fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

“المسيحيون الجدد” ينتصرون على “مشروع ليلى”

View English Version

إنه زمن جبران باسيل. “لجنة مهرجانات جبيل” أعلنت إلغاء حفلة “مشروع ليلى” بعد ضغوط هائلة مارسها المؤمنون الجدد، تلامذة جبران باسيل جبران. فإقحام اسم وزير الخارجية على هذا الحدث ليس افتراء، على رغم أن الرجل لم يدلِ شخصياً بدلوه في هذه المسألة، ذاك أن الحملة الهائلة التي تعرضت لها الفرقة الموسيقية تشبه الزمن الباسيلي لجهة تحويلها المسيحيين اللبنانية إلى كتلة متجانسة تنطق بخطاب متماهٍ مع خطاب “الاختلاف الجيني” وخطاب المقولة الرثة: “أنا عنصري في سبيل وطني”. فباسيل أيقظ مسيحياً مختلفاً في وجدان الكثير من المسيحيين، ولم ينجُ من مفعول هذا السحر كثيرون من خصوم الوزير. 

 ثمة شبه ضمني بين خطاب رفض حفل “مشروع ليلى” وخطاب العداء للاجئين. ثمة ضيق في مخيلة أصحابهما، وتزمت مصدره واحد، وهما إذ التقيا في مصدريهما، التقيا أيضاً في آلية اشتغالهما. فالعونيون أشعلوا المواجهة مع مشروع ليلى، و”القوات اللبنانية” لحقت بهم. هذا ما حصل أيضاً في قضية اللاجئين. ناهيك بدفع المسيحيين عبر ممثليهم إلى موقع شديد الرجعية وشديد الانغلاق، وضعيف الحساسية حيال قيم عالمية صار بديهياً تبنيها لكل من يرغب في أن يكون جزءاً من مستقبل هذا العالم. فأن يرتكب مسيحيون، بصفتهم هذه، هذه الحماقة وهذا الانغلاق، فهذا يعني أن “داعش” أيقظ بالجماعات “دواعشها”. ما شهدته الحملة على “مشروع ليلى” يشعرك بأن “داعش” نائماً، استيقظ.

إنه زمن جبران باسيل. الزمن الذي تحول فيه المسيحيون اللبنانيون إلى كتلة متجانسة غير مكترثة بموقعها الذي لطالما مثلته لجهة رفع منسوب علاقة لبنان بالعالم. جبران هذا هو دونالد ترامب لبنان. هو المغنون الذين تحولوا إلى رهبان الردة في مواجهة “مشروع ليلى”. فهل لاحظتم صمت الفنانين اللبنانيين على الحملة؟ لا بل اندراج عشرات منهم في خطاب تكفير الفرقة والدعوة إلى مواجهة أفرادها بـ”الحديد والنار”. وهنا أيضاً يلوح للمرء وجه جبران. ثمة شبه بينه وبين “الفنانين الشعبيين”. سيولة في العبارة وفي الخطاب، هي جزء من علامات الزمن الباسيلي. “نحن عنصريون في سبيل وطننا”، عبارة يتوقعها المرء من شعراء الزجل المناطقيين، لكن قائلها هو وزير خارجيتنا، والزعيم المسيحي الأقوى. هذا ما يدفع المرء إلى شعور بأن انخراط مغنين وفنانين من المناطق في الحملة على فرقة مشروع ليلى، هو سياق متصل باللغة التي أرساها باسيل. يساعد على هذا الشعور أن لصوت باسيل رنة زجلية، ويعززها غزوه المتواصل المناطق ومساهمته في مشاهد “دق الكبة النية” في الجرن، ومخاطبته مناصريه بأراجيز، يستنهض من خلالها همماً، ما عاد يوقظها سوى محاولات بعث أمجادٍ قديمة تصلح لأغاني مطربين مثل زين العمر وفارس كرم وإعلاميين مثل شربل خليل وكارلا حداد.

 

الموقع الأقلوي الذي اختاره باسيل للمسيحيين بالغ الرجعية، وهذه ليست حالهم اجتماعياً وثقافياً. فهذا الموقع يملي رفضاً لإعطاء المرأة اللبنانية حقوقاً، ويملي موقفاً غير انساني من اللاجئين، ويملي لغة تتحدث عن اختلاف جيني وعن “عنصرية في سبيل وطننا”، وهو أيضاً يُضعف الحساسية والمناعة حيال التصدي لأعمال فنية

 

الموقع الأقلوي الذي اختاره باسيل للمسيحيين بالغ الرجعية، وهذه ليست حالهم اجتماعياً وثقافياً. فهذا الموقع يملي رفضاً لإعطاء المرأة اللبنانية حقوقاً، ويملي موقفاً غير انساني من اللاجئين، ويملي لغة تتحدث عن اختلاف جيني وعن “عنصرية في سبيل وطننا”، وهو أيضاً يُضعف الحساسية والمناعة حيال التصدي لأعمال فنية، سبق أن اشتغلت في مناطق لبنانية أخرى، لا بل سبق أن عُرضت في مهرجانات جبيل نفسها، قبل أن يمسها جن الزمن الباسيلي.   

يجب انقاذ المسيحيين سريعاً من باسيل. ما حصل لهم في موضوع “مشروع ليلى” ما كان يمكن أن يصيبهم لولا تصدر الرجل وجدانهم ومزاجهم، ولولا دفعه خطابهم إلى مستويات غير مسبوقة لجهة انحطاط علاقته بقيم كانوا سبقوا غيرهم إلى تبنيها. فرفض المثليين والمتحولين جنسياً، وهو ما كشفته اللغة المبتذلة التي اعتمدها مهددو “مشروع ليلى” من “المسيحيين الجدد”، لا ينسجم مع حقيقة لبنانية مفادها أن المثلي المسلم يفضل العيش في مناطق المسيحيين، لشعوره بأن رفض هويته الجنسية في تلك المناطق أدنى من مستوى رفضها في مناطق المسلمين، واحتمالات العنف الذي يمكن أن يتعرض له أقل في تلك المناطق.

المهمة إذاً رد المسيحيين إلى موقعهم الذي سعوا إلى تجاوزه في لبنان، رد لبنان أيضاً إلى المنطقة ودفعه إلى الانسجام مع ثقافات المنع والاضطهاد فيها. وفي هذه اللحظة، سيتحول المسيحيون إلى مجموعة ديموغرافية لا تضيف شيئاً إلى التجربة اللبنانية. وبعد وقت ليس طويلاً، سيحاسبون وفق قوتهم الديموغرافية، وسيخسرون وسنخسر معهم. 

لجنة مهرجانات جبيل لم تصمد أمام “فزعة” مسيحيي دولة جبران باسيل. هي سبق أن استضافت الفرقة عام 2016، ولم يصاحب ذلك ضجيج ولا “فزعات”. اليوم ثمة فارق. إنه جبران باسيل. 

كيف انتصرت “ليلى” الحريّة على ذئب المنع؟

      

إقرأ أيضاً