تجربة التأليف للأوركسترا في قوالب موسيقية عالمية معروفة.

فما أسباب هذا التردد والضبابية؟

إشكالات الموسقى العربية

أيكمن السبب في مونودية (إرسال اللحن في الموسيقى من صوت واحد أو من مجموعة أصوات من المقام ذات، مجرداً من ك مصاحبة هارمونية) الموسيقى العربية غير المطواعة للتوزيع الأوركسترالي؟ أم في طبيعة المستمع العربي الذي يُفضل الاستماع إلى الصوت الواحد في الغناء وليس التعدد الصوتي في الموسيقى؟ أم ثمة أسباب تتعلق بعدم قدرة الموسيقي العربي على مواكبة المتغيرات المستجدة في الاتجاهات العالمية الحديثة للتأليف الدرامي للاوركسترا؟

أو يكون السبب في النقص الفادح في الأدوات المعرفية وأبنِيَتها التحتية في هذه البلدان؟ أم في زيادة مُطردة لمنسوب عقد النقص تجاه الموسيقى الغربية المُنْتِجة الفعلية لعلوم التأليف والتوزيع الأوركسترالي؟ وهل يكمن السبب في الاختلاف بين بناء اللحن الذي برع فيه الشرق العربي من جهة، والبناء التأليفي الغربي من جهة أخرى؟

التأليف… لغة خاصة

لا مُجازفة في القول إن الإبداع في التأليف الموسيقي يتجلى في ابتكار لغة موسيقية جديدة لقضايا العصر وأطروحاته، ويُنْتَج عبر وحدة متكاملة، المؤلف الذي يكتب اللحن الأساس والألحان الثانوية ويبتكر في الوقت ذاته صياغات هارمونية وبوليفونية لألحانه، بحسب لغة عصره. فاللحن هو مُكوِّنٌ أساس في عملية التأليف ككل، أما التأليف فهو مجموعة العناصر المؤتلفة والمُتآلفة في ما بينها عبْرَ تشكيل بنائيّ مُرَكّب لتصورات فنية مُعقدة في أبعاد درامية.

وتجدر الإشارة إلى أن التأليف الموسيقي لا يقتصر على الكتابة للاوركسترا وحسب، بل ويصُح أن يكون لآلة واحدة، شريطة أن يتَضَمَّن العناصر الضرورية لبناء النص اللحني عبْر نسَق هندسي لمجموعة من الجُمل اللحنية تترابط بين شِدَّةٍ وارتخاء، تليها جُمَل لحنية ثانوية، ثُمَّ تطوير يصل خاتمة تقفل النص/ الفكرة.

ومع ذلك فالعنصر الدرامي، وهو الهدف الأساس من التأليف، لا ينبثق من النص اللحني حتى ولو كان مكتملاً. فاللحن قد نستطيع أن نُعطيه أوصافاً مختلفة، كأن يكون جميلاً أو قبيحاً، مُكتملاً أو مكسوراً…

لذا كانت آلة البيانو وما زالت آلة فُضلى للتأليف في الموسيقى الغربية، لكَوْنها قادرة على إصدار ائتلافات الأصوات في اللحظة الزمنية ذاتها. فالتأليف للبيانو أبْرَزَ أهمية التفكير الدرامي، انطلاقاً من ضرورة إعادة توزيع التأليف ذاته على آلات الأوركسترا المتنوعة.

ما هو التوزيع الموسيقي الأوركسترالي The Orchestration؟

ببساطة ومن دون تعقيدات أكاديمية، التوزيع الأوركسترالي هو أيضاً من العناصر الأساسية للتأليف الموسيقي، أكان لمجموعة صغيرة من الآلات أو لأوركسترا سيمفونية. ويكشف لنا تاريخ الفن الموسيقي الغربي، أن لكل عصرٍ موسيقي أسلوبه المختلف في مقاربة قواعد التوزيع وتطبيقها، في التأليف الاوركسترالي.

كانت آلة البيانو وما زالت آلة فُضلى للتأليف في الموسيقى الغربية، لكَوْنها قادرة على إصدار ائتلافات الأصوات في اللحظة الزمنية ذاتها.

ولكن مفهوم التوزيع للأوركسترا ظلَّ دائماً محافظاً على وظيفته الأساس وهو ابراز مسارات البناء الدرامي للتأليف من خلال قواعد كثيرة أهمها؛ الكتابة للآلات الموسيقية وكيفية مزج ألوانها لاستخراج ألوان جديدة تعبر عن تحولات الحالة الموسيقية المُراد إبرازها، إضافة إلى قواعد صوغ الائتلافات الهارمونية والبوليفونية المرافقة للخطوط اللحنية.

عودة إلى منتصف القرن العشرين عند العرب

ليس هناك تاريخ دقيق لبدء ممارسات الموسيقيين العرب في استعمال التأليف الأوركسترالي. وقد يكون السبب في كون نشوء فرق أوركسترالية أتى متأخراً وبتفاوت بين بلد عربي وآخر. ولكن التسجيلات الموسيقية الآتية منذ زمن منتصف القرن الماضي وقبله بقليل، تُشير إلى أن الإنتاجات الموسيقية بمعظمها كانت غنائية الطابع. أما تأليفات الموسيقى الآلية للأوركسترا فكانت موجودة في حالات نادرة ومبعثرة في مصر ولبنان وأوساط نخبوية مُغلقة.

ومع هذا نلحظ نشوء تيارين في الوسط الموسيقي العربي، انطلقا في مرحلة صعود فكرة القومية العربية. الأول كان يدعو إلى الانفتاح الثقافي على الغرب ويرى أن تطوير الموسيقى العربية لا بد أن يمر عبر استخدام الأنماط النظرية والتطبيقية للموسيقى الغربية، والاستفادة من تراكماتها الغنية. في حين دعا التيار الثاني إلى عدم السماح بتلويث الموسيقى العربية عبر خلطها مع موسيقات أخرى، فدافع عن خصوصيتها بمقولة الأصالة في الموسيقى العربية وبرفع شعار الحفاظ على الهوية الثقافية التي يهددها الاستعمار.

في ذاك الزمن من منتصف القرن الماضي تقاسم مركز الثقل في الإنتاج الموسيقي بلدان عربيان هما مصر ولبنان وشكلا حالة استقطاب للفنانين العرب والاتجاهات الفنية الجديدة.

تحولات التجربة المصرية تحت ضغط التقليد

انطلقت حركة التأليف الكلاسكية المعاصرة في مصر عام 1932، عندما ألّف يوسف جريس أول عمل سيمفوني مصري “القصيد السيمفوني مصر” وعاصره من الجيل الأول، موسيقيون آخرون منهم حسن رشيد وابو بكر خيرت الذي أسند إليه تأسيس معهد الموسيقي في القاهرة. اتسمت مؤلفاتهم بطفليّة في التفكير الأوركسترالي كما احتوت على مطولات سردية وإعادات كثيرة.

التسجيلات الموسيقية الآتية منذ زمن منتصف القرن الماضي وقبله بقليل، تُشير إلى أن الإنتاجات الموسيقية بمعظمها كانت غنائية الطابع. أما تأليفات الموسيقى الآلية للأوركسترا فكانت موجودة في حالات نادرة ومبعثرة في مصر ولبنان

أمّا الجيل الثاني فبرز فيه مؤلفون أكثر نضجاً ومعرفة في التأليف. فكان منهم؛ جمال عبد الرحيم، ورفعت جرانة، وعزيز الشوان، وعطية شرارة، حليم الضبع. هؤلاء عملوا على إيجاد أسلوب يجمع بين التراث المصري والكلاسيكية العالمية. اتجهت مؤلفاتهم نحو التصويرية وسخَّروها كموسيقى للسينما المصرية والمسرح. ومع ذلك، استمر التأليف حالة معزولة جماهيرياً بفعل سيطرة الحالة التقليدية في الغناء والتلحين، وعلى رغم وجود الأوركسترا السيمفونية المصرية.

التجديد المزعوم لعبد الوهاب

وفي مصر الخمسينات، تصدَّر محمد عبد الوهاب التيار الذي دعا إلى التجديد على صعيد تلحين الأغنية عبر استعماله إيقاعات غربية وإدخاله الآلات الغربية إلى التخت العربي الموَسّع. ولم يكن خافياً على أحد صراعه مع أم كلثوم التي تصدت بعناد لهذا التيار وعادت فرضخت بعد حين.

أمّا عبد الوهاب، الموسيقي المُخضرم، فتزعّم تيار “التجديد” بصفته صلة الوصل بين جيلين من المُلحنين والمُطربين، مُتمكناً من قديمِهِ التقليدي ومتحمساً لمد جسور “الحداثة”. بَيْدَ أنّ ثقافته البسيطة في الموسيقى الغربية وعدم إتقانه العزف على البيانو، جعلا من تجديداته في مجال الكتابة لآلات الاوركسترا المُضافة الى التخت الموسيقي العربي، سطحية وتزيينية. وفي توزيعات أعماله الموسيقية للاوركسترا استعان بموَلّفين أجانب تمَّ إغفال ذكر أسمائهم.

لذا قد يكون هذا سبباً وجيهاً للزعم بأن تجربة عبد الوهاب في مقاربة التأليف والتوزيع الموسيقي والتي طبعت أجيالاً متعاقبة بعدهُ، في مصر وبلدان عربية أخرى، أتت على نقص في المعرفة، كما من عقدةٍ مُستحكمة بوعي “المُلحّن” العربي تجاه شخصية “المؤلف” في الموسيقى الغربية.

فهذا النموذج من الوعي الموسيقي النرجسي والدونيّ، هَجسَ على الدوام بكيفية جعل الموسيقى العربية موسيقى عالمية عبر استخدام شكلي ومبالغ فيه للأوركسترا تأليفاً وتوزيعاً وقيادةً.

إرهاصات التجربة اللبنانية

أما بخصوص التجربة اللبنانية في أواسط القرن العشرين، فَميَّزَ انطلاقتها هاجسان، الأول هو التمايز عن اللون المصري في التلحين، أما الهاجس الثاني فتمثل بالحاجة إلى خلق الهوية الثقافية للوطن اللبناني الناشئ.

أمّا عبد الوهاب، الموسيقي المُخضرم، فتزعّم تيار “التجديد” بصفته صلة الوصل بين جيلين من المُلحنين والمُطربين، مُتمكناً من قديمِهِ التقليدي ومتحمساً لمد جسور “الحداثة”.

وبفعل هذين الهاجسين تتلمذ موسيقيون لبنانيون كثيرون، على يد موسيقيين أوروبيين وفي مؤسسات تعليمية أسستها الإرساليات الفرنسية والأميركية، أثناء مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان.

فكان نشوء “عُصبة الخمسة” التي أسسها خمسة موسيقيين لبنانيين هم: عاصي ومنصور الرحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وتوفيق سُكّر، بمثابة مانيفستو إطلاق مشروع موسيقي جديد لهوية ثقافية قيد التجربة.

وقد يصح القول إن ضغط هذين الهاجسين مضافاً إلى ديناميكية التنوع والانفتاح الذي شهده لبنان في ذلك الزمن، أدّيا إلى نتاجات موسيقية مبتكرة وأكثر عمقاً في صناعة الأغنية لحناً وكتابةً أوركستراليةً متواضعة وواعدة. صُهِرَت فيها المادة الخام من الموروث الشعبي الديني والفلولكوري من بلاد الشام وحتى بلاد البلقان في مزيج مبتكر ومتوازن لأساليب التأليف في الغرب. والأهم كان قدرة هؤلاء المولفين الرواد على كتابة التوزيع الموسيقي انطلاقاً من واقع وجود البنية التحتية في الاوركسترا، بحيث خلقوا أطيافاً جديدة من الألوان، عبر آلاتٍ موسيقية محدودة النوع والعدد، ما أعطى العمل شكلاً تأليفياً جديداً بأبعاد درامية.

هذا ما أنجزه الرحابنة في قمة عملهم الموسيقي التأليفي “راجعون” وهو مُغنّاة درامية للاوركسترا والكورال، وسلفادور عرنيطة في تأليفه “بطاقة هوية” كانتاتا درامية للاوكسترا والباريتون، وتوفيق الباشا في مؤلفه للاوركسترا “سيمفونية السلام”، وايضاً توفيق سكر الذي انكب على جمع أغاني الفلوكلور، فأعاد صوغها لأصوات كورالية أربعة، كما كتب مؤلفات لموسيقى الحجرة وللاوكسترا مُستلهَمة من ألحان موسيقية شعبية على الطريقة “البارتوكية”. وزكي ناصيف الذي تحلو للبعض تسميته أب الأغنية اللبنانية ذات الموضوع الفولكلوري. وعبد الغني شعبان الذي قدم دراسة نظرية متضمنة حلولاً تطبيقية لصِيغ هارمونية للمقام العربي، ولكنها ظلّت أسيرة الفرق الكورالية الاكاديمية لصعوبة إدخالها إلى الأذن العربية.

نشوء “عُصبة الخمسة” التي أسسها خمسة موسيقيين لبنانيين هم: عاصي ومنصور الرحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وتوفيق سُكّر، بمثابة مانيفستو إطلاق مشروع موسيقي جديد لهوية ثقافية قيد التجربة.

وفي هذا السياق، لحّن الموسيقي وليد غلمية اغانيه بالتوازي مع هذه التجارب، إلا أنه قرر فجأة الانقطاع عن تلحين الأغاني والتوجه الى تجربة تأليف الموسيقى التصويرية للمسرح. وقد يكون السبب في أنه استنفذ كل ما يريد التعبير عنه في الأغنية، هاجِراً إيّاها ومنصرفاً الى تأليف سيمفونياته الخمس للأوركسترا السيمفونية بعد رجوعه من أميركا مُتخصصاً في التأليف الموسيقي.

لقد تمَّ ابتكار صيغ حديثة للأغنية اللبنانية في ذاك الزمن، من حيث التوازن بين اللحن من جهة والتوزيع الاوركسترالي من جهة أخرى، على يد هؤلاء المؤلفين اللبنانيين الرواد وغيرهم.

واللافت أن حصة التأليف الآلي للاوكسترا كانت وازنة ومتفاعلة مع محيطها المتنوع ثقافياً، ولكن في الوقت ذاته عانى هذا التأليف من شوائب المطولات السردية والخطابة التاريخية، وظل أسير العاطفية الغنائية.

كان من شأن هذه التجارب وغيرها أن تُشكِّل بداية رسوخ اتجاهات جديدة لمستقبل التأليف والتوزيع الموسيقيين، ولكن بدء الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينات أجهض هذا المشروع ودمر أبنيته الفوقية والتحتية.

إشارات مُضيئة من داخل العتمة

ولم تكتفِ الحرب بالتدمير، وهي وظيفتها الأساس، بل أرست الفوضى التي عممتها الوسائل الاعلامية المرئية من خلال برامج تلفزيونية سُطحت فيها الثقافة والموسيقى، وأشهر هذه البرامج وقتذاك “ستديو الفن”، الذي بدوره شوَّه الكثير من المفاهيم في الغناء والتلحين والتوزيع والأخطر أنه نقل المرجعية الفنية من يد المُبدعين في مؤسساتهم إلى سلطة الإعلام.

كانت المفارقة أن بعض هؤلاء الرواد الذين كافحوا في إنبات بذور الموسيقى اللبنانية قبل الحرب، تورطوا أثناء الحرب في الإساءة إليها من خلال مشاركتهم في مثل هذه البرام، وعبر التسليم لها بمعايير تسطيحية لشركات الإعلان والترويج عن السلع.

مع اختتام آخر فصول الحرب اللبنانية، استوى المشهد الموسيقي على فقر مدقع. فإنتاج التأليف الموسيقي في كل اتجاهاته أصبح شبه غائب، أما تلحين الأغنية فأمسى صناعة استهلاكية للنجوم. تراجَعَ مشروع التأليف الموسيقي إلى خلفية المشهد لمصلحة المُغني النجم، تحت شعار أننا شعوب إيقاعية تحب الطرب والفرفشة وتتفاعل مع الخطابة والشعر العاطفي.

ولكن في هذه العتمة صدرت 3 مؤشرات مُضيئة، لا بد من التوقف عندها ولوْ بإيجاز شديد.

جيل المؤلفين الجُدد

الإضاءة الاولى أتت من الموسيقي المخضرم مارسيل خليفة، عازف العود وملحن الكثير من الأغاني، الذي عاصر فترة الرواد الأوائل وهو شاب في بداية مشواره الفني قبيل اندلاع الحرب. وكانت له منذ اشتعالها وأثناءها، الحصة الأكبر من التصدر لنمط جديد في التلحين، سُميَّ الأغنية “السياسية والمُلتزمة”. هذا النوع من الأغاني كان مُحتضَناً من قِبَل اليسار اللبناني الذي عصفت به أزمة فكرية بعد انتهاء الحرب. فقرر خليفة أن الوقت حان للدخول في تجربة تأليف الموسيقى الآلية والابتعاد من تجربة التلحين في الأغنية.

وبصرف النظر عن دوافع انعطافته، أشير إلى أهميتها القصوى نحو التأليف الأوركسترالي، لأن خليفة فنان مكرس ونجم جماهيري منذ سنوات طويلة. إذْ تكمن أهميتها في الطريق الذي سلكته تجربة خليفة من الأغنية وتلحين الكلام، وصولاً الى تجربته في التأليف الموسيقي الآلي، عبْرَ استعمال البناء الاوركسترالي لغةً درامية. تبدو لي هذه الطريق كمسار تطوريّ بين نقطتين جدليَتَيْن هما: العقل والعاطفة.

الإضاءة الثانية أتت من مجموعة جديدة من المؤلفين الموسيقيين المُجددين الذين سافروا أثناء الحرب اللبنانية، حاسمين خياراتهم في دراسة علوم التأليف، مُتخَطين عُقدة الانتماء والهوية الثقافية والجغرافية، ومُزودين بثقافة موسيقية متقدمة عمن سبقوهم. فجاءت نتاجاتهم حُرّة مُعاصِرة وغير مُقيَّدة من أي مساومات فنية. هؤلاء الجيل الثاني من المؤلفين اللبنانيين وكان منهم بشارة الخوري، غبريال يارد، وليد حوراني، زاد مُلتقى، توفيق فروخ، عبدالله المصري، هتاف خوري، ناجي حكيم، وغيرهم كثر.

الإضاءة الثالثة برزت من المعهد الوطني العالي للموسيقى وأثناء رئاسة الراحل وليد غلمية مجلس إدارته. وتمثّلت بحدثين مع فارق زمني وجيز؛ هما تأسيس الاوركسترا السيمفونية الوطنية اللبنانية والاوركسترا الوطنية لموسيقى الشرق عربية.

فمن ِدون هذين التأسيسين لن تكون في لبنان مرتكزات حقيقية لحركة التأليف الموسيقي.

شكّلت الأوركسترا السيمفونية التي اصبحت لاحقاً فيلهارمونية، مُختبراً حقيقياً لمؤلفين ناشئين ليمتحنوا قدراتهم في التأليف والتوزيع الأوركسترالي، ومن دونها لما كان بإمكاننا التعرف إلى تجاربهم، بصرف النظر عن التباينات في الاتجاهات التأليفية لكل منهم، والاختلاف الأكيد في الأنواع والأساليب المُستعملة ومدى عمق تجربة كل واحد منهم وجديتها.

ويشار إلى الدور الإيجابي الذي تلعبه الاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية كمؤسسة ضرورية، ليس فقط في ابراز هؤلاء الأفراد كاحتمال حالة موسيقية مستقبلية في عالم التأليف، بل أيضاً في عملية بناء طويلة الأمد لترسيخ اتجاهات واضحة وأكيدة في التأليف والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي.

بَيْدَ أنَّ الاوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربية، عادت لتستعيد الاشكاليات القديمة على صعيد التأليف والتوزيع والقيادة. فمنذ مراحلها الأولى انبرى غلمية إلى قيادتها والاشراف على وضع برامج حفلاتها الدورية، فكانت ثمة رؤية واضحة لديه بتغليب القطع الموسيقية الآلية، مُعتمداً على مصدرين، الأول من مخزون التراث المشرقي من تأليفات لقوالب اللونغا والسماعي والبشرف وهو قليل ومُتشابه. أمّا المصدر الثاني فافترَض هو، أنه سيتشكّل عبر دعوته الموسيقيين العازفين في الاوركسترا إلى تأليفها كقطع موسيقية. ولكن لأسباب كثيرة لم يطابق حساب حقله مع بيدره. فالإشكالية هنا كانت وما زالت تتعلق بكيفية كتابة تأليف موسيقي، وليس تلحين جمل موسيقية، وبكيفية صوغ توزيع موسيقي مبتكر ومتوازن، لتبرير اسباب استعمال الاوركسترا الكبيرة مع وظيفة قائدها. فَمِنَ العَبَث كان تحقيق هذين الشرطين من دون المعرفة النظرية والعلمية في أصول التأليف والتوزيع الاوركسترالي، والقيادة لمثل هكذا أوركسترا. إنه المأزق الفعلي الذي لم يتصدَّ له غُلمية قبل رحيله.

وإذا كانت ادارة هذه الاوركسترا في مرحلة ما بعد غلمية، عدّلت في طبيعة البرمجة لمصلحة تقديم الأغاني على أنواعها، فاستقطبت جمهوراً أكبر من المستمعين، إلا أن هذا لم يقدم أي حلول ومنطلقات صحيحة لمعالجة هذه المشكلة ولتطوير التأليف اللبناني، لا سيما أن برامج الحفلات وُضِعت بمعظمها في أُطُرٍ نافرة من التكريمات والتحايا للمغنين والمغنيات والملحنين. وخلالها قُدِّمت توزيعات موسيقية سطحية غير متوزانة ومبالغ فيها إلى حدود الإساءة الى مؤلفيها في نُسَخِهم الأصلية تدويناً ام تسجيلاً. فماذا يعني أن تُعيد توزيع موسيقى لأحد رواد الأغنية اللبنانية كزكي ناصيف مثلاً، وهو الذي اجتهد كثيراً لابتكار صيغة فُضلى في توزيع ألحانه؟ لا أحسبه والحال هذه، سيكون مسروراً لو قُدِّر له ان يستمع إلى أغانيه بهذا الشكل!

الدور الإيجابي الذي تلعبه الاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية كمؤسسة ضرورية، ليس فقط في ابراز هؤلاء الأفراد كاحتمال حالة موسيقية مستقبلية في عالم التأليف، بل أيضاً في عملية بناء طويلة الأمد لترسيخ اتجاهات واضحة وأكيدة في التأليف والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي.

قد يكون من الأجدى لإدارة هذه الاوركسترا لتقوم بدورها الرائد تجاه الموسيقى بالدرجة الاولى، ولتستعيد صلتها الحيوية بالجمهور، أن تُعيد اولاً هيكلة نفسها فتُنشئ فرقتين من العازفين: الاولى صغيرة العدد ولا يتجاوز عدد أعضائها التخت العربي أو كثر بقليل، متخصصة بتقديم التراث التقليدي القديم بشقيّهِ الغنائي والموسيقي، محافظين فيه على تقاليد الأداء في ذاك الزمن وخصوصياته، كما يحصل مثلاً في أوروبا مع فِرق موسيقية متخصصة فقط في تقديم موسيقى الباروك. أمّا الفرقة الثانية فيُشكِّل أعضاؤها الفرقة العربية الموسعة مع إيلاء أهمية قصوى لتوازنها من حيث عدد عازفيها وتنوع آلاتها، وصوغ توزيعات حقيقية، لما سيكون له الأثر الحاسم في تطوير الكتابة التأليفية المعاصرة لها، غناءً أم عبر موسيقى آلية.

خيار الانسلاخ أم التقوقع

ليس من السهولة بمكان أن أضع خاتمة لمقالي هذا، لأنها تطرح أسئلة كثيرة فيه، وأبحاثاً مُطَوّلة. ولكن لتلافي الاستفاضة أكثر، أختم بالإشارة إلى أنَّ وَصْلَ ما انقطع بين خطابي العقل والعاطفة في الموسيقى العربية، لا يتحقق إلّا من طريق المعرفة العِلْميّة. وإذا كان في الانسلاخ والولادة صعوبة وألم كبيران، ففي التقوقع والانعزال موت واندثار حتميان.

“العمل للأمل” وإغاثة اللّاجئين بالموسيقى والفن

إقرأ أيضاً