المصنع :الطعنة التي وجهتها الثورة التونسية إلى الثورة السورية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أليس مستغرباً أن يجيبك معظم الخبراء في تونس حين تسألهم عن السبب الأول لتوجه آلاف التونسيين للقتال في سوريا بـ: الحرية!

أليس مستغرباً أن يجيبك معظم الخبراء في تونس حين تسألهم عن السبب الأول لتوجه آلاف التونسيين للقتال في سوريا بـ: الحرية! فبعد الثورة شملت الحريات التي انتزعها التونسيون من نظام زين العابدين بن علي حرية ممارسة السلفيين الجهاديين عملهم التنظيمي والدعوي. وهنا صار يمكننا أن نقول إن الثورة في تونس وجهت طعنة للثورة في سوريا. الحرية هنا ساهمت في القضاء على الحرية هناك. في حينها قرر نظام بشار الأسد الإفراج عن الجهاديين السوريين من السجون، ليساهموا في تحويل الثورة إلى حرب، وتونس أرسلت جهاديين ليتولوا المهمة نفسها! 

الحرية منحت بصفتها معطى مطلقاً وغير مضبوط بقانون أو بحدود أخلاقية. هكذا كانت تونس في سنوات حكم النهضة. الحرية في حينها عنت لـ”حركة النهضة” الحاكمة، حرية أن يتوجه السلفيون للقتال في سوريا. وهذا كان سياقاً لموقع إقليمي اختارته تونس الاخوانية لنفسها. منظومة متكاملة ومتواطئة اشتغلت بين تونس وتركيا وسوريا، وكانت ليبيا محطة فيها.

ففي الوقت الذي توجهنا فيه إلى تونس في شهر شباط/ فبراير من عام 2012، لتغطية مؤتمر أصدقاء سوريا والذي أعلن فيه الرئيس التونسي في حينها المنصف المرزوقي، قطع علاقات بلاده مع النظام في سوريا، كانت مياه كثيرة تجري في أماكن ليست بعيدة من مكان المؤتمر. كان السلفيون الجهاديون سيطروا على نحو 400 مسجد في تونس، بعدما طردوا أئمتها المعينين من قبل نظام الطاغية وقتذاك. كان طرد الأئمة عملاً ثورياً، وكان حلول دعاة سلفيين خرجوا من السجون بموجب قانون العفو بمثابة تحضير لجيل كامل من أبناء ضواحي المدن للتوجه إلى الجهاد في الخارج، وفي سوريا تحديداً.

زرنا تونس في ذلك الوقت مرات كثيرة، وعاينا بأنفسنا تفشي الدعاة. سمعنا مباشرة زعيم “حركة النهضة” راشد الغنوشي يقول إنهم يذكرونه بشبابه، وشاهدنا زعيمهم أبو عياض يخطب في مسجد الفتح في العاصمة التونسية. وفي محيط ذلك المسجد، التقينا سلفيين عادوا من أوروبا في أعقاب الثورة، وأجرينا مقابلات مع نساء توجه أزواجهن إلى سوريا وكن ينتظرن فرصة اللحاق بهم. كان زمن “الثورة المطلقة” في حينها، ولم نكن نملك حساسية تكفي لاستشعار الخطر المقبل من هذا الوعي ومن هؤلاء “الجهاديين”. كتبنا عنهم لكن ليس بما يكفي لكشف الوظيفة التي سيؤدونها لاحقاً، وهم كانوا باشروا بها، وإن لم يكن “داعش” ولد بعد. سمعنا عن الشرطة السلفية في بلدة سجنين في شمال العاصمة، وعن مؤتمر القيروان الذي نظمته جماعة “أنصار الشريعة” وحضره حوالى 20 ألفاً من “الجهاديين” تحت أنظار الحكومة والشرطة وتحت أنظارنا، وكنا نعتقد أنهم هوامش الثورات، وأننا نحن متونها. وكان رجال مثل راشد الغنوشي ورجب طيب أردوغان ومحمد مرسي يحكمون باسم الثورات، ولم نكن ندري ماذا يعني ذلك.

بشار الأسد كان سعيداً بهذا الواقع، وإيران كانت تعد العدة لاستقبال “داعش” في الموصل، بينما تولت السعودية وقطر أدواراً في تمويل الفصائل الاسلامية بحسب ما كشف لاحقاً وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم. 

 

لتونس موقعها الخاص في هذه المأساة. حجم الظاهرة فيها كبير جداً، وهي دولة الثورة الأولى، وهي الناجية الوحيدة من بين دول الثورات العربية في حينها. وهي إلى اليوم ما زالت ترفض استعادة “جهادييها”، وما زال اسلاميوها يرفضون مراجعة دورهم وتحمل تبعاته، في وقت قرر جزء كبير من علمانييها ويسارييها الوقوف إلى جانب طاغية دمشق.  

 

كان نظاماً إقليمياً كاملاً نشأ من خلف ظهورنا نحن المندفعين وراء ثوار الشوارع. الاخوان المسلمون كانوا منظومة حكم متواصل بين تونس وليبيا وتركيا. إخوانهم في سوريا لعبوا الدور نفسه، والمتمثل في “تفهم” ضائقة السلفيين الجهاديين من دون تبنيهم. كنا نلتقي “جهاديين” في مطار قرطاج، ونصعد معهم إلى الطائرة ذاتها المتوجهة إلى إسطنبول، وهناك يذوبون كالملح في مطار أتاتورك، بينما نقف نحن في الصفوف الطويلة منتظرين دورنا لختم جوازاتنا. حصل ذلك أكثر من مرة، وكان هؤلاء مادة تندرنا في الطائرة. متى سيفجر هذا الرجل نفسه بنا قالت لنا ذات يوم الراحلة رولى أيوبي التي كانت عائدة معنا من تونس التي كانت تراسل “بي بي سي” منها، على متن الطائرة التركية. تحت أعيننا وتحت أعين الأمن التونسي والتركي كان يجري “السفر للجهاد”، وكان يجري الطعن بالثورة السورية. 

إنهم أبناء الثورة التونسية. شاركوا بفعالياتها واستثمروا بـ”حريات” أعقبتها. وكم يبدو مؤلماً وجارحاً أن تسمع هذا الكلام من علماني تونسي ثار على نظام بن علي، وهو اليوم يرى أن الحل في سوريا هو بشار الأسد. فمن المؤكد أن للثورة التونسية، التي هو ابنها، حصة من المسؤولية حيال هزيمة الثورة في سوريا. حركة النهضة ليست وحدها المسؤولة. العلمانيون في تونس كانوا في حينها راغبون في خروج سلفييهم من بلدهم، ولم يملكوا حساسية كافية لتجنيب الثورة السورية طعنات جهادييهم. هم اشتركوا بذلك مع الكثير من الدول والمجتمعات التي اعتبرت أن توجه جهادييها إلى سوريا سيعفيها من مخاطر بقائهم عندها. فرنسا وبريطانيا وبلجيكا شهدوا ظواهر مشابهة، ناهيك بدول الجوار السوري مثل الأردن ولبنان، وحتى فلسطين.

لكن لتونس موقعها الخاص في هذه المأساة. حجم الظاهرة فيها كبير جداً، وهي دولة الثورة الأولى، وهي الناجية الوحيدة من بين دول الثورات العربية في حينها. وهي إلى اليوم ما زالت ترفض استعادة “جهادييها”، وما زال اسلاميوها يرفضون مراجعة دورهم وتحمل تبعاته، في وقت قرر جزء كبير من علمانييها ويسارييها الوقوف إلى جانب طاغية دمشق.  

المصنع: من أرسل التونسيين إلى سوريا؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400