fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

الـHIV ليس وصمة عار

H.I.V: هي ثلاثة أحرف تخيف الكثيرين، حتّى أنّها قادرة أن تهزّ جهازاً أمنيّاً لبنانيّاً بأكمله –هو قادر أن يرعبنا جميعاً- وللأسف، أدّى به جهله بالموضوع إلى الإقدام منذ فترة غير بعيدة على توقيف شخصٍ متعايشٍ مع فيروس نقص المناعة المُكتسب، والكشف عن اسمه، وتفاصيل خاصّة عن حياته. ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب إلى حدّ القطع بمصدر رزقه، عن طريق إقفال مركز التجميل حيث كان يعمل.

ما نستنتجه من هذه التطوّرات هو أنّنا بالكاد انتهينا من ممارسات الفحوص الشرجيّة التي كانت قبل سنوات قليلة لا تزال تُنفّذ كوسيلةٍ لتثبيت “تهمة” المثليّة الجنسيّة، حتّى نقلتنا الدولة إلى فحوص تثبيت “تهمة” الـHIV. وبين الفحوص الشرجيّة وفحوص الـHIV، لا فرق كبير. تبقى ميولنا، وهويّاتنا، وأجسادنا هي التهمة.

في معظم الأوقات، تمنع هذه التهم الجاهزة الأشخاص من اللّجوء إلى خدمات الصحّة الجنسيّة لإجراء الفحوص اللازمة بشكلٍ دوري: وأن نُحرَم من الفحوص، يعني أن نُحرَم من العلاج الذي يُعزّز من فرص نجاتنا وتعايشنا الطبيعي مع الفيروس، إذا اتّبعناه بشكلٍ سليم ومبكّر. كما أنّه يحول دون تطوّر الـHIV إلى مرحلة الـAIDS، التي تُعدّ حالة مختلفة تماماً وأكثر تعقيداً.

علاج الـHIV هو حبّة واحدة يوميّاً. نعم، الأمر يمكن أن يكون بهذا القدر من البساطة. ومع نمط صحّي سليم وعناية جديّة بالنفس، بإمكان المتعايش/ة مع الفيروس أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها الفيروس غير قابل للكشف، وبالتالي غير قابل للانتقال!

وفي الحديث عن الانتقال، ولكي لا تكون حالنا حال بعض الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام، لنتذكّر ونحفظ الطرق التي ينتقل عبرها الـHIV:

أوّلاً: علاقة جنسيّة غير محميّة مع شخص متعايش مع الفيروس
ثانياً: مشاركة الأدوات الحادّة نفسها
ثالثاً: نقل الدمّ المُلوّث بالفيروس
رابعاً: من الأمّ المتعايشة مع الفيروس خلال حَمْلها، إلى طفلها، أو عن طريق الإرضاع

ولكن ما أودُّ الإضاءة عليه بشكل خاصّ، هو أنّنا بقدر ما نُعمّق فهمنا لطبيعة الفيروس، تزداد قدرتنا على التعامل معه كأي مرضٍ مزمن آخر، كالسكّري، والضغط، وتزداد قدرتنا على تحدّي الوصمة والتمييز اللّذين يتسبّبان بخسارة الكثيرين لأعمالهم ووظائفهم وتأمينهم الصحّي وعائلاتهم وأصدقائهم، ويعرّضانهم لأبشع أنواع الإهانات وانتهاكات الخصوصيّة، وللمعاملة المهينة بوصفهم “مجرمين”، لمجرّد حملهم الفيروس، وكأنّهم هم “الجرثومة”، حتّى في العيادات الصحيّة التي يلجأون إليها توخّياً للدعم والمساعدة.

وبقدر ما نفهم مسألة الـHIV بجوانبها المتعدّدة والمتشابكة، ندرك أنّنا جميعنا معرّضون لحمله والتعايش معه، رجالاً ونساءً وترانس، بميولنا وهويّانا المختلفة. أمّا ما يمنعنا من الوقاية والعلاج، فليس غياب وسائل الوقاية والكشف والعلاج، لأنّها باتت متوفّرة بشكل ملحوظ عبر برامج وطنيّة وعدد من المراكز الصحيّة التي تحفظ السريّة والخصوصيّة، كمركز مرسى.

ما يمنعنا حقيقةً من الوقاية والعلاج، هو الوصمة المترافقة مع الـHIV،
والعنصريّة التي تعيق المهاجرين واللاجئين والفقراء عن الوصول إلى مصادر الرعاية الصحيّة وتلقّيها،
والذكوريّة التي تعطي الرجل أن يختار بين وضع الواقي الذكري وعدم وضعه،
ورهاب المثليّة الذي يعاقب المثليّين على حياتهم الجنسيّة،
ورهاب النساء الناشطات جنسيّاً والوصمة المُلقاة عليهنّ التي لم تختفِ بعد.

هذه هي عوامل “الرعب”. لا الـHIV.

إقرأ أيضاً