fbpx

هنا القصة الثالثة

إلياس خوري

إلياس خوري

مقالات الكاتب

القدس والأبد

في الوصف الإسرائيلي الشائع لمدينة القدس يصر الإسرائيليون على استخدام كلمة الأبد. فالقدس في عرفهم هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.  كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لجأ إلى تعبير العاصمة الأبدية في الخطاب الذي أعلن فيه اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وقرار نقل السفارة الأميركية إليها.
الإصرار على استخدام كلمة “الأبد” لافت، وبالمناسبة فهذه الكلمة ليست حكراً على الإسرائيليين إذ يشاركهم في استخدامها المستبدون العرب، فالشعار الشهير “رئيسنا إلى الأبد حافظ الأسد”، ملأ ساحات المدن السورية قبل أن تضاف إليه النكهة اللبنانية في يافطة عُلقت على مدخل مدينة طرابلس في زمن الهيمنة السورية على لبنان وأضافت الى الشعار الأول تعبير “إلى ما بعد الأبد”. و أغلب الظن أن من صك هذا الشعار أغراه السجع ولم يفكر ملياً في دلالة شعاره الذي صار خلال الثورة السورية، “الأسد أو نحرق البلد”. وإذا كان شعار الأبد يفوق قدرة واضعه على تحدي قانون الطبيعة، فإن شعار إحراق البلد جرى تنفيذه بوحشية مفرطة.
لم أذهب من القدس إلى دمشق بشكل عشوائي، صحيح أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الأبدين، لكنني أردت الإشارة إلى أن لعبة البلاغة والسجع، على رطانتها وضحالتها، قد تنقلب إلى حقائق مروعة. هناك ما يشبه الإجماع في إسرائيل على أبدية القدس كعاصمة للدولة العبرية التي احتفلت بولادتها على انقاض الشعب الفلسطيني منذ تسعة وستين عاماً. دولة فتية لا يشفي غليلها إلا اللجوء إلى الأبد والاحتماء به.
لكن ما معنى كلمة الأبد؟
يميز ابن منظور في “لسان العرب” بين الأبد والأزل، فالأبد هو “مدى الدهر” والأبد “ظرف زمان للمستقبل”، أما الأزلي “فلا بدء له”. المعلم بطرس البستاني في قاموسه “محيط المحيط” يربط بين الكلمتين، “الأزل دوام الوجود في الماضي كما أن الأبد دوام الوجود في المستقبل”. الأزلي صفة تطلق على الله، أما الأبدي فلا يمكن تخيله إلا في نهاية الزمن. تعبير الأبد لا مكان له الا في اللغة الأسطورية، أما في التاريخ فالأبد لا وجود له إلا حين ينتهي التاريخ.
الإنزياح الأيديولوجي الذي تشهده الصهيونية في اتجاه الخطاب الديني- القومي، هو نتاج الحمى الإستيطانية وشهوة ضم الضفة الغربية إلى الدولة العبرية. في القرن التاسع عشر وجد الإستيطان الصهيوني قاعدته الفكرية في المشروع الكولونيالي الأوروبي، أما في القرن العشرين فإن إسرائيل اكتسبت “شرعيتها” الدولية من المحرقة النازية. اليوم تجد الصهيونية قاعدتها الإيديولوجية الوحيدة في الدين. مسوغات القرنين الماضيين انتهت، الكولونيالية اندثرت فكرياً والمحرقة النازية صارت جزءاً من تاريخ الوحشية الأوروبية. الاحتلال والتوسع الإستيطاني لا مسوغ لهما سوى في الأسطورة التوراتية، لذا كان لا بد من الأبد الديني الذي يتعالى على التاريخ ويضع نفسه في صلب لاهوت سياسي عنصري وتمييزي.
نستطيع أن نسخر من هذه الحمّى الدينية التي ستنتهي إلى وأد الديموقراطية التي يتمتع بها الإسرائيليون اليهود ويُحرم منها الفلسطينيون في اسرائيل وبقية المناطق المحتلة، لكن يجب أن لا يغيب عن وعينا مسألتان، الأولى وهي خطورة الأبد الإسرائيلي، لأن الأسطورة جميلة ومسلية في الكتب، أما حين يأتي من يحولها إلى سياسة، فهذا يعني أننا أمام وحش لا تستطيع قوانين البشر أو أعرافهم ضبطه، لأن ما يحركه هو رؤيا خلاصية لا تقيم أي وزن للضحايا. من هنا فإن الدعم البلاغي الذي قدمه رئيس أميركي يعاني من عظامية المليونير ووحشية النبي الكاذب يجب ان لا يُستخف به. إنها بلاغة تصب في المبنى الأسطوري وتدفع به إلى مزيد من التصلب العنصري الذي لا ينذر سوى بالكوارث.
والمسألة الثانية، الاندفاع العربي إلى تبني اللغة الإسرائيلية، فتصير القدس العاصمة الأبدية لفلسطين بحسب الخطاب العربي السائد. الواقع أن بلاغة الأبد الاسرائيلي تملك دولة وجيشاً وعقلانية عنصرية ووحشية، أما الأبد العربي فلا يملك سوى الصدى. يستطيع زعماء العرب وملوكهم، كما تستطيع السلطة الفلسطينية التغرغر بالأبد، لكنه أبد فارغ إلا من المعنى الديني والأسطوري والفاشي الذي لم يجلب لدولهم سوى الدمار. المسألة ليست لغوية إذ لا وجود للأبد إلا في الوهم والجنون.
إسرائيل الصهيونية تزرع في انعطافتها الدينية الفاشية بذور اندثارها، واذا كان الربيع العربي المجهض حمل أفقا عربياً لم يتسنّ له أن يتبلور، فإن الإنتفاضة الفلسطينية المقبلة تستطيع إذا تحررت من الأبد وقطعت مع نظام الاستبداد العربي أن تشكل أفقا. في مواجهة الأبد الإسرائيلي علينا أن نبني الأفق الفلسطيني والعربي.  

إقرأ أيضاً