fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

ترجمة- Foreign Affairs

مقالات الكاتب

الفجوة بين الأجيال في إيران بعد مرور 40 عاماً على الثورة..

في نهاية ظهيرة أحد أيّام الشتاء الباردة، كان الثلجُ الخفيف غطّى أرجاءَ طهران في الليلةِ السابقة، وكنتُ أمضي اليوم في مكتب الإنتاج التابع لوحدة أفلام صغيرة تتبع ميليشيات الباسيج شبه العسكريّة. كنتُ أُعِدُّ بحثاً عن المنتج الثقافي في المنظّمات العسكريّة وشبه العسكريّة في الجمهوريّة الإسلاميّة، ووافق الشباب العاملون في تلك الوحدة على التحدث معي، شرط إخفاء هوياتهم.

دخل علي -محرّر أفلام في الباسيج يبلغ من العمر 20 سنة- إلى المكتب الذي كنتُ أجلس فيه مع زميله مصطفى، البالغ من العمر 24 سنة. كان علي يحضر حلقة للتلفزيون الحكوميّ تتناول الإعلام الأميركيّ ومعارضته الجمهوريّة الإسلاميّة. وعرَض علينا متحمساً، أثناء حمله حاسوبه، آخرَ ما وجَده، وهو مقطع على “سي إن إن” عُرِض قبيل توقيع الاتفاق النووي الإيرانيّ، يتناول أسباب القوّة التي يحظى بها الحرس الثوري الإيرانيّ وقوّات الباسيج. يصوّر المقطعُ القوات المسّلحةَ الإيرانيّة ككتلةٍ متجانسة من رجالٍ ملتحين ذوي وجوهٍ صارمة، يرتدون أزياء عسكريّة رسميّة أو قمصاناً سوداءَ مغلقة الأزرار، ويستمعون إلى القائد الأعلى. شاهد مصطفى وعليّ التقرير بابتساماتٍ عريضة؛ ثم التفتَ علي إليَّ مع نهاية التقرير، قائلاً “من المضحك بالنسبة إلي كيف يتخيّلنا الغربيّون. فهم يصوّرون الأمر كما لو أنّ القائد الأعلى عليّ خامنئيّ يُلقِي توجيهاً، فنصطف جميعاً ممتثلين للأمر”. ثم ضحك مضيفاً “هل هناك في إيران ما يعمل بهذه السلاسة؟ ينبغي عليهم أن يأتوا إلى هنا ويروا حجم الفوضى المنتشرة في كل شيء. ما الذي يجعلهم يعتقدون أنه -بين كل تلك الأشياء التي بالكاد تؤدّي دورها؛ من الاقتصاد إلى المرور إلى ثقافة العمل- سيكون الباسيج على قدرٍ عال من التنظيم؟”.

في الأسبوع التالي، راقبتُ اجتماعاً للإنتاج مع مجموعة من قادة الحرس الثوريّ الإيرانيّ المسؤولين عن الإعلام. كان الحاضرون جميعهم في بداية العقد السادس من العمر. يسعى اليوم أولئك الذين كانوا ثوريّين متحمّسين في العقد الأول من عمر الجمهوريّة الإسلاميّة، إلى تعديل النظام، من خلال تسهيل القيود الاجتماعيّة والثقافيّة وإتاحة مجال أكبر من التنافسيّة في النظام السياسيّ؛ لكنّهم اختلفوا في ما بينهم بشأن ماهيّة تلك التغييرات. إلّا أنهم اتفقوا على حاجتهم إلى كسب جمهور أوسع واستقطابه إلى وسائلهم الإعلاميّة، وأنّه ينبغي على شباب الباسيج، مثل عليّ ومصطفى، ألّا ينتجوا أفلاماً ذات حمولة أيديولوجيّة، لا تَروق إلا لجمهور صغير. ويرثي علي رضا، الملازم في الحرس الثوريّ، حال الباسيج قائلاً إنّ شبابه هم “مشكلتنا الحقيقيّة؛ الفهم من منظور حادّ لا يرى سوى الأبيض والأسود، وهُم بهذا يزيدون الفارق بيننا وبين الشعب”.

يضيف جواد، وهو نقيب في الحرس الثوريّ، قائلاً إنّ “غرورهم سمٌّ يقتلنا”. ويؤكد في إشارة إلى الحرب العراقيّة – الإيرانيّة التي دامت 8 سنواتٍ من العقد الأوّل من عمر الثورة الإيرانيّة، أنّ شباب اليوم “ما كانوا ليصمدوا يوماً واحداً في خنادق الحرب”.

رؤية من الداخل

في الفترة التي زادت عن عشرِ سنوات، وأمضيتُها باحثاً في أوساط المنتجين الإعلاميّين في قوات الباسيج والحرس الثوريّ في الجمهوريّة الإسلاميّة وأنصار “حزب الله”، اكتشفتُ عالَماً آخر يعقد فيه الرجال المرتبطون بالقوات المسلّحة المناقشاتِ الساخنة حول مستقبل الجمهوريّة الإسلاميّة، ويتقاتلون من أجل الموارد. كانت المؤسسات التي درستُها أبعدَ ما تكون عن التجانس والوحدة، ولم تكن رؤيتها ونظرتها تحظيان بالنقاء الأيديولوجيّ. لم يكن ما يشغل الرجال الذين ساهموا في إنشاء الإنتاج الإعلاميّ الواسع في الجمهوريّة الإسلاميّة محدوداً بالدين والسياسات الإسلاميّة، ولكن كانوا يميلون إلى التركيز على الطبقة الاجتماعيّة والفوارق بين الأجيال والحراك الاجتماعيّ. قادتني نتائج بحثي إلى طرح أسئلة لا عن التصوير الحاليّ لأولئك الرجال، وإنّما -عموماً- حول الإطار السائد في التحليل في ما يتعلّق بفهم الجمهوريّة الإسلاميّة.

تدافَع صنّاعُ القرار الأميركيّون منذ عام 1979 -حين اجتاحت الثورة أرجاء البلاد التي كان الرئيس الأميركيّ جيمي كارتر قد وصفها قبل سنة واحدة بأنّها “جزيرةٌ من الاستقرار”- من أجل فهم ثورةٍ لم تُفاجئهم فحسب، وإنّما عبّرت عن عداء عميق للإمبرياليّة، إذ طالَبَ الإيرانيّون بتحقيق الاستقلاليّة عن واشنطن. وصفَت وسائل الإعلام الإخباريّة الأميركيّة المجتمعَ الإيرانيّ بأنّه ”يستحوذ عليه الجنون“ وأنّ الإيرانيّين قد أعمَتهم الحماسة الدينيّة ويسعون إلى الشهادة بأيّ ثمن. قد تجيب تلك التوضيحات على حاجةٍ ماسّة لفهم الحكومة الثوريّة -بأبسط الشروط، وتقويضها- وآيات الله الذين يمتلكون زمام القيادة فيها. إلّا أنّ أولئك الذين نظروا إلى السياسات الإيرانيّة خلال الأعوام الأربعين الماضية من خلال عدسة الإسلام تجاهلوا آليّاتٍ اجتماعيّةً مهمّة تساند النظام.

ما الذي سيحدث إذا أعدنا تأطير تحليلاتنا للسياسات الإيرانيّة لتصبح الأولويّة لمنظور أولئك الذين عملوا داخل الجمهوريّة الإسلاميّة دَعماً لأهداف ثورة 1979؟ إذا كانت التحليلات السياسيّة والأكاديميّة قد أخفقَت حتى اللحظة في فهم الجمهوريّة الإسلاميّة بجميع تعقيداتها، فما الذي يمكننا أن نجنيه من مقارَبةٍ تشدد على استكشاف مواقف ورؤى مؤيّدي الثورة وتحليلها، وِفقَ شروطهم الخاصة؟ قادتني هذه الأسئلة إلى فهم كيفيّة سعي الجمهوريّة الإسلاميّة للحفاظَ على ثورتها “حيّة”، وكيفية توصيل رؤيتها لمستقبل الجمهوريّة الإسلاميّة. ما استنتجته هو أنّ الخِصامَ والخلافَ في الجمهوريّة الإسلاميّة ليس فقط بين النظام والشعب، أو بين الجيل القديم وجيل شاب لديه احتجاجات. وإنّما النظام نفسه على خلاف حول طبيعته ذاتها وما ينبغي أن يكون عليه مستقبله.

تغيير الأجيال داخل الباسيج

في ظهيرة أحد الأيام في وسط طهران، غادرت اجتماعاً دار فيه نقاشٌ حادٌ بين أحد شباب “الباسيج”، وهو طالب في إخراج الأفلام، ورضا، صانع أفلام بارز يعمل لحساب النظام القائم وقائد في الحرس الثوري.

خلال الاجتماع، أخبر الحضور الذين يصل عددهم إلى قرابة عشرين طالباً أن وسائل الإعلام التابعة للنظام في حاجة إلى العمل من أجل عرض رؤية أكثر شمولاً للجمهورية الإسلامية – رؤية بوسعها أن تصل إلى فئات من المجتمع أصبحت تشعر بالإحباط. كما أشار رضا إلى أحداث 2009، التي شهدت أكبر تظاهرات احتجاجية ضد الحكومة الإيرانية منذ ثورة 1979. وفي ما يتعلق بما أُطْلِق عليه اسم الحركة الخضراء، اعترض قطاع عريض من النساء والشباب الذين ينحدرون في الأساس من المناطق الحضرية على ما اعتبروه احتيالاً في الانتخابات، ما أدى في نهاية المطاف إلى إحداث أزمة شرعية للنخبة السياسية.

بقصد التواصل مع فئة من المواطنين الذين شاركوا في الاحتجاجات أو تعاطفوا معها، اقترح رضا خلق وسائل إعلامية، تكون مهمتها التركيز على البُعْد القوميّ والوحدة، وترك العنصر الديني يتلاشى في خلفية المشهد، وقف قائد الطلاب موجهاً حديثه بغضبٍ إلى رضا قائلاً: “قد يكون جيلك تعب من المواجهة، لكن هذا لا ينطبق على جيلنا!”، وعندما غادرنا اللقاء، التفت رضا إليّ وقال “لا يدرك شباب الباسيج أن ابتعادنا عن عامة الناس هو ما أوصلنا إلى هذه الفوضى التي نتخبط فيها الآن.

لا بد من نسج العلاقات مع الطرف الآخر الذي يحتج ضدنا والتقرب منه، بدلاً من الانطواء وعزل أنفسنا عنهم، كما يريد هؤلاء الشباب. هل تعرفُ ما هي مشكلة هؤلاء الشباب؟ إنهم لا يعلمون معنى التهميش في المجتمع، ولا يتذكرون ذلك، والسبب ببساطة، هو أنهم وُلِدُوا بعد الثورة، وكل ما يعرفونه، هو نظامٌ كانت مقاليد الحكم فيه بين أيدينا.

يواجه قادة القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية اليوم تحديات أكبر حتى من الدفاع عن النظام السياسي. إِذْ لم يحظ هؤلاء الرجال وأسرهم باحترام المجتمع الإيراني قبل عام 1979.

عمل النظام الملكي لأسرة محمد رضا بهلوي على تهميش العائلات الدينية رسمياً، وفي الوقت ذاته، كانت النخبة الإيرانية المثقفة في ذلك الحين تنظر إليهم بازدراء. وجاء تأسيس الجمهورية الإسلامية ليمنح الإيرانيين المتدينين المنتمين للطبقة التي ينتمي إليها رضا وجيله إحساساً بالهدف المنشود ومكانةً في المجتمع. وكثيراً ما كنتُ أسمعهم يتساءلون بصوتٍ عال “إذا تغيرت الظروف في البلاد، فهل سيتم تهميشهم من جديد؟”.

يواصل رضا قائلاً: “لا يعرف شباب الباسيج أنه إذا لم نحافظ على هذه الثورة، سنعود مرة أخرى إلى هامش المجتمع، ولا يعرفون مدى السرعة التي قد تتغير بها الأمور”.

يعتبر كثيرون من جيل رضا أن الباسيج الأصغر سناً انتهازيون وتنقصهم الحِنكة الواجبة، لأنهم لم يخوضوا تجربة الحرب المروعة. كانت المنظمات شبه العسكرية التابعة للنظام، مثل الباسيج، تشكل الذراع الرئيسة للتعبئة، التي من خلالها كانت الدولة الثورية ترسل الجنود إلى جبهة القتال في الثمانينات.

بعد عام 1988، عندما انتهت الحرب مع العراق، بحثتْ النخبة السياسية في إيران مآل هذه المنظمات، وكيفية التصرف معها. إِذْ نشر مكتب القائد الأعلى في نهاية المطاف أفراد تلك المنظمات، لمواجهة تكتيكات “الحرب الناعمة” الغربية ومراقبة الناشطين المناهضين للنظام.

نظراً لأنها صُمِمت خصيصاً لهذه الأغراض، بالإضافة إلى أنها ترى عموم المواطنين كتهديدٍ محتملٍ تنبغي مراقبته، فإن التدريب الإيديولوجي الذي يتلقاه شباب الباسيج اليوم، أصبح لا يحظى بموافقة الجيل القديم من الحرس الثوري.

أخبرني مهدي، أحد المحاربين القُدامى والمخرج السينمائي، قائلاً: “التشابه الوحيد بين باسيج اليوم وباسيج فترة الحرب هو أننا نحمل الاسم التنظيمي نفسه. فعناصر الباسيج اليوم مروعون”.

ثم تابع قائلاً: “إنه أمرٌ مؤلمٌ جداً بالنسبة إلي أن ينظر الناس إلى الباسيج من زاوية سلبية الآن، لقد أنشئ تنظيمنا لغرضٍ مختلفٍ في بداية الثورة. كانت مهمتنا الدفاع عن البلاد ضد الجيش العراقي الغازي، وليس للحصول على مناصب أفضل أو دخول الجامعة، مثلما يفعل الباسيج اليوم، أو الاعتداء على مواطنينا، تحت ذريعة العمل من أجل الله! يعتبر هؤلاء الشباب اليوم انتهازيون”.

على رغم انضمام رضا وزملائه بحماسة إلى الباسيج في السنوات الأولى بعد الثورة، فلا أحد من هؤلاء الحراس الذين التقيتهم على مدى عشر سنوات، سيَسمح لأطفاله بأن يصبحوا عناصر ناشطين في الباسيج. قال لي أحدهم “لا يوجد سبب يبرر مشاركتهم في هذا التنظيم، فضلاً عن أن الأجواء ليست مناسبة لكي ينضم أطفالي إليها”، وبدلاً من ذلك، يرسلون أطفالهم إلى الخارج، إلى أوروبا تحديداً، باعتبار أن السماح لأطفالهم بأن يكونوا جزءاً من الباسيج هو بمثابة انحطاط مرتبتهم في السلم الاجتماعي الذي تسلقوه بالفعل.

غير أن الباسيج الأصغر سناً، على غرار علي ومصطفى، يشعرون بأن الثورة قد انحرفت عن مسارها لأن الجيل الأكبر سناً تخلى عن قِيَمِه. وينحدر علي ومصطفى مثل كثر من زملائهما، من عائلات تنتمي إلى الطبقة العاملة والدنيا والمتوسطة والمتدينة، التي هاجرت إلى طهران من مدن المحافظات الأصغر.

عندما أراد مصطفى، في سن المراهقة، العمل في مجال صناعة الأفلام، وفّر له الباسيج في مدرسته الثانوية الموارد والشبكات الاجتماعية التي لم تكن في متناول عائلته.

وفور تخرجه في معهد صناعة الأفلام، حصل مصطفى بسهولةٍ على وظيفة في إحدى دور الإنتاج، سبق أن أنتجت أفلاماً وثائقية للتلفزيون الحكومي، ما سمح له بأن يكون مخرج أفلام متفرغاً، وأن يغطي نفقات زوجته الجديدة. لقد منحت الثورة مصطفى وعلي حركية اجتماعية جعلتهما ينظران إلى فساد الجيل القديم من الثوريين على أنه تهديد للثورة. أخبرني علي “أنهم الضعفاء وليس نحن، إننا نقدِّر تضحياتهم خلال الحرب، لكن المال أفسدهم وأُصيبوا بالهوس في محاولاتهم التشبه بالنخبة العلمانية”.

مستقبل محل جدل

كانت أحاديثي مع أعضاء الحرس الثوري والباسيج تعود مراراً وتكراراً إلى قضايا الفساد والطبقة الاجتماعية والثقافية والاختلافات بين الأجيال. في كثير من الأحيان، كان أطراف الحوار يوجهون غضبهم إلى بعضهم بعضاً أكثر مما يفعلونه مع غيرهم ممن لا يدعمون النظام.

كشفت خلافاتهم الواسعة والدقيقة عن واقعٍ سياسيٍ معقدٍ لا يمكن اختصاره في الثنائيات المعهودة، مثل الإصلاحيين مقابل المتشددين أو مناصري النظام ضد مناوئيه. ومع دخول الجمهورية الإسلامية عقدها الخامس، قد يعتمد التحدي المتمثل في إبقاء الثورة “ناشطة” على قدرة صانعي الأفلام، ليس فقط على جذب فئة الشباب التي تتوق إلى التغيير، ولكن أيضاً على بناء توافق في الآراء بين أفراد الجيل الأصغر سناً داخل صفوف النظام الحاكم ذاته.

تتمثل المهمة التي تنتظر الجمهورية الإسلامية، في كسب شريحة واسعة من مواطنيها، بالتزامن مع تحديد الشكل الذي سيتخذه مشروعها الثوري، وأجهزة الدولة، على المدى الطويل. إن كيفية التوصل إلى أفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف، من دون فقدان الرؤية التأسيسية للجمهورية الإسلامية، هي التي تحدد معضلة إيران وما يمكنها تحقيقه.

 

نرجس باجوغلي

هذا المقال مترجَم عن  foreignaffairs.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً