fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

المشهد المصري بين “إرحل يا سيسي” و”إرحل يا فيسبوك”…

مَن يُراقب أحداث مصر، يشعر وكأنّه يتفرّج على شريط قديم، ذلك أنّه من غير الصعب توقّع خطوات السلطة القادمة، خطوة تلو الأخرى. فباب خزانة التكتيكات القمعيّة فُتح على مصراعيه، مع لجوء الأجهزة الرسميّة إلى أرشيف وسائلها الاستبداديّة المعتادة ردّاً على مشاركة مئات المصريّين في تظاهرات شعبيّة مفاجئة  للمطالبة بتنحّي الرئيس عبد الفتّاح السيسي.

المحامية الحقوقية ماهينور المصري

ها هي مصر السيسي تكثّف استعداداتها لإحياء أبرز فصول أرشيفها القمعيّ وأكثرها بطشاً، وقد حقّقت ذلك باعتمادها أكثر من وسيلة يمكن تلخيصها بالتالي: أوّلاً، عبر اعتقالها التلقائي لقيادات حزبيّة معارضة وصحافيّين ومحامين، من بينهم المحامية والناشطة الحقوقيّة ماهينور المصري التي بالكاد مرّ عام واحد على إطلاق سراحها، إلى جانب توقيف مئات المحتجّين وحجزهم على ذمّة التحقيق في اتّهامات تتعلّق “بنشر الأخبار الكاذبة”، و”مشاركة جماعة إرهابيّة في تحقيق أغراضها”، و”التظاهر بدون إخطار”، و”استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل سلبي”، متسلّحةً بالنيابات العامّة باعتبارها جناحاً عسكريّاً تابعاً لها. ثانياً، عبر “إخفائها” لمئات الشبّان الذي لا يزال مصيرهم ومكانهم مجهولَين حتّى تاريخ كتابة هذه السطور. وكان باحثون ونشطاء حقوقيّون توقّعوا أن يفوق عدد الذين طالتهم اعتقالات 20 سبتمبر/أيلول الـ600 شخص، مُشيرين إلى خطورة احتجاز العديد منهم في أماكن غير معلومة لمدّة تتجاوز الـ48 ساعة وعدم إفصاح النيابات العامّة عن أسماء الذين ليس لديهم محامون يمثّلونهم، وذلك بحسب ما ذكرته المفوّضية المصريّة للحقوق والحريّات. ثالثاً، عبر تأجيج السلطة للمعركة الإلكترونيّة من خلال الحجب الجزئي أو الكلّي لتطبيقات المراسلة وعدد من المواقع الإخباريّة، كالـ”بي بي سي”، و”الحرّة”، و”الجزيرة”.

من ترسانة التكتيكات السلطويّة الخلّاقة هذه، خرج إلى الضوء إجراءٌ خطير بدأت السلطات المصريّة تلوح به وتروّج له. فقد دافع عددٌ كبير من البرلمانيّين المصريّين عن وجوب إقرار اقتراحات قانونيّة من شأنها أن تُحكم قبضة الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك من باب حمايتها من استغلال الجماعات الإرهابيّة لها، أو ما أسماه السيسي “بالإسلام السياسي”، الذي يقف برأيه وراء حالة الفوضى في المنطقة، وفق ما أدلى به بعد لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقد جاهر النوّاب بضرورة إطلاق حملات التوعية بمخاطر مواقع السوشيل ميديا في البلاد للحدّ من انتشار “الأخبار الكاذبة”، وتدخّل الدولة لضبطها أو إرساء علاقة تعاقديّة معها عبر شركات تجاريّة تعيّنها الدولة.

ولعلّ التعليق الأبرز ضمن احتفاليّة التصدّي لأي بارقة أمل في الشارع المصري، كان للنائب هشام الشطوري الذي دعا صراحةً إلى إغلاق الصفحات التى تسيء إلى القوّات المُسلّحة والشرطة، والقبض على القائمين عليها، مشيراً إلى “أن مصر لن تتقدّم إلا بإغلاق فيسبوك، مثلما فعلت دولة الصين وغيرها من الدول المتقدّمة.”

وتيمّناً بالصين “المتقدّمة” وإجراءاتها النموذجيّة خلال احتجاجات هونغ كونغ، استمرّت السلطات المصريّة في تفعيل حملات الاعتقال وتوسيعها لتطال أكبر عدد ممكن من المحتجّين أو المشكوك بأمر ولائهم، لبثّ الذعر في النفوس وإخماد شعلة أي حراك متجدّد، كما لجأت إلى التهديد بتظاهرة أكبر الهدف منها محو ذاكرة التظاهرات المُناهضة للسيسي التي انتشرت في أكثر من محافظة مصريّة.

وتيمّناً بما عُرف “بالمجلس العسكري الانتقالي” السوداني والخطوات التي اتّبعها في الماضي القريب، قرّرت السلطات المصريّة اعتماد نهج التصدّي نفسه “للمؤامرات” الإخوانيّة والخارجيّة، عبر سلسلة من الإجراءات القمعيّة التي استهدفت الوكالات الإعلاميّة والمراسلين الأجانب في البلاد من جهة، والقطع القصدي للإنترت من جهة أخرى، بغرض عرقلة التغطية الإعلاميّة وفرض التعتيم على ما يحدث على الأرض وشلّ القدرة على التواصل والتنسيق بين الفئات المحليّة من جهة، وبينها وبين داعميها في الخارج من جهة أخرى.

دافع عددٌ كبير من البرلمانيّين المصريّين عن وجوب إقرار اقتراحات قانونيّة من شأنها أن تُحكم قبضة الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي

وفي هذا السياق، أقرّ رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد، في تصريح لموقع “أهرام أونلاين” بأن موقع شبكة “بي بي سي” وغيره من المواقع الإخبارية أُغلقت بسبب تغطيتها “غير الدقيقة” للاحتجاجات، على حدّ تعبيره. وكانت الهيئة العامة للاستعلامات، وهي الهيئة المسؤولة عن تنظيم عمل وسائل الإعلام الأجنبيّة في مصر، حذّرت من أنها تراقب تغطية الوسائل الإعلاميّة للتحرّكات الأخيرة، وهو ما أكّدته لجنة حماية الصحافيّين في بيان لها نُشر في 23 أيلول/سبتمبر.

وقد ذكرت اللّجنة أنّ المصريّين واجهوا بالفعل صعوبةً في تصفّخ بعض المواقع واستخدام تطبيق “فيسبوك مسنجر”، بموازاة مواجهتهم لحملات إلكترونيّة يُرجّح أن تكون شنّتها جماعات إسلاميّة تريد إيصال رسائلها عن طريق “ركوب” هاشتاغات الثورة ورسائلها الأكثر رواجاً، كـ #ارحل_يا_سيسي و #ميدان_التحرير، وخلق حسابات جديدة وإحياء أخرى قديمة.

وأكّدت اللّجنة في بيانها أنّ السلطات المصريّة اعتقلت بين 20 و22 أيلول/سبتمبر 2019 ثلاثة صحافيّين كانوا ينقلون صور الاحتجاجات ومستجدّاتها، هم المدوّن محمد ابراهيم المعروف باسم “محمّد أوكسيجين”، وعمرو هشام المصوّر في موقع “المصراوي” الإخباري، والمصوّر المستقل سيد عبد الإله الذي شهدت زوجته على اعتقاله وأفادت بأنّها تعرّضت وأطفالها للاعتداء أثناء عمليّة الاعتقال.

لكن على رغم محاولات التعتيم وأساليب القمع التي تنتهجها السلطات المصريّة، يُجمع النشطاء الحقوقيّون المصريّون على أنّ تظاهرات 20 أيلول/سبتمبر تمكّنت بالفعل من كسر حصار الخوف والجمود اللّذين طوّق بهما السيسي البلاد منذ تولّيه زمام السلطة عام 2014. فبالنسبة إليهم، كل ما تقترفه السلطة اليوم على الإنترنت وعلى الأرض ليس سوى دليل قاطع على ارتباكها إزاء المشهد الاحتجاجي الذي عملت جاهدةً على دفنه حيّاً واعترافها الضمني بتورّطها بعمليّات فساد وهدر للمال العام.

 

إعلام النظام المصري: البيتزا تنتصر على ساحات الاحتجاج!

إقرأ أيضاً