fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - عليا إبراهيم - باز علي بكاري

حازم الأمين - عليا إبراهيم - باز علي بكاري

مقالات الكاتب

المصنع(2): ابن الأيزيدية مسلمٌ بالإكراه ووالده المُغتصِب ليس كافراً

ثمة أكثر من 40 طفلاً محررين، مع أمهاتهم الأيزيديات، ممن سباهن عناصر “داعش” واغتصبوهن، فأنجبن منهن، واليوم تحررت الأمهات والأطفال ووصلوا إلى العراق آتين من سوريا، إلا أن السلطات الدينية السنية في بغداد تُصر على تسجيل الأطفال كمسلمين، لأن آباءهم المُغتَصِبين مسلمون. علماً أن معظم آبائهم قتلوا أو تواروا بعد هزيمة التنظيم في الباغوز. وفي مقابل ذلك، ترفض عشائر الأمهات المحررات بقاء الأطفال “المسلمين” مع أمهاتهم الأيزيديات، ويشترطون على الأمهات لكي يقبلوا بعودتهن إلى سنجار ترك أبنائهن. وإذا كانت التسوية التي اقترحتها مؤسسات إنسانية هي أن يسجل الأطفال في سجلات أمهاتهم كأيزديين طالما أن الأب مجرد مغتصبٍ ومجهول أصلاً، فإن دوائر الإفتاء السني في العراق ترفض ذلك طالما أن الأب مسلم وإن كان مغتصِباً، وهذا المغتصب “غير كافر”، على رغم أنه مجرم بحسب هذه الدوائر.

لعل ما يحصل مع أمهات الـ40 طفلاً هو ذروة الظلم الذي تعرضت له الأيزيديات العراقيات ممن سباهن التنظيم، ويبدو أن المشكلة أكبر من هذا الرقم، فهناك مئات الأيزيديات وهنّ أمهات لأطفال من آباء مغتصبين، لم يعدن بعد، وهنّ مترددات في العودة على رغم تحريرهن من “داعش”، ذاك أن مصير أبنائهن غير مضمونٍ بعد، في ظل ما تعانيه اللواتي وصلن إلى العراق. وقال الرئيس العراقي برهم صالح لـ”درج” إن موضوع هؤلاء الأيزيديات يمثل منتهى الظلم وهو مأساة بكل معنى الكلمة، لكن ليس هناك أي حلول في الأفق. ويكشف كلام صالح صعوبة مقاومة قرار الإفتاء السني لجهة اعتبار الأطفال مسلمين لا أيزيديين، ذاك أن الرجل هو رأس الدولة ورمزها، لكنه هنا ممثل عجزها عن اجتراح حل لهذه المأساة في ظل قوة الدين وسطوته.

وإذا كانت قصة أطفال الأيزيديات من آباء مغتصبين هي ذروة مأساة ظاهرة السبي التي رافقت صعود التنظيم، إلا أن المأساة لا تقتصر عليها. ويقول حسو هورمي وهو ناشط أيزيدي نشر كتاباً عنوانه: “داعش وتجنيد الأطفال الأيزيديين”، إن هناك 3086 أيزيدياً ما زال مصيرهم مجهولاً معظمهم من الأطفال، علماً أن التنظيم اختطف بعد احتلاله سنجار نحو 6500 أيزيدي وأيزيدية.

وكما يخيّم التكتم على الكثير من الوقائع المأساوية التي رافقت صعود التنظيم الإرهابي وتدفقه إلى المدن في العراق وسوريا، يسيطر تكتم موازٍ على وقائع تشهدها البيئة الأيزيدية، ذاك أن أعمال الاغتصاب والسبي أفضت إلى واقع دام لأربع سنوات، كثيرات من الأيزيديات تشربن خلالها أفكار التنظيم، وبعضهن سبين مع أولادهن الذين صاروا فتية وانخرطوا بأشبال الخلافة وهم اليوم مقاتلون في التنظيم. وترفض نساء العودة إلى أهلهن “الكفار”، ويواجهن من يحاول إقناعهن باتهامات الردة والكفر. ويشير مسؤول أمني عراقي إلى معضلة أخرى تتمثل في اعتبار بعضهن مرتدات لأنهن أشهرن إسلامهن بعد اختطافهن، والإسلام يعتبر العائد عن إسلامه مرتداً يجب قتله. والقانون في العراق يعترف بذلك أيضاً، وهذا ما طرح تحدياً تصعب مواجهته، نظراً إلى قوة الهيئات الدينية ونفوذها الواسع في ظل الانقسام المذهبي الحاد الذي يسود في هذا البلد.

لا يبدو أن ثمة خبرات تمكن الاستفادة منها للتعامل مع هذه الظاهرة، ذاك أن السبي مع ما رافقه من إجبار نساء على تغيير أديانهن، وخلع أزواجهن ثم السعي إلى إنتاج ذاكرة أطفال معادية ورافضة لأهلهم ولبيئتهم الاجتماعية، ظاهرة لم يسبق أن شهدتها النزاعات في التاريخ الحديث.

توضح هناء ادوارد من “مؤسسة الأمل” أن عدداً من الأطفال الأيزيديين الذين خرجوا من الباغوز رفضوا أهاليهم وكانوا معبأين ضدهم. هؤلاء صاروا أحداثاً بعدما كانوا أطفالاً حين سبى “داعش” أمهاتهم. وأشار مكتب شؤون الأيزيديين في حكومة كردستان إلى أن التنظيم قام بتدريب نحو 1200 طفل أيزيدي تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة، وتم إنقاذ 875 طفلاً و960 طفلة حتى الآن، وأن هناك حوالى 200 طفل أيزيدي ماتوا إما قتلاً أو جوعاً خلال المأساة التي عصفت في جبل سنجار. كما أفرزت “الغزوة” نحو 2745 طفلاً يتيماً.

وفي حالات عدة بدأ أهل الأب، الذي سبى واغتصب ثم قُتِل أثناء حروب التنظيم الكثيرة، يطالبون بحفيدهم. وأشار ناشط أيزيدي لـ”درج” إلى أن ثمة طفلاً نجح أهل والده بأخذه إلى السعودية، وهناك ثلاثة أطفالٍ تنظر محكمة تركية ببنوتهم بعد دعوى رفعها أهل والدهم التركي، واليوم تُجري لهم المحكمة التركية فحوص الـ”دي ان أي” للتثبت من دعاوى عائلة والدهم والنظر بمنحهم الحق بحضانة الأطفال. وهذه الوقائع تحصل في ظل تخلي الكثير من أهالي الأيزيديات عن دعم النساء في استعادة أبنائهن.

نزح فيصل رفو إلى مدينة دهوك في إقليم كردستان، وما زال مقيماً فيها على رغم هزيمة “داعش”. اختطف التنظيم في غزوه سنجار نحو 100 من عائلته بين امرأة وطفل ورجل، وعاد منهم حتى الآن حوالى 40، 10 منهم أطفال تم تحريرهم بعد معركة الباغوز. يقول فيصل لـ”درج”: “التنظيم فصل الأطفال عن أمهاتهم ولقنهم تعاليم الدين الإسلامي، ومن هم فوق الـ12 سنة جندهم مقاتلين… ووصلتنا معلومات عن أن اثنين من أطفالنا قتلا أثناء معارك الباغوز، بعدما زج بهما التنظيم في القتال وغسل دماغيهما. الأطفال العائدون يتحدثون معنا باللغة العربية وتم تصويرنا لهم بصفتنا كفاراً ويجب قتلنا”. وأضاف: “استطعنا أن نعيد عدداً من أطفالنا من تركيا، لكن بقي هناك ثلاثة منهم لم ننجح بإعادتهم، على رغم أننا أجرينا فحوص الـ “دي ان أي”. هؤلاء أطفالنا وتم التأكد من ذلك، وهم اليوم لدى عائلات كانت السبب في مصيبتنا، لكن لا أحد يحاسبها”.

لدى الناشطين الأيزيديين معلومات عن أطفال أيزيديين تم تهريبهم مع عائلات التنظيم إلى عدد من الدول. عائلات سعودية وتركية وعراقية اصطحبت معها أطفالاً أيزيديين إلى دولها بعد هزيمة التنظيم. الأطفال المفقودون يصل عددهم إلى حوالى 800 طفل من المرجح أنهم يعيشون لدى عائلات عربية في المخيمات أو في الدول التي عادوا إليها. ويقول ميسر الأداني، وهو الناطق باسم مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين: “ننسق مع جهات عدة، لاستعادة من تبقى من المخطوفين. لكننا نواجه صعوبة بسبب تبعثر المخطوفين في مناطق عدة برفقة عائلات الدواعش. هناك عائلات تنكر أن هؤلاء الأطفال أيزيديون، ولهذا على الحكومة العراقية أن تباشر برنامج فحوص الـ”دي أن أي” لهم”.

شكاوى عائلات الأطفال المحررين تتركز على أوضاعهم النفسية وصعوبات دمجهم مجدداً في بيئتهم الأيزيدية. يقول ماهر حسن الذي حُرر راهناً ابنه بيوان البالغ من العمر عشر سنوات: “في المرحلة الأولى من تحريره كان بيوان يتحدث كما لو أنه عنصر في التنظيم. اعتبرنا كفاراً ونسي لغته الأصلية وكان يتحدث العربية”.

لكن الملاحظ أيضاً أن قصة الطفل المولود من أم أيزيدية مُغتصبة ومسبية وأب غير أيزيدي مغتصِب، غائبة عما يسردها الأيزيديون عن وقائع الإبادة التي تعرضوا لها. الناشطون والسياسيون والعائلات يمارسون صمتاً حول هذا الجانب من المأساة، وهذا يؤشر إلى حجم المعاناة التي تعيشها الأمهات. ذاك أن هؤلاء الأطفال خارج وعي الأيزيديين بمأساتهم، وخارج المطالبات بإنصافهم. والأرجح أن ثمة تواطؤاً مدفوعاً برغبة “المغتصَب” بالتكتم على ما أصابه. وهنا تترك الأمهات وحيدات في مواجهة المصير المجهول لأطفالهن في ظل استعصاء قانوني واجتماعي لا مخرج منه حتى الآن.

ويكشف بيانا المجلس الروحاني الأيزدي الأعلى حال الاختناق الاجتماعي الذي يسود في تلك البيئة حيال ظاهرة أطفال الأمهات الأيزديات المغتصبات من عناصر “داعش”، ففي بيانه الأول الذي صدر في 24 نيسان (ابريل)  أبدى المجلس درجة عالية من التسامح ورغبة بقبول الأطفال، وقال ما حرفيته: ” أصدر المجلس قراراً بقبول جميع الناجين واعتبار ما تعرضوا له خارج عن إرادتهم”. لكن البيان أثار حفيظة عشائر أيزدية، وتعرض المجلس لضغوط أجبرته في اليوم الثاني على اصدار بيانٍ توضيحي جاء فيه: ” نوضح للرأي العام الأيزدي بأن ما جاء في البيان الذي أصدرناه بتاريخ 24-4-2019 لم يكن يعني بتاتاً الأطفال الذين ولدوا نتيجة الاغتصاب، بل المعنيين هم الأطفال المولودون من أبوين أيزديين والذين تم اختطافهم ابان غزو داعش…”.

ويبدو أن عائلات كثيرة فضلت التكتم على مآسيها والمغادرة إلى الغرب عبر فرص اللجوء التي وفرتها الكثير من الدول الغربية لأبناء هذه الأقلية. هذه المغادرة تشكل مخرجاً للجميع، لا سيما وأنها تُبعد الأمهات عن غضب عشائر الأب المغتصب ورفض البيئة الأيزدية. لكن هناء ادرارد تقول أن مغادرة العراق غير متاحة للواتي لم يجدن مخرجاً لتسجيل أبناءهن واستخراج وثائق سفر لهن. هذا الأمر يتطلب تأمينه قبول العائلة بالتحايل على القانون وتسجيل المولود باسم أب أيزدي.

وزائر مخيمات الأيزديين النازحين من جبل سنجار سيلاحظ قدراً من القبول العائلي بهذه الحالات، لكن يبدو أن مخاوف هذه الأقلية من جددت مخاوفها من نقمة العشائر العربية اذا ما أقدمت على تسجيل هؤلاء الأطفال على دين أمهاتهن، لا سيما وأن لا فتوى حتى الآن من أي مرجع إسلامي في كل العالم تعتبر أن “داعش” تنظيماً كافراً.      

لكن قصص مأساة إبادة الأيزيديين وسبي نسائهم وأطفالهم لا تقتصر على هذه الوقائع، ذاك أن عشائر عربية تعيش في جبلهم (سنجار) شاركت على نحو واسع في هذه الانتهاكات، وهذا ما أسس لشعور هائل بعدم الأمان، ناهيك عن النزعات الانتقامية التي ضاعفها عدم وجود خطة واضحة لتحديد المسؤوليات الجماعية والفردية عما حصل لهذه الأقلية. حتى اليوم وعلى رغم مرور نحو ثلاث سنوات على تحرير سنجار من “داعش” لم يعد إلى جبل سنجار السكان الأيزيديون بغالبيتهم، في وقت هاجر عشرات الآلاف منهم إلى دول غربية فتحت لهم أبواب اللجوء. واليوم ثمة من يرى أن استيعاب الأطفال الذين أنجبتهم الأمهات الأيزيديات المغتصبات في دولة “داعش” لن يتم إلا في دول تتفهم قبولهم “دين أمهاتهم”. لكن هناء ادوارد تذكر أن مغادرة هؤلاء غير متاحة اليوم، طالما أنهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية، ولا تعترف بهم الدولة العراقية بصفتهم عراقيين، على رغم أن القانون العراقي يسمح للأم بأن تعطي الجنسية لأبنائها، إلا أن الإسلام يفرض عليهم دين والدهم حتى لو كان مغتصِباً.

 

المصنع 1: “داعش” يتمدد بين مخيمات العزل ونقمة العشائر

إقرأ أيضاً