fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

المثلية عند الرجال… شبق وعشق وجمالية

الأمير السعيد، أوسكار وايلد، 2018

فيلم “الأمير السعيد” للمخرج روبرت إيفريت، من الأفلام المميزة، فهو يفتح السجال حول صورة المثلية الجنسية عند الرجال في الفن والسينما. الفيلم، هو محاولة جديدة لقراءة حياة القاص وشخصيته، من خلال المسرحي والروائي الإنكليزي أوسكار وايلد.

لا شك في أن أهمية أوسكار وايلد تتأتى بدايةً من الأعمال القصصية والمسرحية والروائية التي تركها في تاريخ الأدب، إلا أنه أيضاً من الفنانين الذين كان لحياتهم الشخصية، وسيرتهم الذاتية دور في إثارة النقاش حول المثلية الجنسية عند الرجال.

المثلية عند الرجال جريمة قانونية وتهمة اجتماعية

حوكم أوسكار وايلد بتهمة “اللواط”، بحسب التعبير الذي استعملته المحكمة آنذاك، وذلك على إثر علاقته بمحبوبه اللورد ألفريد دوغلاس. حكم على أوسكار وايلد بالأشغال الشاقة لعامين، وعومل في السجن بقسوة، وتم الاستيلاء على كل ممتلكاته، وحُرم من لقاء زوجته وولديه. حين كان ينقل وايلد من سجن إلى آخر، يقف في محطة كلابهام جنكشن، مقيد اليدين بالأصفاد، برفقة حرس السجن، يتعرف إليه الناس في المحطة، يتحلقون حوله، يكيلون له الشتائم ويبصقون عليه. يصوّر فيلم “الأمير السعيد” هذا المشهد باهتمام، هذه التجربة – الذكرى التي بقيت عالقة في ذاكرة وايلد ووعيه حتى آخر أيام حياته. في آخر الفيلم، وبينما كان أوسكار وايلد على فراش الموت، سأله القس الكاثوليكي: “متى خرجت من درب الرب؟”، فأجاب: “في محطة كلابها جنكشن”، أي أنه فقد الإيمان بالرب حين عومل بقسوة من قبل القانون والمجتمع بسبب ميوله الجنسية.

علينا الانتظار حتى عام 2017، أي بعد 117 عاماً من وفاة أوسكار وايلد، حتى يصدر في بريطانيا وويلز قانون رد الاعتبار إلى وايلد و75 ألفاً اتُّهموا بالمثلية الجنسية، وعوقبوا عليها في تاريخ ويلز وبريطانيا.

من أعمال وايلد المسرحية، تُعرف مجموعة من المسرحيات الكوميدية التي سخر فيها من أخلاقيات المجتمع الفيكتوري المحافظ، وحاول عبر فن الكوميديا الإضاءة على العيوب الاجتماعية والمعايير الأخلاقية التي كانت سائدة في تلك الحقبة الإنكليزية. كانت الكوميديا أداة الكاتب في تعرية الزيف والنفاق الاجتماعي أيضاً، ما سمي بالدانديسم والسنوبيسم. من أهم مسرحياته الكوميدية: “مروحة السيدة يندرمير” 1892، “امرأة بلا أهمية” 1893، والأشهر بين الكوميديات “الزوج المثالي”، 1894.

المثلية عند الرجال كحالة شبقية

كتب وايلد في قصيدته “هيلاس”، 1882:

“انجرف مع كل رغبة بروحي،

على وتر العود حيث تستطيع كل الرياح العزف”

ترتبط المثلية عند الرجال، في الكثير من الأعمال الفنية بالمجون، بالانغماس باللذة، بالإغراق في الممارسة الجنسية، حيث يُختصر المثلي بهويته الجنسية بعيداً من حياته المهنية أو إنجازاته الشخصية. إن الأمر هنا يتطلب التمييز بين الانغماس في اللذة والمثلية الجنسية. الكثير من الشخصيات التاريخية ذات الميول الجنسية المختلفة، انهمكت بالمتع الحسية، واللهو، والممارسات الجنسية الحرة والمنفتحة أشهرهم: كازانوفا، والأديب ماركيز دو ساد. إذاً يجب التمييز بين الانغماس بالحياة الجنسية اللاهية والمكثفة، وبين المثلية الجنسية.

لم تردع العقوبة وايلد عن متابعة التلذذ في حياته الجسدية. خرج للتو من سجن الأشغال الشاقة ليستمر في حياة اللذة والمتع والمجون، التي تعاقبها النظرة الأخلاقية في السينما، فتجعل من مصير الشخصيات اللاهية والماجنة نهاية وخيمة تتجلى بالمرض، الانهيار، الغرق في الجحيم. وهنا يمكن الوقوف عند تعدد الآراء التاريخية حول سبب وفاة وايلد، بعض الآراء ترجح وفاته بمرض السفلس وهو مرض ينتقل عبر الاتصال الجنسي، لكن آراء أخرى تعتقد أن السبب هو النزيف الدماغي والسحايا، ويرجح آخرون أن الأمر يعود إلى فشل عملية جراحية طبية أجريت له في الأذن.

أوبرا سالومة، ريتشارد شتراوس

عام 1893، كتب وايلد واحداً من أهم أعماله الأدبية، مسرحية “سالومي”. سحرته قصة سالومي في التوراة، لكنه أراد كتابتها على طريقته. تتعلق سالومي بالأسير الموجود في سجن الملك هيرود، وهو يوحنا المعمدان، تنجذب إلى شخصيته وأقواله، وحين تحاول التقرب منه، يرفضها. الملك هيرود، زوج أمها، يعشق جسد سالومي ورؤيتها وهي ترقص. رغبة وشهوة شديدة تدفعان الملك هيرود ليقدم لسالومي ما تطلبه مقابل أن تؤدي له رقصة الحواجز السبعة التي تبهره وتجذبه. وحين تؤدي له الرقصة، يكون طلبها هو رأس الأسير يوحنا المعمدان مقطوعاً. حين يضع الجلاد رأس يوحنا المعمدان بين يدي سالومي تقبله من فمه، بعد موته وفقدانه القدرة على رفضها. في الأوبرا التي ألفها الموسيقي ريتشارد شتراوس عام 1905 عن مسرحية “سالومي”، وفي هذه اللحظة التي تقبل فيها سالومي الرأس الميت، تغني أغنية الشغف المحبط والشهوة المكبوتة. إنها مسرحية عن الشغف السادي، الشبق الإجرامي.

منعت المسرحية من العروض حين كتبها وايلد، بحجة أنها تجسّد شخصيات من التوراة، ما اضطرها للحصول على إذن رسمي لعرضها. أمّا أوبرا ريتشارد شتراوس التي حاول تقديمها بعد 12 عاماً، فعرضت ليوم واحد، وأثارت جدالات وآراء، وتم أخيراً منع عرضها وإغلاق المسرح.

المثلية عند الرجال كحالة عشقية

كثيراً ما قدمت المثلية عند الرجال كحالة شبقية، ونادراً ما قدمت كحالة عشق، مرتبطة بالحب والعلاقة. في فيلم “جبال بروكباك”، 2005، إخراج آنج لي، يعمل إنيس ديل وجاك سويفت في رعي بقر، يأخذان القطعان من ملاّكها لرعيها عبر الجبال في أشهر الصيف. هذه العزلة المشتركة السنوية بين الجبال مع قطيع الأبقار خلال أشهر الصيف، أدت إلى تقاربهما، وولدت التعلق العاطفي والجسدي. في فيلم “جبال بروكباك”، تظهر المثلية كحالة عشق، لأن كل منهما ينتظر الصيف المقبل للقاء حبيبه وجسده. كذلك فيلم “سعيدان معاً”، 1997، إخراج وون كار واي، هو حكاية عشق بين ذكرين من الطبقات المهمشة والقابعة في قعر القاع الاقتصادي لمدينة بوينس أيريس – الأرجنتين.

كذلك في فيلم “الأمير السعيد”، تقدم شخصية وايلد كجسد شبق، ولكن أيضاً كحالة حبيب عاشق. إنه يتأرجح في حبه بين ألفريد بوسي دوغلاس، وأدوين توماس، ويدعي أن كلاً منهما يحبه بطريقة لا يمكن للآخر أن يفهمها. هو بحث محموم عن أن يحب ويكون محبوباً من قبل (أوسكار وايلد)، الذي كتب في الكثير من قصائده عن الحب، يقول: “الحب هو كل شيء”، ويتغنى بآلام الحب في أكثر من قصيدة.

عام 1609، كتب شكسبير عمله الشعري الأهم “السوناتات”، واعتبر من أهم الأعمال الفنية في تاريخ الشعر. بعد 280 عاماً من نشرها، قدم وايلد أطروحة تثبت أن سوناتات شكسبير تخاطب بأسلوبها اللغوي، الذكورة. أي أن شكسبير كتب هذه القصائد كتعبير عن مشاعره وعواطفه تجاه الممثل ويلي هوز. هكذا نقل وايلد بتأويله الأدبي لسوناتات شكسبير، واحداً من أجمل الأعمال الشعرية في تاريخ الأدب، إلى إطار التعابير الفنية والشعرية للمثلية عند الرجال.

المثلية عند الرجال كحالة جمالية

في الأسطورة الأغريقية، لدينا حكاية نرسيس، الذكر المهووس بجماله، المفتون بتأمل صورته منعكسة على سطح البحيرة. أيضاً قدّم النحت الأغريقي، ومن بعده فنون الرومان، الجسد الذكوري كحالة جمالية. وتكررت الأعمال الفنية في المرحلة الكلاسيكية التي تجعل من الجسد الذكوري موضوعاً جمالياً لها.

نرسيس الزهري، 1971

السينما أيضاً، تمتلك إمكانات فنية تسمح بالتعامل الدقيق مع الجسد الذكوري كحالة جمالية، ومن أفضل الأمثلة فيلم “نرسيس الزهري” 1971، الفيلم الطليعي جمالياً والمميز أسلوبياً. في فيلم “الأمير السعيد: أوسكار وايلد”، يحضر العري الذكوري، وتستعرض الكاميرا افتتان أجساد الرجال ببعضها بعضاً، لكن بحدود ما يحتاجه السرد، ولا تصل المشاهد أو اللقطات إلى التعامل مع جسد الذكر ببصرية جمالية.

الرواية الوحيدة التي كتبها أوسكار وايلد، “بورتريه دوريان غراي”، 1890، الرسام المفتون بجمال الشاب دوريان غراي، يتغنى به شعراً ويرسمه في لوحة. وحين يطلع دوريان غراي على اللوحة ينبهر بجمالها، ويخشى على نفسه التقدم في العمر والشيخوخة. الطمع ببقاء جماله خالداً، يدفع دوريان غراي للتعاقد مع الشيطان، ليحافظ على شبابه طيلة العمر، مقابل أن تهرم اللوحة بدلاً منه. تالياً، تصبح أحداث الرواية هي الصراعات الذاتية التي يعيشها دوريان غراي، بين البشاعة التي تصيب اللوحة عبر الزمن، والتي هي حقيقته، وبين الزيف الذي جمّل به الشيطان جسده. واحدة من أجمل الحكايات عن الإنسان بمفهوم الجمال، وعن الذكورة المفتونة بجمال ذكورة أخرى.

 

عن الحضور الأنثوي والعري في لوحات محمد الرواس

العبور الجنسي عربياً: ثورة في وجه الاستبداد!

إقرأ أيضاً