fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

المشهد الأول: ياسمينا في بيت الدين

غابريال يارد

وقف غابريال يارد على المسرح وأخبرنا كيف سحرته ياسمينا جنبلاط. محاولتها الأولى كانت منذ 10 سنوات. يومها جاءته مقترحة إعادة توزيع أغاني أسمهان. استمع لها واعتذر. لا شك في أنه أيقن يومها أن الصبية التي تملك جمالا ًواسماً وحكاية، تفتقد تفصيلاً قد يكون مهماً لا سيما إذا كانت راغبة في أن تصنع لها سمعة إلى جانب “الكبار”، فابنة حفيدة أسمهان ورثت جمال الأيقونة وفطنتها وأناقتها. ورثت كل شيء، إلا الصوت!

7 سنوات مرت وعادت الصبية إلى يارد. تعرف هي أن تبني موسيقي عالمي بحجمه كفيل بإطلاق “موهبتها”. مرة أخرى اعتذر يارد عن قبول العرض. غادرت باريس مكسورة الخاطر. أخذت القطار إلى جنيف. ثم حصل شيء ما. أرسلت له كلمات اقترحت عليه تلحينها… وهو نص “متوقد” أقنعه بأن على التعاون أن يحصل. 

أخبرنا يارد ذلك بنفسه من على مسرح بيت الدين. أخبرنا ونحن سمعنا. 

إنها ليلة الافتتاح ومسرح بيت الدين يزداد سحراً سنة بعد سنة. جمهور المهرجان على أناقته –التي لا تخلو من بعض المبالغات في عمليات شد الوجه- وعلى تقدميته، التي تثبتها النقاشات الدائرة على ضفافه. حتى قبل بدء الحفل نعد أنفسنا بأمسية استثنائية… يدخل أعضاء الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية، يرافقهم عدد من الموسيقيين العالميين الذين حضروا خصيصاً الى لبنان من أجل الحفل، من بينهم قائد الأوركسترا ديرك بروسيه.  

الموسيقى جميلة منذ البداية، منذ لحظة النشيد الوطني، بدأه يارد بنوتات منفردة على البيانو قبل أن تأخذه الأوركسترا إلى أماكن أخرى.  

تدخل حفيدة أسمهان. لسبب ما أستعيد حفل أمال ماهر في بيت الدين منذ سنوات. شابة جميلة وأنيقة نجحت وقتذاك بأن تبهرنا وتعيدنا إلى زمن أم كلثوم. 

يبدأ الغناء. ينتهي السحر وتنهال الأسئلة في رأسي. كيف حصل هذا؟

ياسمينا جنبلاط

لماذا أعطيت ياسمينا جنبلاط فرصة الغناء في افتتاح واحد من أهم المهرجانات في العالم العربي؟ قالت هي في أكثر من مقابلة إن إعادة توزيع أغاني أسمهان كان حلم طفولتها، ولكن هل يكفي أن يكون لصبية حلم حتى تجند لها كل هذه الإمكانات؟ حتى وإن كانت حفيدة أسمهان، وإن كانت سليلة عائلة عريقة، وإن كانت تلقت أفضل تعليم في باريس وجنيف، وحتى إن قال غابريال يارد إنه اقتنع بموهبتها!

هذا ليس هجوماً على ياسمينا بقدر ما هو انتقاد لمنظومة كاملة سمحت بمثل هكذا خطأ. يارد “ملاك” ياسمينا الحارس كما سمته في إحدى مقابلاتها، أعطاها كل الفرص لإبراز طبقاتها الصوتية، ولم تنجح في أي منها.  

لا أملك إلا أن أسأل نفسي، خلال السبع السنوات الفاصلة عن لقائها الأول بيارد والعشر الفاصلة عن هذه الليلة، هل عملت ياسمينا على تدريب صوتها في أجل الوصول الى حلم طفولتها؟ هل اجتهدت في تمارينها؟ هل أسمعها أي من مدربيها كلاماً قاسياً؟ هل تحداها أحد؟ هل بكت لأنها شكّت بكل شيء؟ هل فكرت حتى بأم جدتها التي تقف باسمها على المسرح، وبالأثمان التي دفعتها من أجل الغناء في زمن يفترض أنه كان أكثر رجعية؟  

في بيت الدين، شعرت بأن أسمهان التي تمردت على الجبل والعائلة والتقاليد والقيود من أجل حب الغناء، والتي تركت لمن أحبها إرثها، جاءت ابنة حفيدتها لتعيدها إلى بيت الطاعة. ليال الأنس في فيينا، نسيمها في بيت الدين، لم يكن من هواء الجنة… بل كان عائلة وعلاقات وتقاليد وقيوداً… الكثير من القيود…

المشهد الثاني: باسكال في دورتموند 

وبينما أجلس في حفل ياسمينا جنبلاط كنت أتابع عبر هاتفي ما يحصل مع باسكال صوما، زميلتنا التي كتبت مقالة في موقع “درج” عن رحلتها الى دورتموند. وباسكال لمن لا يعرفها صحافية شابة أكثر ما يميزها عشقها للغة العربية ودفاعها الحماسي عن كل ما يمت لثقافتها بصلة. مقال باسكال، الذي تجرأت فيه قبل كل شيء على نفسها أقام الدنيا ولم يقعدها. حكت باسكال عن فكرتها المسبقة عن “الرجل الأوروبي بارد العواطف”، وما دار في رأسها من أسئلة ومقارنات في رحلتها. 

لم تعمم ولم تحاكم. كتبت بخفة عما تشعر به صبية مثلها عندما تلتقي “رجلاً ينظر في العينين لا في المؤخرة”، أو عندما تتشارك مع غريب في رحلة قطار ضحكات متحررة من قيود التربية الصالحة من دون الحاجة حتى إلى أن تعرف اسمه… في كلمات باسكال صدق شابة قررت أن تتحدى نفسها قبل أن تحسم خياراتها. 

امرأة عشرينية متملكة من لغتها، كانت لها جرأة أن تكتب وأن تتشارك مع قراء غرباء بعض ما يدور في عقلها وقلبها. 

غلفت باسكال لغتها بخفة لتكشف لنا بعضاً من حيرتها، بعضاً من احلامها ومخاوفها. تضحك من نفسها ومن صديقتها قبل ان تصل بكلماتها صنفاً لا تعرفه من الرجال. 

 

كل هذا الهجوم على كاتبة شابة في بداية طريقها، والذي تشنه بيئة يفترض أنها حاضنة لمثيلاتها، ماذا يريد تحديداً؟  أن تصبح باسكال ومثيلاتها أكثر حسماً في خياراتهن بناء على تجربة من سبقهن؟ أن يكتبن بلغة أخريات فقط لأنهن أكثر خبرة؟ أن يحتفظن بأفكارهن لأنفسهن، لأنها بنظر البعض لم تنضج كفاية وأنها “نمطية”؟

 

ما قرأته في سطورها أراه كل يوم في عيون بنات جيلها. شابات ذكيات، مجتهدات ومتحررات يحلمن بتحقيق ذواتهن، يعرفن جيداً أن تفوقهن وذكاءهن ستترتب عليه أثمان على الصعد الشخصية… “العالقات في المنتصف” كما أسمتهن في مقالتها. كتبت باسكال لتقوم الدنيا ولا تقعد. الأصوات المعترضة من كل صوب. من النسويات إلى الكتاب مروراً بنجوم وسائل التواصل الاجتماعي…

لا يقتصر الهجوم على باسكال، بل ينال “درج” نصيبه من النقد والعتب “المحب” للسماح بنشر مادة كهذه. يفوت على المنتقدين والمنتقدات أن أحد أسباب وجود الموقع هو أشخاص مثل باسكال، أي أشخاص يملكون قصة لا تجد من ينشرها ويفوتهم أن أي مادة صحافية تنجح بأن تثير نقاشاً حول مواضيع مهمة، هو مقال ناجح. ولكن لماذا كل هذه القسوة؟

أستعيد الكلمات التي أنهت باسكال بها مقالها. “الرأفة للعالقات في المنتصف”. إلى حد طلب الرأفة كانت صادقة! 

كل هذا الهجوم على كاتبة شابة في بداية طريقها، والذي تشنه بيئة يفترض أنها حاضنة لمثيلاتها، ماذا يريد تحديداً؟  

أن تصبح باسكال ومثيلاتها أكثر حسماً في خياراتهن بناء على تجربة من سبقهن؟ أن يكتبن بلغة أخريات فقط لأنهن أكثر خبرة؟ أن يحتفظن بأفكارهن لأنفسهن، لأنها بنظر البعض لم تنضج كفاية وأنها “نمطية”؟ أن يقمعن أي تساؤل حول قيم تبنينها لظنهن بأنها ستحررهن، لتجدن فيها لاحقاً سجوناً جديدة؟ أن لا يتجرأن على إعلاء أصواتهن لأن ليس لديهن من يدافع عن حقهن بالتجربة والحلم؟

أفكر بكلمات الصبية التي عرفت كيف تستفز أفراداً في مجتمع يدعي الليبرالية، استكثر عليها مجرد نشر مقال عن تجربتها في موقع الكتروني. كم كان الوضع مختلفاً لو أتت باسكال من مكان يحتضن أحلامها ويساعدها على صقل موهبتها أو مساحة تتحمل بعضاً من حيرتها وشغبها وحقها بالتجربة!

أضحك وأنا أفكر بركاكة نص ياسمينا جنبلاط، فيما يتبناها غابريال يارد ويصفق لها جمهور مهرجان بيت الدين. 

 

الأردن بين “جن” نيتفلكس وإنس المعترضين ..

إقرأ أيضاً