fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

القتل الخطأ… كيف يؤثّر في حياة مُرتكبيه؟

تقول بام أور، “لا يمر عليّ وقت لا أفكّر فيه بالأمر، حتى وأنا أضحك أثناء حفلة ما”.

لقد كان يوماً صيفياً حاراً قبل نهاية السنة الدراسية الأولى في المرحلة الثانوية. قضت أور وأصدقاؤها الظهيرة في بركة يسبحون بالقرب من وسط ولاية تكساس. كانت تقود على طريق ريفي متجهةً إلى المنزل، مع اثنين من أصدقائها يركبون معها عندما انزلق إطار سيارتها الأمامي. حاولت تصحيح المسار لكن السيارة دارت حول نفسها. وكانت هناك سيارة أخرى آتية من التل، ارتطمت بالجانب الذي يجلس فيه الركاب. وانتهى كل شيء.

استيقظت في المستشفى. لم يقل أي من الأطباء أو الممرضات شيئاً عما حدث للشابين اللذين كانا معها في السيارة. ولكن والدها أخبرها في النهاية: لقد توفيا.

بعد أن تزوّجت أور وأنجبت 3 أطفال بعد ذلك بسنوات، وجدت أن التفكير قد أنهكها وأن قواها قد استُهلكت بفكرة أن أطفالها الثلاثة سيموتون كنوع من الثأر الكوني.

أومأت برأسي وأنا أستمع لقصتها. تبدو كالكثير من القصص الأخرى التي استمعت إليها عن حالات القتل من طريق الخطأ على مر السنين. في البداية، فور وقوع الحادث، تنتابك الصدمة ثم تنتابك ذكريات -يملؤها الخزي- عما حدث. ثم أفكار عن الكارما والعدالة الوشيكة التي تتدلى، كسيف ديموقليس، على رأس مَن أخطأ – وتحيط به في كل لحظة حتى وهو يقهقه في السهرات والحفلات.

هل يستطيع الناس المضي قدماً في حياتهم بعد القتل من غير قصد؟ أفكر كثيراً في هذا السؤال لأنني فعلت ذلك أيضاً.

كنت في الـ 19، بعد أسابيع قليلة من انتهاء مخيم تدريب مشاة البحرية، وكنت بدأت لتوي السنة الأولى في كلية اللاهوت في غرب ولاية فرجينيا. كان ذلك عشية يوم الأحد، عندما ارتديت أنا ورفيقي في السكن، استعداداً للذهاب إلى الكنيسة، سترة وربطة عنق كما تفرض قواعد الكلية. كنا في ذلك الحين شابين غارقين في عالم الإنجيلية الأصولية، متجهين إلى ما يعتبره كثر من الإنجيليين أعظم قداس: قداس ليلة الأحد.

كنت أقود سيارتي، “الفولكس فاغن سوبر بيتل 1973″، التي أُصلحت أخيراً. وكنا عند منعطف في الطريق، عند الساعة الخامسة والنصف تقريباً، حينما ألقت أشعة الشمس الغاربة بوهجها على عينيّ ومنعتني من الرؤية بوضوح، حدقت بعينين نصف مغمضتين وحاولت استخدام حاجب الشمس الخاص بالسائق، بحثاً عن الظل. شعرت بأنني غير متمكن من القيادة في الحارة التي كنت عليها، فحاولت أن أتوجه للحارة اليمنى. وبينما أنا أفعل رأيت سيارة Jeep حمراء تمشي بالفعل في هذه الحارة. انحرفت بالسيارة لأرجع مرة أخرى للحارة التي كنت عليها، لكن السيارة انحرفت أكثر مما ينبغي.

ارتطم جانب السائق في سيارتي بلوح صلب كان قائماً على الرصيف الإسمنتي الذي يفصل بين الشارعين. دمّر اللوح الجزء الأمامي للسيارة على الفور، ما أعاق عجلات السيارة عن الدوران، وأدى إلى كسر في ركبتي وألقى بنا إلى الطريق المعاكس.

والذي أذكره بعدها هو جلوسي في سيارتي التي توقفت، مُتفقداً إن كان زميلي في السكن الذي يجلس على المقعد المجاور ما زال حيّاً. بدا أنه بخير. خرجت وكنت أشعر بألم حاد في رجلي. توقفت حركة المرور تماماً. وكانت هناك سيارة أخرى محطمة على جانب الطريق. ثم رأيت دراجة ناريّة ملقاة على جانبها.

كانت هناك امرأة ترتدي خوذة على بُعدِ بضعة أقدام مني. كان عنقها ملوياً بزاوية غريبة، وبطريقة ما علمت أنها لقيت حتفها. كما رأيت رجلاً على الأرض، وذهبت إليه. كان ملقى على بطنه، وكنت أرى الدم يسيل من بين رجليه على الإسفلت.
نظر إلى أعلى وقال “تباً لك يا رجل”. رددت قائلاً إنني آسف، لقد تفوهت بها -عندما التقت أعيننا- آلاف المرات تقريباً في هذه اللحظات القليلة. خلعت ربطة عنقي الحمراء وحاولت أن أوقف نزيفه.

لاحقاً، في المستشفى، أخرج الممرضون زجاج النافذة الأمامية للسيارة من يدي، ووضعوا مُثبّتاً على ركبتي. وأخبروني أنه سيبقى يؤلمني لبعض الوقت. وبالفعل هذا ما حدث. هذا ما أردته أن يحدث. أردت أن أشعر بأي شيء آخر غير الشعور بأنني كان يجب أن أموت بدلاً من تلك المرأة.

رجعت إلى البيت في هذه الليلة. وكان زميلي في السكن مصدوماً، ولكنه لم يكن مصاباً إصابة بالغة. خلدت إلى النوم، وفي صباح اليوم التالي أتى العميد المسؤول لزيارتي. كنت ما أزال مستلقياً على السرير. سحب كرسياً وفتح نسخته العملاقة من الكتاب المقدس نسخة الملك جيمس. قرأ فقرة من الكتاب المقدس العبري عن “مدن الملجأ” الغامضة، وهي ملاذ قديم وآمن لكل قاتل نفس سهواً أو خطأً. يفر إليها الجاني هرباً من انتقام أسرة الفقيد ويعيش هناك إلى أن يموت رئيس الكهنة اليهودي. وعندئذٍ يُمكن للجاني أن يرجع إلى بيته ومدينته إذ صار بمنأى عن التعرض المحتمل لأن يُقتَل انتقاماً.

قال القس، بعد قراءة هذا السفر من الكتاب المقدس، “لقد وضع الله نصاً حول ما حدث لك”. لا أذكر ردي حينها. أذكر فقط حيرتي تجاه الأسباب التي دفعته ليقرأ لي هذه الفقرة تحديداً.

لم أذهب لتلقي المشورة ولم يُعرض عليّ ذلك. لم أتحدث عما حدث مع أي شخص. شعرت بالذنب لأنني نجوت بينما لاقت امرأة حتفها، كنت أعلم أنني سأحمل هذا الثقل إلى الأبد. ما زلت أذكر تحديقي في الحائط الأبيض وشعوري وكأنني أندفع نحوه. وإن غفوت أستيقظ مرتعشاً من الإحساس بأنني أندفع من دون سيطرة نحو الدراجة الناريّة.

كنت أعرج على عكازين لبضع أسابيع، وبحلول الشهر الذي تلاه عدت للقيادة مرة أخرى. المرة الأولى التي قدت فيها، عانيت من أعراض الإجهاد اللاحق للصدمة – أعيش مرة أخرى الشعور بالعجز والضعف، كلما مررت بمنطقة إنشاءات، وأشعر بأنني أعيش لحظة الارتطام التي مررت بها.

بالنسبة إلي، لا تمرّ عليّ لحظةٌ لا أفكر فيها في الحادثة

بعد مضي شهور، تمّتْ مقاضاتي وكان عليّ دفع 2.5 مليون دولار. قدمت إفادة عما حدث، ولأنني طالب جامعي فقير ولأن والدي كان قساً فقيراً يعيل 6 أطفال ولأسباب أخرى لا أعلمها أُغلقت القضية. ربما لأنني لم أكن ثملاً أو مُسرعاً أثناء قيادتي وقت الحادث.

لكن، بشكلٍ أو بآخر، كنتُ أعلم أن ما فعلته هو خطأ وشرّ. لقد قتلتُ امرأة. وأعلم أنه ليس بيدي شيء يمكنني فعله لتجنب ما حدث. لم يكن هناك مكان يمكنني الذهاب إليه للتخلص من شعوري بأنني لم أعد خيِّراً. وبالطبع لم يكن هناك “مدينة ملجأ” يمكنني أن أمضي فيها أيامي لأعيش إلى أن يموت بيلي غراهام أو رئيس الكهنة.

مع وقوع 40 ألف حالة وفاة جرّاء حوادث السير سنوياً في الولايات المتحدة، إضافة إلى الحوادث الكثيرة الناجمة عن الأسلحة النارية أو الأعطال الميكانيكيّة أو حوادث إطلاق نيران صديقة أو قتل المدنيين في الحروب التي تخوضها دولتنا. هناك آلاف وآلاف قاتلي النفس سهواً أو خطأً. بعضهم مشهور مثل لورا بوش، التي كتبت في مذكراتها كيف فقدت إيمانها بالله في الليلة التي قَتَلت فيها زميلها في الثانوية خطأً في حادث سيارة.

وعلى رغم من ذلك، يبقى معظمنا أسرى للصمت، يُهلكنا الخزي والقلق من أننا سندفع ثمن هذه الدماء يوماً ما.

لستُ فقط قاتلاً من طريق الخطأ، ولكنني أيضاً من المحاربين القدامى، وقد خدمتُ كقسيس في العراق. بعدما عُدت لبلدي، عرفتُ عن المفهوم الناشئ الذي يُدعى “الضرر المعنوي”. يشير الضرر المعنوي أو الأخلاقي إلى الذنب والندم الذي يشعر به العديد من المحاربين عقب مشاركتهم في أفعال تكسر القانون الأخلاقي الخاص بهم. إن اعتدى عليك أحدهم، فستعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؛ أما إن اعتديتَ أنت على على أحدهم، ولو عن طريق الخطأ، فستعاني من الضرر المعنوي.

إن من يعانون من الضرر المعنوي يتساءلون إن كان بإمكانهم أن يصبحوا جزءاً من المجتمع الإنساني العادي مجدداً. تمنحنا الحروب التي تمثل عالَماً يخلو من أي بوصلة أخلاقية الكثير من الفرص التي تجعلنا نسأل إن كنا خيّرين وأسوياء حقاً. لقد لاحظتُ أن كثراً من أصدقائي المحاربين أصبحوا نباتيين الآن، إذ لا يريدون قتل أي شيء بعد اليوم. أجد نفسي في هذا المعسكر أغلب الوقت وأشعر بالانتماء إليه.

على رغم أنني لم أستوعب تماماً ما حاول العميد قوله لي صبيحة حادثة القتل الخطأ، إلّا أنني تَأمّلتُ تداعيات قصته لسنوات. هل يمكن أن يكون هناك حكمة ما لهذه الممارسات القديمة؟

‏تؤمن الأخصائية النفسية ماريان غراي بذلك، والتي قَتَلت نفساً خطأً، إلا أنها تُفضّل لقب CADI: “أي المُتسبب في إصابة أو قتل خطأ”. تحدثتُ معها عبر الهاتف وشكرتها على ما فَعَلت من أجل قاتلي النفس خطأً. ساعد موقعها الإلكتروني كثراً منهم على مشاركة قصصهم. وهو المصدر الوحيد الذي استطعتُ أن أعثر عليه حول القتل الخطأ.

يمثل هذا الموقع الإلكتروني “مدينة ملجأ” افتراضية. يروي كثر من زائري الموقع الإلكتروني قصتهم للمرة الأولى ويوفر الموقع الفهم والمصادر والشعور الجوهري بأن القاتلين من الطريق الخطأ ليسوا وحدهم. أظهرت غراي، بالفعل، ‏كيف بإمكان القاتلين خطأً أن يشعروا بتحسّن ورضا عِند مساعدتهم CADIs، آخرين أحدث عهداً في هذه التجربة، على اجتياز الأيام والأسابيع والشهور الأولى عقب حادث القتل خطأً.

‏إن القدرة على مشاركة قصة المرء مع آخرين ممن مرّوا بتجربة مشابهة هي شفاء في حد ذاتها – وشيء نادر الحدوث. أذكر مشاركة قصتي مع صديقتي منذ سنواتٍ، ولم أجد منها رداً سوى “هذا فظيع. لا أعتقد أنني أستطيع أن أفكر بك وأراك كالسابق مرة أخرى”. تعلمتُ حينها أنني لا يمكنني رواية هذه القصة إلا لأشخاص محددين، لا لأي شخص. كنتُ أحتاج أن أشعر بالأمان والاطمئنان والتفُّهم.
أنا ‏أؤمن بأن القاتلين من دون قصد يشعرون بالذنب، على رغم ما يقوله لنا الجميع بأنه لم يكن خطأنا، وذلك بسبب غريزة في دواخلنا تذكِّرنا بأن العين بالعين، والنفس بالنفس. حتى ولو كان خطأً أو عن غير قصد، لا بد أن يدفع شخصٌ الثمن. بعد مرور سنوات على حادثتي، اشتريت دراجة نارية و‏كنتُ أقودها بجنون. ‏كان منطقي أنني إذا ارتطمت أو وقع حادث ولقيتُ حتفي فسوف تتحقق العدالة.

‏لم يخبرني أبداً أي من قاتلي الخطأ الذين تحدثتُ معهم عن وجود طريقٍ واضحٍ لاجتياز الأمر والشفاء. حتى الطريق الذي وجدتُه واخترتُه لنفسي لم يكن واضحاً على الإطلاق، وخيَّمت عليه الممارسات والشعائر القديمة لنيل الغُفران، والتي لا تجد رواجاً في ثقافتنا الحديثة القائمة على الأدلة الملموسة.

‏سعت الأديان القديمة إلى استعادة الوئام للقبيلة والمجتمع بعد وقوع وفاة، والتي كانت دائماً خسارة كبرى لأمن المجتمع وقوته وترابطه. في حالة المفهوم اليهودي القديم لمُدُن الملجأ، كان قاتلون من طريق الخطأ، ينالون الغُفران عندما يموت رئيس الكهنة؛ بدا وكأن وفاته سدّدت دين كل قاتل خطأ على الأرض.

قبل بِضع سنوات في مؤتمر للمحارِبين القُدامى، شاركتُ في طقوس تطهيرٍ يمارِسها سكان أميركا الأصليين (الهنود الحُمر) بعد الحروب. كانت الطقوس، والتي تخص قبيلة “كوشاتا” في ولاية لويزيانا، درامية وبسيطة في الوقت نفسه؛ شرَحَت المرأة المسؤولة عن أداء تلك الطقوس كيف كانت تستخدم ريشة نسرٍ لتقطيع جِلدي لكي يستطيع شخصٌ جديد الخروج من هذا الجِلد القديم والعودة إلى المجتمع بعد الحرب. هناك طقوس استشفاءٍ مشابهة في قبيلتي “زوني – Zuni” و “نافاهو – Navajo”، وتُشجِع “إدارة الأميركيين الأصليين” في أميركا السكان الأصليين على اعتبار تلك الطقوس عنصراً في رحلة الاستشفاء بعد الحروب.

لستُ فقط قاتلاً من طريق الخطأ، ولكنني أيضاً من المحاربين القدامى، وقد خدمتُ كقسيس في العراق

أما المسيحية، ديانتي الشخصية، فتولي الأهمية ذاتها لما يتعلق بالدم (بالدِيّة). يؤمن المسيحيون بأن السيد المسيح قد مات ليُكفِّر عن خطايانا، وكثيراً ما تساعدنا الشعائر والتعاليم المرتبطة بالمسيح المُعلَّق على الصليب في التكفير عن ذنوبنا، وبخاصةٍ تلك الذنوب والآثام التي لا يمكن غفرانها بمجرّد اعتذارٍ بسيط.

تُقدِّم الطوائف المسيحية المتعددة الكثير من الأساليب المختلفة للحصول على هذا الغُفران. ولعل أشهر هذه الطرائق هي الاعتراف بالذنوب والخطايا أمام القِس. إلا أن هناك الكثير من الطقوس الأخرى: كطقس “نِداء المذبح” في الكنيسة المعمدانية (وهو طقسٌ قديم يتقدم فيه أولئك الراغبون في تجديد التزامِهم الروحي بالسيد المسيح إلى المذبح أمام الجميع) أو تلاوة الصلوات مع الرهبان والراهبات من حركة “الخمسينية” – مثل هذه الطقوس يمكن أن تكون مكاناً يستطيع فيه الأشخاص التحرر من العبء الأخلاقي الناجم عن القتل خطأ.

قمتُ بتأسيس منظمة، وهي “زمالة الأساقِفة من المحاربين القُدامى”، تهدف لتثقيف المنتمين إلى طائفتِي حول الضرر المعنوي الذي يعاني منه قدامى المحاربين وتوفير مجتمعٍ لهم داخل الكنيسة وخارجها. نعقد كل عام اجتماعاً في معهدٍ لاهوتيٍ في مدينة أوستن، تِكساس، حول الضرر المعنوي الذي يعاني منه الجنود السابقون. وفي “يوم المحاربين القُدامى” لهذا العام، حضر الاجتماع 75 شخصاً من المحاربين القُدامى ومقدمي الرعاية لمعرفة المزيد حول الأضرار المعنوية وكيف تستطيع المجتمعات المحلية مساعدة هؤلاء الجنود السابقون على الشفاء. أنا أحلُم باليوم الذي ستُعقَد فيه اجتماعاتٌ يستطيع فيها مرتكبو القتل خطأً أن يختبروا الاستشفاء كما اختبره قدامى المحاربين في ذاك الاجتماع.

بالنسبة إلي، لا تمرّ عليّ لحظةٌ لا أفكر فيها في الحادثة. وبالمثل، لا تمر عليّ لحظةٌ لا أتذكر فيها ركوعي أمام قِس في كنيسة فارغة، يضع يده على رأسي، وهو يتلو هذه الكلمات “الآن يعمّ السرور أركان السماء، لأنك كنتَ ضائعاً وهُديت، كنتَ ميتاً وقد أُحييت؛ باسم إلهنا يسوع المسيح، اذهب بسلام، فقد غَفر الرب جميع خطاياك”.

هذا الموضوع مترجم عن موقع The Guardian ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً