fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين- عليا ابراهيم

حازم الأمين- عليا ابراهيم

مقالات الكاتب

المصنع 5: قصة “داعش” المتنازع بين عراقيته وسعوديته

يروي عمر الشاهر، وهو صحافي من مدينة الرمادي في غرب العراق، وخريج دراسات إسلامية، وعمل مؤذناً ومجوداً في أحد مساجد المدينة، كيف أن “داعش” قتل النغم في الأذان العراقي. يقول: “الأذان في الأنبار متعدد الأنغام، وتدخل فيه مقامات الصبا والرست والحجاز وغيرها من المقامات. هذه الأنغام تؤدى في الأذان. عندما دخل التنظيم اعتبر التنويع النغمي في الأذان نوعاً من الغناء، فمنع ذلك لمصلحة النموذج السعودي الذي يؤدى بنغمٍ واحد”.

وأضاف: “القرآن كله يُقرأ بنغم واحد في السعودية، وهذا ما تم فرضه. ومن يخالف، يُحكم عليه بالتعزير، أي الجلد”. ويشرح: “الأذان العراقي الذي نشأ في المدن السنية، ورعته التكايا متأثرة بالمقامات التركية والفارسية والحلبية، فيه تمازج نغمي قد يصل إلى نحو العشرين مقاماً في الأذان الواحد. هذا الثراء لم يعد موجوداً بعد هيمنة بيئة النغم الواحد الصحراوية. فوفق هذا النموذج يؤدى الأذان بنسقٍ واحد لمدة ثلاثين دقيقة، غالباً ما يكون مقام الحجاز”.   

بموازاة الغزو الأميركي للعراق، كان ثمة غزو أقل ضجيجاً يحصل، يتمثل بتسربٍ للسلفية، مصدره الأساسي السعودية. في سجن بوكا في البصرة تم تخصيب عنف البعث ودموية ضباط في الجيش العراقي بأفكار السلفية القتالية. هناك تماماً ولد “داعش”. سجن بوكا كان موقع النطفة الأولى. كل قادة التنظيم من شيوخ وضباط كانوا نزلاء هذا السجن. نظموا حلقات “تثقيفية” وأخرى تنظيمية بانتظار الإفراج عنهم. التقى ضباط سابقون متوسطو الرتب العسكرية من أمثال حجي بكر وشيوخ السلفية القتالية من أمثال البحريني تركي بن علي والسعودي أبو بكر القحطاني. وهناك تم طبخ التنظيم وتولية أبي بكر البغدادي أميراً له، والأخير كان نزيل السجن نفسه وفي مرتبة وسطى بينهما، فتجمعه مع الضباط عراقيته ومع الشيوخ سلفيته، ويضاف إلى ذلك، نسبه الذي يدعيه والذي يرشحه لأن يكون “الخليفة”.

الحديث مع قادة في “داعش” التقاهم “درج” في مناطق الاحتجاز في العراق، يُشعرك بأن مياهاً كثيرة كانت تجري بعيداً من الرصد الحقيقي للبيئة التي نشأ فيها التنظيم في المدن والأرياف العراقية. إسماعيل علوان العيثاوي، وهو كان مسؤول ديوان التعليم في “دولة الخلافة”، وقبل ذلك أستاذ مادة الفقه في جامعة بغداد، كان ممن التقيناهم في مركز احتجازه بانتظار تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر بحقه. يشدد إسماعيل وهو العارف بأحوال أهل العراق، على أن “الاتجاه الديني العام في العراق قبل عام 2003، كان الاتجاه الصوفي، ولم تكن هناك تيارات فكرية واضحة. وفجأة بعد عام 2003، ظهر التيار السلفي الجهادي. سجن بوكا كان أهم مصدر لهذا الفكر. هناك التقى أبو بكر البغدادي، السعودي تركي بن علي والبحريني أبا بكر القحطاني، وهما أكثر من أثر به. فمواد العقيدة في مناهج التعليم التي كنا نعدها أسندت كتابتها إليهما، وفكرهما هو الذي طغى وكانا يعتبران لسان حال البغدادي”. ويضيف: “في موضوع مناهج التعليم، لا سيما في موضوع العقيدة، وهو من تولى تركي بن علي أمر كتابته، لاحظت أن المنهج استل من كتب كانت تدرس في السعودية، كما هو مع بعض التغييرات، ألحقت به بما يناسب الوضع الجديد. ولكي أكون دقيقاً لم أتابع كل المواد، ولكن ما اطلعت عليه منها كانت مناهج رسمية سعودية”.

لكن ليس سجن بوكا وحده في العراق من تولى مهمة صهر الخبرات، فسجن أبي غريب كان “أكاديمية إرهاب أخرى” وعملية الفرار الكبير والمتزامن من سجني أبي غريب والتاجي، توحي بأن السجون العراقية بين العامين 2003 و2013 مكان نموذجي لبناء التنظيم. وإسماعيل العيثاوي نفسه كان في سجن آخر هو سجن المطار أو ما يطلق عليه سجن بروكر، ويقول إنه تعرف في هذا السجن إلى رجل يدعى أبا تراب من منطقة الأنبار. وفي حين يقول مسؤول أمني عراقي إن العيثاوي بايع تنظيم القاعدة في زمن الزرقاوي، يقول إسماعيل إنه دخل السجن ظلماً وخرج منه لأنه بريء، وعندما خرج حاول أن يعود إلى التدريس ففشل، وقرر الخروج من العراق. كان أبو تراب قد زوده برقم هاتفه، فاتصل به وتواعدا في الصحراء. ويؤكد إسماعيل أنه لا يعرف شيئاً عن المنطقة التي أخذه إليها أبو تراب وانتقل منها إلى سوريا، إلى منطقة تسمى الدواجن، وبعدها إلى مدينة الرقة.

اليوم عادت السجون العراقية لتمتلئ بعناصر التنظيم، والسلطات العراقية حاولت وتحاول تفادي تحول هذه السجون إلى مكان يعيد تجميع قادة وعناصر التنظيم، عبر وسيلتين أثارتا وتثيران الكثير من التساؤلات حول جدواهما. فخلال المعارك مع التنظيم كانت التوجيهات تعطى للوحدات المقاتلة بتفادي الأسر، وهو ما قد يصل إلى مستوى الإعدامات الميدانية في عرف مؤسسات حقوق الانسان. هذا الأمر أدى إلى مقتل نحو 23 ألف مقاتل لـ”داعش”، في هذه المعارك، بحسب المصادر الرسمية العراقية. أما الوسيلة الثانية التي تواجه فيها السلطات العراقية احتمال أن تشهد سجونها إعادة بناء التنظيم، فهو قانون مكافحة الإرهاب الذي يعتبر أن أي شخص يثبت انتماؤه للتنظيم يستحق الإعدام. وإلى اليوم، تقول السلطات العراقية أنها نفذت نحو 700 حكم بالإعدام بحق عناصر وقادة من “داعش”. ويقول مصدر أمني عراقي إن الموقوفين قيد التحقيق ويبلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف، وهناك 5 آلاف مشتبه بهم ونحو 19 ألف مطلوب.

الحلول المقترحة اليوم للتعامل مع البيئة العراقية التي نشأ فيها التنظيم وأقدم فيها على عمليات تجنيد واسعة، يتم التفكير بعزلها اجتماعياً وجغرافياً. إنها النواة الأولى التي تشكل فيها التنظيم والتي تصل تقديرات أعداد أفرادها نحو 218 ألف عراقي معظمهم من الأطفال والنساء. العزل الاجتماعي يعني فصل هذه العائلات عن بيئاتها العشائرية، والعزل الجغرافي يعني إنشاء مخيمات في الصحراء لهم. ومن الواضح أن ذلك يشكل وصفة نموذجية لمساعدة التنظيم على استئناف نشاطه في هذه البيئة، وبدأت مؤشرات كثيرة تلوح على هذا الصعيد.

“داعش” في أحد تعريفاته هو تنظيم الصحراء بلا منازع. كل روايات من التقيناهم من قادة التنظيم ومن عناصره تمر عبر الصحراء، وتستأنس بأخلاقها. والصحراء الغربية والشمالية المترامية والتي تبلغ مساحتها نحو نصف العراق، قليلة السكان باستثناء مدن يفصل بينها مئات الكيلومترات. وفي هذه المساحات الرملية الغامضة الشديدة الحر في الصيف والبرد في الشتاء، تقاطعت معظم الحكايات. في السنوات والعقود التي تم خلالها تطويع المزاج الصحراوي الذي أشار إليه عمر الشاهر عبر استدخال التصوف وتسرب بعض التمدين إلى الحواضر والمدن، جاء “داعش” ودفعه إلى الوراء. قد تكون الموصل أكثر من قاوم على هذا الصعيد، إلا أن الشاهر يشير إلى أن مقاومة التصوف وما يسميه كثيرون هنا في بغداد “تدين العوام”، لطالما شهد مقاومة من قبل المؤسسة الدينية الرسمية وهي أشعرية. ما يعني أن قيم التنظيم سبقته بعقود، وهو إذ جاء وفرضها بقوة السيف، كانت المؤسسة الدينية الرسمية تحاول مقاومتها في أمزجة المؤمنين قبل “داعش” بسنوات وبعقود.


يمكن أن يرسم المرء خريطة متخيلة لكيفية ولادة التنظيم (عراقياً) ولتدفقه على المدن والقصبات. السجون حيث حصل تلاقح بين مشايخ السلفية الجهادية وضباط الجيش، ثم الصحراء وعشائرها، والحدود والقوام الاجتماعي والنفسي الذي تشكل على طرفيها. وكان العامل الحاسم في الولادة هو الأزمة السياسية والمذهبية الحادة التي رافقت ولادة التنظيم. معظم هذه العناصر متوافرة اليوم، تضاف إليها ظاهرة المخيمات الهائلة التي تحيط بالمدن المدمرة، ومئآت وربما آلاف الفتية الذين تمت تنشئتهم في معسكرات “أشبال الخلافة”، وهم اليوم من بين سكان هذه المخيمات. أما الشرط السياسي، فلم تنضج ظروفه بعد، على رغم الضغوط الهائلة الذي تتعرض لها بيئة الجماعة السنية في العراق.

لم تكن مهمة بعث قيم التدين الجديد صعبة في بيئة البعث الصحراوي والعشائري على جهتي الحدود العراقية السورية. صدام حسين كان استبق ذلك قبل سقوطه عبر ما سمي “الحملة الايمانية”، والتي نفذت في ظلها عملية “أسلمة البعث”، وهذه الجماعات لم يكن قد رسخ أي نموذج في ممارساتها الاجتماعية والدينية باستثناء العلاقات العشائرية، ودولتي البعث في العراق وفي سوريا.

ثم نتحدث عن عشر سنوات مؤسسة، هي التي فصلت بين سقوط النظام في العراق عام 2003، والموعد الرسمي لولادة “داعش” أو لبداية انقضاضه على المناطق في العراق. وهذه الفترة الزمنية كانت كافية لاستدخال وعي لطالما ردد عراقيون أنه غريب عنهم. خلال السنوات العشر هذه، حصلت أحداث هائلة لم تكن “أكاديمية بوكا” وحدها مؤشرها، ذاك أن حدود العراق التي لم تكن أصلاً محكمة الإقفال، فتحت على شراعيها واستقبلت مقاتلين وأفكاراً وأنماط عيش من كل حدب وصوب. وفق تقديرات الأمن العراقي أنه وفور إعلان “الخلافة” قفز عدد السعوديين في التنظيم ممن وصلوا إلى العراق إلى حوالى 7 آلاف مقاتل، وهؤلاء تولوا بالدرجة الأولى إضعاف الحدود الاجتماعية التي رسمتها الدول في أعقاب تحولها دولاً. وعشر سنوات كانت فيها المدن السنية عبارة عن وحدات فيدرالية محاصرة بالجيوش العدوة، وتتشكل في داخلها جماعات “جهادية” وفصائل مقاتلة، وضَعف خلالها شعور أهل هذه المناطق بأن هذا العراق هو عراقهم. وبين السجون والحصار والقتال واستقبال “المجاهدين” وبغياب أي رغبة لدى الحكومة وحلفائها الإيرانيين، صار العراق السني مستعداً لاستقبال المولود الجديد.

الأنبار هي امتداد صحراوي للجزيرة العربية، وهي أيضاً امتداد صحراوي للبادية السورية. من البادية السورية وصلت ظلامة السنة مع نظام البعث العلوي وأضيفت إلى ظلامة سنة العراق مع حكومة نوري المالكي، ومن الجزيرة العربية وصلت “الخلافة”، وأوهمت أهل الصحراء ومدنها أنها آتية لانقاذهم من الشيعة والإيرانيين.

صدام الجمل يتحدث مع “درج”

حين يتحدث صدام الجمل، وهو سوري وأمير “داعش” في مدينة البوكمال الحدودية وهو اليوم يواجه حكماً بالإعدام في العراق، عن عمله السابق في التهريب بين سوريا والعراق، يُشعرك بأن “داعش” عندما ألغى الحدود بين البلدين جاء لتصحيح خطأ ارتكبته “الحدود” بين البلدين. لا يمكنك أن تحدد في كلامه أين يمكن اعتباره سورياً، وأين يمكن اعتباره عراقياً. لم تقم الحدود فارقاً بين المواطنتين، وهو يقول إن عشيرته وجدت بإلغاء الحدود وسيلة لتجديد اللحمة بين أهلها في العراق وأهلها في سوريا. وهو ما مارسه هو شخصياً عبر قتله من العراقيين ما يوازي من قتلهم في سوريا. وهو اليوم اذ حكم عليه في العراق بالإعدام، على ما ارتكبه فيه، يستحضر سوريته بصفتها منقذاً محتملاً له من هذا الحكم، ذاك أنه سوري ولا علاقة له بالعراق.

ومرة أخرى تلوح الصحراء كأفق طبيعي لتمدد التنظيم، فهي المكان حيث أحدثت الدول أثراً ضعيفاً في أهله، ما جعله مكاناً سهلاً لبعث “الخلافة”، ولعل اقتران العبارتين، أي “البعث” و”الخلافة” هو الأثر الوحيد الذي يملك الحزب فيه شيئاً مما يدعيه.       

المصنع (4): هل بدأ لغز إحراق معاذ الكساسبة يتكشف؟

 

إقرأ أيضاً