fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين- عليا ابراهيم

حازم الأمين- عليا ابراهيم

مقالات الكاتب

المصنع (4): هل بدأ لغز إحراق معاذ الكساسبة يتكشف؟

يبدو أن فصولاً بدأت تتكشف من حكاية إقدام تنظيم “داعش” على إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، الذي أسقطت طائرته في شرق سوريا عام 2015. “درج” عاد وتقصى الحكاية من خلال لقاءات مع “قادة” في التنظيم، في مراكز احتجازهم في بغداد.

قبل أن ينشر “داعش” الشريط المصور الذي يُظهر فيه إحراق الكساسبة، كانت السلطات الأردنية باشرت مفاوضات مع التنظيم تولاها في حينها الداعية الأردني القريب من تنظيم “القاعدة” أبو محمد المقدسي، وللأخير تأثير كبير في بيئة “السلفية الجهادية”، لا سيما الأوساط الخليجية وتحديداً السعودية منها.

المفاوضات التي باشرها المقدسي من سجنه الأردني، حينها، أبدى خلالها الأردنيون مرونة في إمكان مبادلة الكساسبة بعدد من عناصر “داعش”، ومن بينهم ساجدة الريشاوي التي كانت حاولت تفجير أحد فنادق عمان. وأثناء المفاوضات فوجئ المقدسي بالشريط المصور. وكان الرد الأردني على عدم التزام التنظيم شروط التفاوضات، تنفيذ حكم الإعدام بالريشاوي وبآخرين من عناصر التنظيم. وبعد أسابيع من الواقعة، أفرجت السلطات الأردنية عن المقدسي، وحين التقيناه وقتذاك، أكد أن القرار في “دولة الخلافة” هو بيد الضباط العراقيين السابقين، وأن “داعش” تنظيم بعثي، أكثر من كونه “سلفياً جهادياً”. وقال: “لقد كذبوا علي وكذبوا على شرعيين في التنظيم تعهدوا لي بعدم قتل الطيار”.

العيثاوي يتحدث من سجنة مع فريق “درج” (تصوير مازن هاشم)

“درج” التقى مسؤول ديوان التعليم في “داعش”، إسماعيل علوان العيثاوي في مركز احتجازه في بغداد، وهو ينتظر تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر بحقه. أشار العيثاوي إلى ما خلفه بث الشريط في البيئة القيادية “الشرعية” للتنظيم من ردود. فأكد أن المفاوضات التي كان يقودها المقدسي تولاها من طرف “داعش” مسؤول ديوان القضاء والهيئات الشرعية تركي بن علي، وهو بحريني الجنسية وقتل لاحقاً في شرق سوريا. العيثاوي قال إن تركي بن علي أخبره شخصياً أن التنظيم لم يفِ بالتزاماته. وبن علي بحسب العيثاوي، هو أحد تلامذة المقدسي وكان ينشر مقالات في موقعه “منبر التوحيد والجهاد”، وحين بث التنظيم شريط الكساسبة، كان تركي بن علي ومعظم القادة “الشرعيين” للتنظيم غاضبين، فإضافة إلى عدم التزام التنظيم تعهده بعدم قتل الكساسبة، اعتبر شرعيوه أن القتل عبر الإحراق بالنار تحديداً غير جائز، فبحسبهم “لا يحرق بالنار إلا خالقها”.

لكن العيثاوي ورداً على سؤال “درج” عن تبرير التنظيم لشرعييه إقدامه على إحراق الطيار الأردني، قال: “التنظيم لم يبرر ما فعله، واقتصر التذمر على احتجاجات بأصوات خافتة، ثم سكت الجميع”.

ويبدو أن ما قاله المقدسي لجهة أن القرار في التنظيم كان بيد الضباط السابقين في الجيش العراقي، وأن شرعيي التنظيم كانوا الحلقة الأضعف على المستوى الميداني، له ما يؤكده، فواقعة إحراق الكساسبة أحدثت لغطاً وجدلاً في البيئة الشرعية، لم ترق بحسب العيثاوي إلى مستوى الاحتجاج. والتنظيم الذي استثمر في ضباط الجيش السابق، وفي فتاوى البعث في العراق وفي سوريا، أعطى هؤلاء هامشاً لمضاعفة العنف والمشاهد المرافقة له ووظفها في صورته، ليبث قدراً من الرعب في البيئة التي حكمها.

وهنا لا بد من العودة إلى موضوع الكساسبة الذي تتهم عائلته القيادي السوري في “داعش” صدام الجمل بالوقوف وراء إحراق إبنها، وصدام الجمل نجحت المخابرات العراقية في أسره عبر عملية أمنية داخل الأراضي السورية، وتمت محاكمته في العراق، وصدر حكم إعدام بحقه. واليوم تطالب عائلة الكساسبة السلطات العراقية بتسليمه إلى الأردن.

صدام الجمل في احد اصدارات فيديوهات “داعش”

صدام الجمل الذي التقاه “درج” في مركز احتجازه في بغداد، نفى أن تكون له علاقة بإحراق الكساسبة، علماً أن المنطقة التي أسقطت فيها طائرته، كانت جزءاً من المنطقة التي يتولى الجمل مسؤوليتها. ثم إن الجمل الذي يُعرف بدمويته وتصويره أشرطة فيديو يحمل فيها رؤوساً مقطوعة، نفى لـ”درج” وقائع أخرى موثقة ومصورة من أفعال أقدم عليها، وهذا ما يُضاعف الشكوك بنفيه المشاركة في إحراق الكساسبة.

صدام الجمل يتحدث مع فريق “درج”

صدام الجمل الذي تُنقل روايات عن قتله أكثر من ألف سوري بيده وعن مشاركته في المجزرة التي ارتكبها التنظيم بعشيرة الشعيطات في ريف دير الزور، نفى لـ”درج” كل هذه الروايات، وقال إنه كان حين وقوع المجزرة في الرقة، ثم عاد وأكد أن رؤوس عناصر “النصرة” المقطوعة التي كان يحملها في شريط الفيديو في دير الزور، في الفترة التي حصلت فيها المجزرة، ليس هو من قطعها، لافتاً إلى أنه حملها وتصور معها “ليكيد النصرة” التي قتلت شقيقه.

لا شيء يحسم مسألة مشاركة صدام الجمل في إحراق الكساسبة، لكن هناك مؤشرات تضاعف الشكوك فيه. فمستوى العنف الذي انطوى عليه مشهد الحرق، كان صدام شارك بأفعال لا تقل عنه عنفاً، ونفيه المشاركة في أفعال موثقة ومصورة يضعف نفيه المشاركة في مشهد الإحراق. وإذا كان المحققون العراقيون يميلون إلى نفي المعلومات التي لدى عشيرة الكساسبة والتي تشير إلى علاقته بعملية الإحراق، فإن رغبة العراقيين في أن يُنفذ حكم الإعدام به في العراق، قد تكون أيضاً سبباً في قولهم أنهم يستبعدونها.

العيثاوي قال: “إن تركي بن علي كان من أكثر الشخصيات قرباً من أبي بكر البغدادي”، وعلى رغم ذلك لم يحترم التنظيم وعده للمقدسي بمبادلة الكساسبة بمساجين للتنظيم في الأردن. وصدام الجمل أتى إلى التنظيم من خارج “السلفية الجهادية”، فالرجل كان قائداً عسكرياً في “الجيش الحر” وانتقل إلى “داعش” عام 2014، وهو جزء من جهاز العنف البعثي في التنظيم، على رغم أن سيرته لا تلحظ انتماءه للبعث. لكن الرجل ولد في البوكمال، أي على الحدود التي تفصل بين البعثين، وهو حمل في اسمه صدى لبعث العراق، وفي خدمته في جيش النظام السوري أثراً من البعث السوري، وهو أيضاً تسرب من “الجيش الحر” بعدما هزمته جبهة النصرة،  إلى “داعش”، كما تسرب الضباط العراقيون من الجيش العراقي المنحل إلى التنظيم بعدما تم حل هذا الجيش.

لطالما افتعل “داعش” مشاهد عنفه عبر تحويله غير الممكن والمتصور إلى ممكن. من يلتقي صدام الجمل، ويسمع قصته من فمه، يشعر بأن الروايات التي قرأها عنه ملتصقة بوجهه، على رغم أنه على بعد خطوة واحدة من تنفيذ حكم الإعدام به.

المصنع(3): أين هو البغدادي ومن هم رجاله الجدد؟

إقرأ أيضاً