fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

المواجهات العسكرية في عدن: أسرار الخلافات وخفاياها

ماذا يحصل في عدن؟ ليست الإجابة سهلة، فهنا يختلط السياسي بالمناطقي، والراهن بالتاريخي، والمحلي بالإقليمي.

من وجهة النظر الحكومية الرسمية، يتم تقديم الصراع على أنه بين “الشرعية” و”الانفصاليين” كما وصفته البيانات الإعلامية الصادرة من حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي. وقد يكون في هذا شيء من الحقيقة، لكنه لا يكفي لتكوين صورة واضحة عن الحقيقة. صحيح أن قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” تطالب بعودة الحدود إلى ما قبل 1990 واستعادة الدولة السابقة، وهو خطاب مدعوم بمزاج شعبي يرى في الانفصال حلاً سريعاً في ظل استحالة الوحدة بعد سقوط صنعاء في يد الميليشيات الحوثية في 2014، إلا أن ألوية الحماية الرئاسية والمعسكرات الموالية لهادي، بدورها لا تحمل وداً كبيراً للوحدة، ولا تختلف في خطابها السياسي المضمر عن خطاب دعاة الانفصال. فجنود المجلس كلهم من الجنوب وانتشارهم محصور في المحافظات الجنوبية وفكرهم السياسي، يتركّز على القضية الجنوبية وحلولها.

مقاتلون تابعون للمجلس الجنوبي

تتكون قوات “الشرعية” وبخاصة ألوية الحماية الرئاسية من محافظة واحدة تقريباً هي محافظة أبين (مسقط رأس هادي)، وليس فيها مجند واحد من أي محافطة من محافظات الشمال الـ14. والذي يرأس هذه الألوية هو العميد ناصر هادي، نجل الرئيس الذي لا يحمل أي تاريخ عسكري أو خبرة عسكرية. كما أن توريث هذا المنصب المهم يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى الأحداث التي حصلت في اليمن منذ 2011، والتي كانت تصب كلها في رفض التوريث السياسي من قبل النظام السابق.

ظل الجيش اليمني عصياً على التوحيد ومنقسماً بين الشمال والجنوب ولم تنجح محاولات التطعيم والخلط في معالجة مشكلة وجود جيشين شبه مستقلين. وحتى عندما بدأت عملية تكوين “الجيش الوطني” بعد الحرب في 2015، ظل الانقسام الشمالي الجنوبي حاصلاً، وأضيفت إليه تقسيمات مذهبية ومناطقية بحيث أن معظم التشكيلات المنضوية اسمياً حتى الجيش الوطني، ليست أكثر من تشكيلات ميليشياوية لأطراف الصراع (حزب الإصلاح، هادي، حراك جنوبي، إضافة إلى السلفيين).

مواجهات عدن كانت جزءاً من الصراع الجنوبي- الجنوبي الطويل حول السلطة. والعامل الأخطر في الصراع الحالي على الجنوب هو أنه يحصل ضمن خطوط التقسيم القبلي ذاتها، التي قادت مذبحة 1986 الشهيرة والتي شكلت نقطة التدهور الرئيسية للحزب الاشتراكي اليمني وللجيش اليمني في الجنوب.

على رغم الشعارات الماركسية التي رفعها “الرفاق” المتناحرون عندما حدثت معارك كانون الثاني/ يناير 1986 بين جناحي الرئيس آنذاك “علي ناصر محمد” والجناح المنافس “علي عنتر” ورفاقه، كانت الخطوط القبلية للصراع مرسومة بالخط العريض ضمن المواجهة التاريخية المستمرة بين محوري قبائل “أبين-شبوه”، والمحور القبلي المنافس “الضالع-لحج”. على مستوى الخطاب السياسي الشعبي، عرف الصراع بين المحورين بصراع “الزمرة والطغمة”، أي الزمرة أبين ومعها حلفاؤها ويقصد بالطغمة الضالع-لحج وحلفاؤها.

 

من السابق لأوانه الحديث عن خلاف سعودي – إماراتي حول إدارة الحرب في جنوب اليمن. فمن الواضح أن الأجندة السعودية – الإماراتية ما زالت متناغمة، وإذا كان هناك من خلاف، فهو فقط خلاف حول فرضية الانسحاب من اليمن

 

شكل المحوران القبليان “مركزاً مقدساً”، احتكر السلطة والعسكرية في الجنوب منذ رحيل الاستعمار البريطاني مع سيطرة واضحة لمحور أبين التي قدمت 3 رؤساء (سالمين، علي ناصر، هادي). لكن بعد 1986 تغيرت مراكز القوى وخسر محور “الزمرة”، واضطر جنوده للفرار مع عائلاتهم وأسلحتهم إلى صنعاء ليعيشوا بصمت حتى تسنت لهم فرصة العودة إلى الجنوب مرة أخرى من خلال حرب 1994.

لم تكن حرب 1994 مواجهة شمالية- جنوبية خالصة إذ كان محور (أبين-شبوه) يقاتل في مقدمة الصفوف ويفتح الأبواب المغلقة التي مكنت الرئيس السابق صالح من حسم الحرب في أقل من 3 شهور. لكن ما حدث بعد ذلك أن النخبة السياسية المدعومة من الرئيس صالح همشت المركزين المقدسين في الجنوب، لمصلحة نخبة جديدة مسيطرة، أغلبها من الشمال وجزء قليل من الجنوب سيطرت على الأرض والثروة، حتى تفكك النظام السياسي في 2011 و2012، بعدما أصبح هادي رئيساً توافقياً لليمن الموحد، مدشناً عودة قوية لمحور أبين-شبوه على أرض الجنوب.

لهذا لم يساهم صعود هادي إلى سدة الرئاسة في حل المشكلة الجنوبية بقدر ما أشعل مرة أخرى مشاعر ومخاوف من الصراع الجنوبي- الجنوبي. وتبدو ورقة الدعم الدولي لشرعية هادي آخر العوائق التي تمنع المجلس الانتقالي من إعلان الانفصال.

أكدت معظم بيانات “المجلس الانتقالي الجنوبي” حول الأحداث الأخيرة أن ما يحصل هو حرب ضد “حزب الإصلاح” (الإخوان) الذي يسعى إلى إشعال الفتنة. لكن “الإصلاح” لا يملك قوات عسكرية في الجنوب تمكنه من إشعال هذه الفتنة، بقدر ما يملك نفوذاً سياسياً وايديولوجياً، عبر خطباء المساجد والدعاة والقواعد الحزبية المنظمة. يرى “الانتقالي الجنوبي” في نفوذ “الإصلاح” جنوباً خطراً على مشروعه السياسي، وقد بدأت المعركة عبر سلسلة من الاغتيالات المنظمة لخطباء الإصلاح، اتهم بالتخطيط لها هاني بن بريك زعيم الجناح السلفي في القوات الجنوبية. 

صحيح أن الإخوان والسلفيين شكلوا معاً جبهة قوية لقتال الحوثيين في عدن ولحج وفي تعز، لكنهم أيضاً يتصارعون في ما بينهم ووصلوا الى مرحلة كسر العظم كما فعل الإصلاحيون في محافظة تعز، عندما نجحوا في ترحيل قوات القائد السلفي ابو العباس، وكما يفعل السلفيون في عدن ليردوا الصاع صاعين بتجريف الساحة من رموز “حزب الإصلاح”.

هناك أبعاد كثيرة ومتشعبة ومتداخلة في ما يحدث في عدن، أحد هذه الأبعاد هو البعد الخارجي. من السابق لأوانه الحديث عن خلاف سعودي – إماراتي حول إدارة الحرب في جنوب اليمن. فمن الواضح أن الأجندة السعودية – الإماراتية ما زالت متناغمة، وإذا كان هناك من خلاف، فهو فقط خلاف حول فرضية الانسحاب من اليمن، في حال فشل الحرب في استعادة الدولة، هذا الانسحاب الذي يبدو خطراً وجودياً على السعودية، التي لا تتحمل وجود قوة عسكرية معادية على حدودها الجنوبية، صارت قادرة على قصف مطاراتها ومنشآتها.

من المستبعد أيضاً اعتبار أن تمكن قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” من حسم المواجهات سيكون نهاية الصراع. الصراع سيستمر سنوات في ظل كل هذه التداخلات السياسية والمناطقية والمذهبية والاقليمية. 

لن يعلن الجنوبيون الانفصال في المدى القريب، لأن المزاج الدولي والمصالح الدولية سترفض أي مغامرة من هذا النوع في الوقت الحالي، لكن الانفصال موجود بقوة الأمر الواقع تحت يد سلطة أمر واقع جديدة، ستكون مهمتها المقبلة إحكام السيطرة على الأراضي الجنوبية، التي لم تدخل تحت سلطتها بعد، وبخاصة في محافظات حضرموت والمهرة وشبوه. 

متى ستحسم المعركة في عدن؟ ولمصلحة من؟ لا أجوبة واضحة، فما يحدث هنا يعيد ترتيب الأوراق هناك، حتى ظهور معادلة جديدة خارج إطار الحرب المزمنة.

عن مظلومية واحدة لليمنيين

إقرأ أيضاً