الفلسطينيون يتظاهرون ضد الجريمة… هل ينجحون؟

الخطوات النضالية التي يقوم بها الفلسطينيون مهمة ويجب الاستمرار فيها، لكنها لن توقف الجرائم وعصابات الإجرام من المجتمع الفلسطيني، طالما أن نتانياهو يتصرف وكأنه وحكومته ليسا شريكين في الأوضاع الكارثية التي يعيشها فلسطينيو الداخل...

تمكن الفلسطينيون في فلسطين التاريخية من الانتصار على ذاتهم وعلى سلبيتهم بالاكتفاء بتوجيه الاتهامات للحكومة الإسرائيلية والأجهزة الأمنية، بخاصة جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة المتواطئين، وتقاعسهما عن تحمل المسؤولية في محاربة الجريمة، ووضع حد لهما في صفوف فلسطينيي الداخل. نجح الفلسطينيون بالنزول إلى الشوارع تعبيراً عن غضبهم ورفض ظاهرة جرائم القتل المنتشرة في المجتمع الفلسطيني.

انتفاضة ضد الجريمة عمت جميع المدن الفلسطينية، فنظمت حراكات ووقفات وتظاهرات احتجاجية عارمة، في مداخل الناصرة ومجد الكروم وأم الفحم والبعنة، وعبلين ودير حنا وسخنين والطيبة، وكفر كنا وطمرة وشفا عمرو، ضد العنف والجريمة وتواطؤ الشرطة. وطالب المحتجون بالضغط على الحكومة الإسرائيلية والشرطة لاجتثاث العنف ومكافحة الجريمة وجمع السلاح من المدن والقرى الفلسطينية. 

وحملت هذه الاحتجاجات عناوين “مكملين” و”الجمعة نغضب لأنفسنا”، بعض هذه الاحتجاجات شعبي عفوي وبعضها منظم، دعت إليه لجنة المتابعة للجماهير العربية المسؤولة عن متابعة شؤون الفلسطينيين في الداخل. وتوحد الشارع والأحزاب المتهمة أيضاً بعدم قيامها بدورها في مواجهة السياسات الإسرائيلية التمييزية والعنصرية ضد فلسطينيي الداخل. 

ووفق معلومات نشرها مركز “أمان” لمكافحة العنف في المجتمع العربي في إسرائيل، فإنّ عدد الضحايا الفلسطينيين، الذين قتلوا منذ عام 2000، وحتى اليوم بلغ 1383 قتيلاً، جراء جرائم نُفّذت 75 في المئة منها بإطلاق النار، ومنذ بداية عام 2019، قتل 72 فلسطينياً بينهم 11 امرأة، لغاية هذا الشهر. وبحسب مركز “ركاز” قُتل 76 مواطناً في جرائم قتل مختلفة في المجتمع العربي، خلال عام 2018 ويُستدل من المعطيات المتوفرة، على أن 14 امرأة قتلت منذ مطلع عام 2018، بينما قُتل 62 شخصاً بجرائم مختلفة، ارتكبت بمعظمها، بالسلاح الناري، فيما ارتكبت أخرى بالاعتداء والطعن بالسكاكين والآلات الحادة والدهس. وتكررت المشاهد المأساوية وانعدم الأمن والأمان إثر تزايد أعمال العنف والجريمة في البلدات العربية بالبلاد، وسط تقاعس الشرطة وصمت المواطنين، ما يفتت النسيج المجتمعي. بينما قُتل 72 مواطناً عربياً، بينهم 10 نساء في جرائم قتل مختلفة عام 2017. 

 

إن النضال ضد العنف والجريمة يوازي النضال ضد العنصرية والتمييز والسياسات الإسرائيلية، وتجاهل حقوق الفلسطينيين وتعامل الشرطة الإسرائيلية مع الفلسطينيين كأعداء وليس كمواطنين، فتستمر الجريمة.

 

وتشير الاحصاءات أن ارتفاعاً بنسبة 65 في المئة طرأ على عدد ضحايا جرائم القتل، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، إلى جانب مئات الإصابات في جرائم إطلاق نار وطعن ودهس وغيرها. 

التظاهرات المستمرة في الداخل الفلسطيني أجبرت رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، على التصريح بأنه اتُّفِقَ على “تخصيص قوات شرطة إضافية وتشديد الإجراءات بغية مواصلة الجهود التي من شأنها مكافحة ظواهر العنف في البلاد”. 

الخطوات النضالية التي يقوم بها الفلسطينيون مهمة ويجب الاستمرار فيها، لكنها لن توقف الجرائم وعصابات الإجرام من المجتمع الفلسطيني، وطالما أن نتانياهو يقول فعلى جميعنا العمل بشكل يتحلى بالمسؤولية وبالتعاون بين بعضنا بعضاً، من أجل مكافحة العنف، فنتانياهو يتصرف وكأنه وحكومته ليسا شريكين في الأوضاع الكارثية التي يعيشها فلسطينيو الداخل والعنف والجريمة.

صحيح أن المسؤولين في المجتمع الفلسطيني في الداخل قد وجهوا الاتهام المباشر لشرطة إسرائيل، وتعامل الشرطة مع الجريمة “متساهل وناعم” وفقاً لضباط كبار في الشرطة الإسرائيلية، نقلت تصريحاتهم القناة 12 الإسرائيلية، ما يؤدي إلى مزيدٍ من العنف عموماً. والشرطة تجد صعوبة حتى في حماية نفسها من العنف والجريمة، والنظرة العربيّة تجاه الشرطة لا تزال سلبية. 

ذلك كله لا يكفي في مواجهة العنف، والقول إن ظاهرة العنف في المجتمع العربي خطيرة جداً، وتنذر بكارثة اجتماعية محدقة، وتتطلب معالجة جذرية من قيادة الشرطة والمسؤولين في وزارة الأمن الداخلي، الذين لم يعملوا على إعداد خطة واضحة لمحاربة العنف والجريمة. كما أن تقصير الشرطة في محاربة الجريمة، وانعدام الردع اللازم لحالات الإجرام، هو ما يؤدي إلى استمرار حالات القتل، وتزايد نسب العنف. لكن هذا كله بحاجة إلى نضال يومي مستمر من القيادات السياسية والمجتمعية الفلسطينية.

كل ذلك يتطلب توحيد الجهود الفلسطينية في الداخل لمواجهة العنف والبطالة وتدهور القيم في المجتمع الفلسطيني وغياب دور المؤسسات الفلسطينية والقيادات السياسية عن التأثير في ذلك.

الحكومة الإسرائيلية تتحمل المسؤولية الأولى في عدم مواجهة العنف والجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل، وأوضح تقرير إسرائيلي خاص نشر في شهر آب/ أغسطس العام الماضي، أن أجهزة الأمن، وبخاصة الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)، فشلت في منع انتشار السلاح غير المرخص في المجتمع العربي، الأمر الذي كان له الأثر الهائل على ارتفاع نسبة الجريمة في الشارع العربي. 

ووفقاً للتقرير المذكور، فإن انعدام التنسيق بين الشرطة، والشاباك، والجيش الإسرائيلي، أدى إلى فقدان معلومات استخباراتية في التحقيقات، بشأن انتقال الأسلحة في المجتمع الفلسطيني، وبخاصة في الحالات التي حققت جهات عدة فيها بالتوازي. وعلى رغم ادعاء الشرطة بأنها تحارب ظاهرة حيازة السلاح واستخدامه في المجتمع الفلسطيني، إلا أن الواقع يؤكد أن عدد هذه الجرائم ارتفع، الأمر الذي يدل على عدم مواجهة الشرطة بشكل فعال هذه القضية.

ولمواجهة الجريمة تعمل المؤسسات الإسرائيلية على دمج الشباب الفلسطيني في الجيش والشرطة والخدمة المدنية على إثر زيادة نسب العنف والجريمة، وتقوم (إسرائيل) بتشجيع الشباب الفلسطيني للانخراط في الجيش للابتعاد من الجريمة، في ظل البطالة، من خلال مشاريع ينفذها جهاز الأمن الداخلي مثل مشروع “بلدة بلا عنف”، وهدفه المعلن محاربة العنف والجريمة، غير أن معيار نجاح المشروع هو عدد المنتسبين إلى الخدمة المدنية. 

إسرائيل ومؤسساتها لم تضع سياسات وبرامج من أجل الحد من الجريمة، وقالت الحكومة الإسرائيلية المتعاقبة إنها خصصت ميزانيات خاصة، لمكافحة العنف والجريمة، ومنحت صلاحيات غير محدودة للموظفين في الوزارات، لتحديد سلم الأولويات وطرائق صرف الميزانيات. إلا أن المسؤول عن الصرف هي وزارة الأمن الداخلي، وهي مسؤولة عن برامج مكافحة العنف والجريمة، وهؤلاء هم أنفسهم من يشجعون الجريمة بطرائق مختلفة، كما أنهم لا يعملون على صرف هذه الميزانيات للمجتمع الفلسطيني.

في الواقع تبدو الأمور صعبة، في غياب أي تحرك حقيقي من خلال اللجان التمثيلية لفلسطينيي الداخل، ولجان الرقابة المهنية من داخل المجتمع الفلسطيني، لمراقبة العمل بشفافية، وعدم توفير مستوى سياسي في إسرائيل يحمل نيات حقيقية، للقضاء على هذه الظاهرة التي أغرقت المجتمع الفلسطيني في الجريمة. وهذا ما على قيادات فلسطينيي الداخل العمل للقضاء عليه بكل جدية، لأن التعامل مع هذا الملف الخطير يحصل من منطلقات ردود الفعل، واقتصر على تظاهرات واحتجاجات موسمية، لا ترقى إلى الحد الأدنى من متطلبات مقاومة ظاهرة انتشار، التي تهدد نسيج المجتمع الفلسطيني في الداخل.

إن النضال ضد العنف والجريمة يوازي النضال ضد العنصرية والتمييز والسياسات الإسرائيلية، وتجاهل حقوق الفلسطينيين وتعامل الشرطة الإسرائيلية مع الفلسطينيين كأعداء وليس كمواطنين، فتستمر الجريمة. وهذا يتطلب من الفلسطينيين تنظيم العمل، وتحديد الخطوط العريضة للمستقبل، ضمن مؤسسات تمثيلية تشكل الإطار الجامع الذي ينضوي تحت مظلته جميع المختلفين، ويكون ممثلهم وطنياً ودولياً، ويشكل أنموذجاً يحتذى به. ومن دون ذلك فإن واقع الفلسطينيين في الداخل سيزداد تعقيداً، وسيتعمق الانقسام والاختلاف، والمزيد من تفسخ نسيج المجتمع، ما يسهل السقوط، تحت سطوة المؤسسات الإسرائيلية وسياساتها التمييزية والقوانين العنصرية.

فشلت إسرائيل في القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية المشتركة، لكن الخشية من كارثة العنف والجرائم التي تعتبر تهديداً حقيقياً لوحدة المجتمع الفلسطيني ونسيجه في الداخل، فمواجهة العنف والجريمة يجب أن تستمر كقضية رئيسية وموضوع نقاش دائم. وذلك من خلال المؤسسات الجماعية، وإعادة الاعتبار لها بمأسستها في إطار عام، والاستفادة من تجربة لجنة المتابعة العليا، والقائمة المشتركة لتعزيز العمل المشترك.

 إسراء غريّب والفلسطينيات المقتولات

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email