fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

العونيون ليسوا أبرياء مما يجري في بيروت… وفي مطارها

ليس ما يجري في لبنان اشتباك كلامي بين وزير الخارجية جبران باسيل ومن ورائه حماه رئيس الجمهورية ميشال عون، وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري، جراء وصف باسيل بري بأنه “بلطجي”. ثمة بعد هستيري لمظاهر الإشتباك. ما جرى في شوارع بيروت في اليومين الفائتين، والذي يبدو أنه مرشح للإستمرار طالما أن باسيل لم يعتذر، يكشف احتقاناً غير مدرك، ولا تفسره أدوات تقصي الاحتقانات السياسية العادية، ذاك أن الشبان الذين تدفقوا إلى الشوارع في أعقاب تسرب شريط باسيل، رقصوا رقصة أخرى. أخرجوا ما في جعبتهم من توترات لا تتصل بالواقعة التي أشعلوا الإطارات بسببها. ففي لحظة واحدة انهار نظام الأشياء كلها، وصار بوسع من يشاء أن يفعل ما يريد. عبارة واحدة تسببت بتوقف الحياة، ولا قضاء يُحاسب قائلها، ولا سلطة تردع المحتجين عليها. إنه لبنان الذي انتصر فيه العونيون، وصاروا على رأس الدولة، وانتصارهم لم يكن أكثر من امتداد لما نعيشه اليوم من انهيار مفاجىء لكل شيء. الشاب الذي خرج بالأمس وحيداً على تقاطع السوديكو في بيروت حاملاً علم حركة أمل وقاطعاً الطريق، وصارخاً ومهدداً العابرين، لم يفعل ذلك مدفوعاً بغضبه على جبران باسيل، انما فعله مدفوعاً بغضبٍ لم نستطع نحن، منتظري انتهاء المشهد حتى نعبر بسياراتنا تحديد مصدره. الشاب كان يلوح بالعلم في وجهنا على نحو هستيري، وراح يشير بيده الأخرى نحونا، بما يوحي بأننا هدفه اللاحق بعد أن يُنهي عراضته. وكان علينا أن نباغته وننطلق بسياراتنا من زاوية الشارع الضيقة تفادياً لاحتمال أن يهاجمنا، نحن أعداءه، على رغم أننا لسنا عونيين على الإطلاق.الشاب كان وحيداً وكنا كثيرون في مقابله. لم يتجرأ أحد على وقفه. الشرطي الذي كان يقف على الجانب الآخر من الطريق أشاح بوجه، موحياً بأنه لم يلاحظه. شاب بمفرده يملك من “الشجاعة” أن يواجه مئات العابرين. علينا هنا أن نفكر بمصدر هذه “الشجاعة”، وأن ندفع بها خطوة  أبعد، ذاك أن وراءها شعوراً اكتسبه أصحابها بأن أحداً لا يمكن أن يقف في وجههم. أليسوا هم “المقاومة”، وهم المنتصرون من العراق إلى لبنان؟ثمة شيء أفلت من عقاله في سياق أزمة الشريط المسرب. اتحاد نقابات النقل الجوي أعلن تضامنه مع بري وهدد بإعلان “العصيان في مطار بيروت الدولي”! هذه ليست نكتة! هذه حال النقابات في لبنان، ألم يسبق أن استعان حزب الله فيها ليباشر حملة “7 أيار” في العام 2008 على بيروت أهلها؟ليس العونيون لوحدهم المستهدفين بحملة الإحتجاج على شريط باسيل. اللبنانيون كلهم. كل من يصدف أنه عابر عن طريق قرر “المحتجون” قطعه هو مستهدف، ومرشح لأن يتعرض لصفعة من غاضب. بلدة تبنين في أقصى جنوب لبنان، ومسقط رأس بري، قطع الشبان طرقها احتجاجاً. حارة صيدا أيضاً وُضعت لافتة عند مدخلها كتب عليها عبارات نابية دفعت عائلات إلى وقف إرسال أبنائها إلى المدارس تفادياً لاحتمال أن يقرأها الأطفال.حال الهستيريا هذه قذفت بشبان من أمل إلى داخل المناطق المسيحية العونية، بهدف مهاجمة مقرات التيار العوني. لم تكن الخطوة نوعاً من الشجاعة، بل شعوراً بأن الميدان لهم، وأن لا مناطق عصية على غضبهم، وأن أحداً لن يتجرأ على اعتراض طريقهم.العونيون أنفسهم هم من سبق أن أتاحوا لهؤلاء الفتية أن يشعروا بما يشعرون به اليوم. العونيون هم من فتحوا الطرق لهم وأزالوا الحواجز من أمامهم في محطات غضب سابقة. العونيون هم من تحالفوا معهم في الانتخابات، وربما هم من أوصل رئيس اتحاد النقل الجوي إلى منصبه، في سياق التنافس بينهم وبين خصومهم في “14 آذار”. انها اللحظة التي ينكشف فيها هزال الدولة وهزال السلطة في لبنان، فالفتية ليسوا “شعباً” هذه المرة، إنهم الشبان أنفسهم الذين تولوا قيادة التظاهرات التي كان العونيون في صلبها. هم أنفسهم من شعروا بأن بإمكانهم احتلال وسط بيروت طالما أن وراءهم تحالفاً يضم التيار العوني. وهم اليوم اذ يلوحون لرئيس الجمهورية بأن سلطته تنتهي ما أن يُقرروا أن الشارع لهم وأن القوى الأمنية ليست أكثر من مراقب محايد، فهم يستأنفون فعلاً كانوا باشروه قبل أن يصبح الرئيس رئيساً، وكان في حينها إلى جانبهم.لكن الأهم من كل هذا هو أن من تولى نزع هيبة الدولة بصفتها رادعاً ومحتكراً للقوة ليس هؤلاء الفتية، وليس رئيس مجلس النواب أيضاً، انما سلاح لطالما لم يشكل حساسية للعونيين الذين يشيرون اليوم إلى هؤلاء الفتية بصفتهم “بلطجية”، في وقت هم ليسوا أبرياء من “بلطجة سياسية” هي نواة السلطة المتشكلة اليوم.

إقرأ أيضاً