fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

إيلي عبدو

مقالات الكاتب

القدس إذ تخفي حروبنا وتحتقر الجاز والمثليين

للقضية الفلسطينية لدى الوعي العربي بعد تذنيبي، كلما فتر قليلاً عاد بقوة أكثر. والذنب إذ تمثل بالابتعاد عن مبادئ وأدبيات مواجهة العدو، فإن التوبة والتصالح مع الذات السياسية التي جوهرها فلسطين، هو استعادة الحماسة الأولى لنصرة الأقصى و”رمي إسرائيل في البحر”. وبين الذنب والتوبة، لا يلعب الزمن دوراً في تغيير القناعات، من يتحمس لمسألة القدس اليوم بعد قرار الرئيس الأميركي بإعلانها عاصمة لإسرائيل، يملك الوعي الذي درج خلال حرب 1967.
وهو، أي العربي المتحمس، تعطل نضاله بفعل انشغاله بقضايا تتعلق بوطنه، من ثورات وحروب أهلية وصراعات مذهبية. أما وأن القدس “تسلب” من العرب والمسلمين، فإن ما هو داخلي القصد منه حرف الانتباه عنما هو مركزي، والتوبة واجبة للتكفير عن ذنب الوقت الذي أهدر وسط تجاهل القضية الأم.
وإذا كانت دواخل الدول العربية، التي يجري التكفير عن الاهتمام بها، تزدحم بالتناقضات، فإن وظيفة قضية القدس محو هذه الأخيرة وإلغائها. ذاك أن أحد الأصوات التي ارتفعت غضباً لأجل “مسرى النبي”، شكر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لأنه أعاد “توحيد العرب” ضد ” الكيان الغاضب”.
و”الوحدة” تلك، ترجمت بقوة في بلدان الحروب الأهلية، ففي العراق، الذي تتطاحن مكوناته، خرجت إحدى الوكالات الإخبارية بعنوان، “القدس توحد السنة والشيعة”، وفي سوريا تنافست المعارضة والنظام على إبراز الولاء للقضية وسط تخوين متبادل بالعمالة لإسرائيل.
وفي بلدان أخرى، توحدت الأنظمة مع الشعوب في الموقف الداعم للقدس، ففي الأردن مثلاً الذي يضبط التوتر بين مواطنيه من أصول هاشمية والفلسطينيين، هتفت التظاهرات التي خرجت بحياة الملك الحريص كل الحرص على اتفاقية وادي عربة.
وحده لبنان، الذي يتولى دائماً بسبب قدم تركيبته ورسوخها مهمة كشف التواطؤات الكابتة لصراعاتنا الباردة والحارة، استعاد السجال حول حربه الأهلية، بعد توجه متظاهرين لبنانيين وفلسطينيين، للاحتجاج أمام السفارة الأميركية التي صدف تواجدها في منطقة مسيحية. اعترض سكان هذه المنطقة على الخطوة، خصوصاً بعد حدوث أعمال شغب محدودة، وخرج إعلاميين وسياسيين للقول أن “طريق القدس لا يمر بعوكر”، مستعيدين تصريحاً مشكوك في مصداقيته للقيادي الفلسطيني أبو أياد، مفاده أن “طريق القدس لا تمر بجونيه”.
الاستثناء اللبناني لم يؤثر على الاجماع الرامي إلى قلب الأولويات وإعادة موضعة القضية الفلسطينية في الصدارة، خصوصاً أن وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل كان الأكثر مزايدة وحماسة بين نظرائه العرب الذين حضروا اجتماعاً للجامعة العربية تنديداً بقرار ترامب.
ولعل الأخطر، من استعادة الوعي الحماسي والشعبوي للقضية الفلسطينية، ونفي تناقضاتنا ومشاكلنا، هو ربط هذا الوعي بما هو ثقافي وقيمي. فالنائب في البرلمان السوداني، الطيب مصطفى، انتقد دعوة السفارة الأميركية في الخرطوم لفرقة جاز لإحياء حفلات في البلاد، في وقت يهتز فيه العالم العربي والإسلامي احتجاجاً على قرار ترامب بشأن القدس، قائلاً ، “في اليوم الذي أصدر فيه ترامب قراره بسرقة قُدسنا الشريف، واعتبارها عاصمة لبني صهيون، تُرسل أميركا إلينا فرقة لموسيقى الجاز لتقديم حفل صاخب في أكبر ساحات الخرطوم (الساحة الخضراء)”. وأضاف، “بالله عليكم هل من تفاهة واستفزاز أكبر من أن تُعلن سفارة عدو الإسلام والمسلمين ترامب، أن الفرقة الأميركية ستزور الخرطوم وعدة مدن سودانية لإقامة حفلات بهدف بناء جسور التواصل وتعزيز التفاهم المتبادل بين شعبي البلدين”.
إذا، كل ما يأتي من الولايات المتحدة (عدو الإسلام) ثقافياً، مرفوض، خصوصاً الجاز، الذي يربطه النائب، بالقرار الأميركي لا بالتوقيت كما بدا من كلامه، وإنما بالإساءة أيضاً. أميركا هنا واحدة في قراراتها المنحازة لإسرائيل وفي موسيقاها وفنها و ثقافتها.
الكاتب التونسي نزار أبو ليحة، راح أبعد في إسقاط قرار ترامب ثقافياً، فانتقد في مقال نشره في صحيفة “القدس العربي” بعنوان “هل تقبل تونس مثلية هولندا”، تمول السفارة الهولندية في بلاده لتأسيس إذاعة خاصة بالمثليين تبث عبر الانترنت. فكتب “ليس الأميركان وحدهم من يحاول القفز فوق التاريخ والقانون. فكثيرون غيرهم يفعلون الأمر نفسه. أما آخر دليل فهو ما قامت به دولة أوروبية صغيرة هي هولندا مع بلد عربي صغير هو تونس في عز الانشغال العالمي بما يجري للمقدسات الاسلامية في فلسطين”، مضيفاً، “سيكون من الصعب أن نتخيل أن الشعب الذي وقف ضد قرار ترامب بشأن القدس، سيستمر طويلاً بالوقوف مكتوف الأيدي ضد محاولات هولندا لضرب مقدس آخر في بلده وهو الأسرة”.
الأسرة تعادل القدس في وعي الكاتب، وهولندا أميركا، وإسرائيل المثليين، ترسمية تنتمي إلى تفكير صاحب الوعي المتجوهر حول فلسطين، وعي لا يكتفي برفض الغرب سياسياً لانحيازه لإسرائيل وإنما ثقافياً وقيمياً.
ففيما فلسطين، تمثل القيم الإيجابية التي تقرها الثقافة السائدة في المجتمعات العربية، فإن إسرائيل يمكن أن تصبح أي أقلية لا يقر الإجماع العام بوجودها، ويحاربها ويلغيها.

إقرأ أيضاً