fbpx

هنا القصة الثالثة

باسل عبدالله

باسل عبدالله

مقالات الكاتب

الفتن الطائفية في مصر… عندما تنتظرُ الصلاة ختم الدولة

عقب أداء صلاة الجمعة الأخيرة في شهر آب/ أغسطس الماضي، تجمهر عدد من أهالي قرية دمشاو هاشم بمحافظة المنيا، بجنوب مصر، اعتراضاً على بناء أقباط القرية كنيسة لأداء الصلاة هم أيضاً، ليصل الأمر إلى مهاجمة المنازل ونهبها. هذه الحادثة واحدة من آلاف الحوادث التي يتعرض لها أقباط مصر بشكل دوري، والتي عادة ما تنتهي بحلول تؤجج الأزمة أكثر.

قبل أعوام من تلك الواقعة وتحديداً عام 2005، كانت المرة الأولى التي تحصل فيها مثل تلك الحوادث، فيقول الحسيني محمد أحد سكان القرية “عام 2005 خرج أهالي القرية في تظاهرة تنديداً بشائعة سرت وقتها تفيد بنية أحد مسيحيي القرية ويُدعى عادل سيد رزق تحويل بيته إلى كنيسة، واقتحم بعض هؤلاء بيته وخربوه وهدموا فيه، وبعد ساعات من الاعتداءات والتخريب حضرت الشرطة ولكن حدث ما هو أسوأ حينما خرجت رصاصة بالخطأ من سلاح أحد الضباط تسببت في مقتل شاب ولسوء الحظ كان الضابط مسيحياً، واشتعلت الأحداث مرة أخرى حتى استقر الأمر بتهجير عدد من الأسر المسيحية إلى قرى مجاورة ذات أغلبية مسيحية”.

يوضح الحسيني أوضاع القرية قائلاً “في قريتنا حوالى 20 ألف نسمة يشكل الأقباط نسبة بسيطة منهم لا تتعدى 300 شخص، وهي إحدى قرى المنيا ثاني أكبر محافظة في نسبة الأقباط وتُقدر نسبتهم بـ30 في المئة، ويغلب التيار السلفي على توجهات نسبة غير قليلة من شباب القرية، وهو تيار يعارض علانية بناء الكنائس بشكل مبدئي، أما المستوى الاقتصادي للقرية فهو ضعيف للغاية وتعتبر من القرى الفقيرة ومعدل البطالة فيها عالٍ، على رغم الارتفاع الشديد في نسبة المتعلمين، تلك البطالة التي جلبت معها آفة تعاطي المخدرات وتفشت في السنوات الأخيرة بشكل واسع ومخيف، والقرية تخلو من أي مركز للشباب أو مكتبة ثقافية أو أي نشاط فني”.

وعن الحادثة الأخيرة يقول الحسيني: “تفجرت الأزمة الأخيرة عقب سريان شائعة تفيد بتحويل أحد المنازل إلى كنيسة، وهو منزل يجتمع فيه المسيحيون للعبادة، على غرار ما حدث في قرية مجاورة تُسمى “عزبة سلطان”، إذ توجه بعض الأهالي إلى المنزل بعد صلاة الجمعة وحدثت احتكاكات بينهم وبين المسيحيين استغلها البعض تحت ستار الغيرة على الدين واقتحموا بعض منازل المسيحيين ونهبوا مقتنياتها وأحدثوا فيها تخريباً، قبل أن يتم القبض على 21 منهم، ولكن الجديد في هذه الواقعة هو محاولة عشرات الشباب المسلمين التصدي لهؤلاء المحتجين ومنعهم من اقتحام منازل المسيحيين وهو ما لم يحدث من قبل”.

 

إقرأ أيضاً:

أقباط مصر.. الكنيسة والقهوة والسجن

 

 

الأهالي، واحدة من المعتدين والثانية من المعتدى عليهم، ليتم الضغط على الطرف المعتدى عليه ويقبل بالصلح والجلسات العرفية من دون الإصرار على معاقبة الجناة. تلك الجلسات التي كان معظمها يقرر ترحيل بعض المسيحيين أو استمرار الوضع على ما هو عليه مع التعهد بعدم بناء كنائس في المكان، مثلما حدث في واقعة التعدي على مسيحيي قرية القشيري بمحافظة المنيا أيضاً، حينما قررت الجلسة العرفية إغلاق الكنيسة مقابل وقف الهجمات.

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي مؤسسة مجتمع مدني مصرية، قد أصدرت تقريراً لها عن تلك الجلسات العرفية تحت عنوان “في عرف من؟ دراسة عن دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسؤولية الدولة”، رصدت فيه 45 حادثة طائفية خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير 2011 وحتى نهاية 2014، تحت حكم كل من المجلس العسكري، والرؤساء محمد مرسي، وعدلي منصور، وعبد الفتاح السيسي، كأمثلة وليس حصراً.

وعزت المؤسسة لجوء الدولة إلى مثل تلك الجلسات إلى ضعف مؤسساتها وعجزها عن القيام بوظيفتها في حماية السلم المجتمعي وحياة المواطنين وممتلكاتهم، وأن الأجهزة الأمنية والنيابة العامة لعبت أدواراً مختلفة في تلك الجلسات بداية من المشاركة الشرفية، ومروراً بعقد الجلسات بمقار أقسام الشرطة أو مديريات الأمن، انتهاءً بالرعاية الكاملة والمشاركة في صنع قرارات الجلسات، تلك القرارات التي قالت إن بعضها أصدر قرارات مخالفة للقانون، تتضمن انتهاكات واضحة لحقوق الطرف الأضعف، ودوراً سلبياً في ما يخص بناء الكنائس، وإجبار الأهالي المسيحيين في كثير من الأحيان على وقف ترميم عدد من الكنائس أو توسعتها والصلاة في الجديد منها، فيما لجأت القيادات الأمنية، والعسكرية خلال تولي الجيش مهمات حفظ الأمن إبان ثورة يناير 2011، إلى قيادات سلفية لإقناع الجانب المعتدي بوقف الاعتداءات مع تقديم ضمانات بعدم الملاحقة القضائية، كما أشارت إلى دور النيابة في عدم إحالة المتهمين إلى المحاكمة، مع قرارات بالحبس إذا كان الطرف المعتدي مسيحيّاً، واعتمادها على التصالح العرفي كمسوغ لإعاقة تحريك الدعوى الجنائية، بما يخالف قانون الإجراءات الجنائية.

وعلى رغم تبني الدولة رسمياً خطاباً متسامحاً تجاه المسيحيين والحديث عن مساواة بين المسلمين والمسيحيين، إلا إنه من الواضح تماماً غياب تلك الرؤية داخل مؤسسات الحكم في الدولة، فإلى جانب عدم تولي المسيحيين أي مواقع قيادية داخل المؤسسة العسكرية– التي يخلو مجلسها الأعلى من المسيحيين لفترات طويلة جداً – وكذلك الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والشرطية، فإن الدولة اعتادت –مع بعض الاستثناءات القليلة -على إسناد بعض المواقع والوزارات غير السيادية لبعض الأقباط مثل وزارة البيئة كنوع من الترضية مثلما يحدث مع فئات أخرى كالنساء.

يقول مينا ثابت مسؤول في الملف القبطي بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات والباحث بجامعة أبردين بإنكلترا: “إن المسيحيين يحتلون موضعاً متأخراً جداً فيما يخص حقوق المواطنة وبخاصة الحريات الدينية داخل مصر مقارنة بأقرانهم المسلمين، وكذلك داخل الجهاز الإداري والحكومي، وهي معادلة بنيت على سيادة المسلمين على غيرهم من الديانات الأخرى، كميراث نابع من تاريخ طويل للحكم العربي وبخاصة الاحتلال العثماني لمصر، اعتمد حصول المسيحيين على حقوقهم بمدى سماحة الأغلبية المسلمة”.

يُضيف ثابت “يُعاني المسيحيون كذلك من التمييز المنهجي ضدهم في ما يتعلق بنسب التمثيل، أو شغل المناصب العليا في الدولة، وبالنسبة إلى القوانين والتشرعيات فهي محكومة بشكل أساسي بالمادة الثانية من الدستور والتي تمثل تمييزاً واضحاً ضد غير المسلمين من المصريين لا المسيحيين وحدهم، وتترتب عليها مشكلات تشريعية تخل بالحق في حرية الاعتقاد لكل المصريين، لذا فإن الأمر يحتاج إلى استراتيجية شاملة ومعالجة متكاملة بداية من قانون يقوم على دستور لا يميز بين المواطنين على أساس المعتقد الديني، وكذلك لممارسات الأجهزة الأمنية في تطبيق هذا القانون ونشر ثقافة المساواة والتسامح بين المواطنين، والأهم هو توافر الإرادة السياسية لذلك والذي يبدأ بوقف التعاطي مع المسيحيين في إطار أنهم “أخوة حثنا ديننا على أن نبرهم ونقسط إليهم”، وتوقف القيادة السياسية عن التعامل مع “أخوته الأقباط” في إطار “الدين” ويراهم في إطار من المواطنة والمساواة مع غيرهم من المواطنين”.

ويرى كثيرون أن قيادة الكنيسة المتمثلة في البابا تواضروس الثاني ودعمها رئيس الجمهورية بخاصة في واشنطن كان له أثر كبير في بعض القرارات، فعقب حشد الكنيسة لكثير من الأقباط في الولايات المتحدة لاستقبال السيسي أثناء زيارته لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، أصدرت الحكومة قراراً بتقنين أوضاع 120 كنيسة ومبنى كنسي، وعلى رغم أن انتقاد البعض هذا الدعم فإن مينا يرى أنه “من الممكن الحديث والإشارة إلى تلك المواقف السياسية أو الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الجماعة المسيحية، ولكن لا يمكن تحميلها مسؤولية العنف الطائفي، والتي يتحملها المعتدون والدولة والمجتمع الذي يحفل بأنماط التمييز ضد الأقليات الدينية”.

 

إقرأ أيضاً:

شيعة مصر بين تعسف السلطة وهواجس الأزهر

إقرأ أيضاً