fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عابدين - صحافي مصري

أحمد عابدين - صحافي مصري

مقالات الكاتب

“العمل للأمل” وإغاثة اللّاجئين بالموسيقى والفن

على خشبة المسرح بدا المشهد غريباً، بنات صغيرات لم تتخطّ أكبرهنّ الخامسة عشرة، تمركزن فوق المسرح، وأمسكت كل واحدة منهن آلتها الموسيقية، واتّخذت أصغرهنّ مكانها خلف الميكروفون استعداداً للغناء. تحسبهنّ للوهلة الأولى يعبثن بآلات وأماكن فرقة موسيقية لم تأت بعد، أو أنهنّ سيعزفن أغاني للأطفال أو ما شابه، فينطلق العزف منظّماً وذا إيقاع مبهر، وينطلق صوت الصغيرة بشجن جذاب ومقامات بديعة:

الحنة الحنة يا قطر الندى
شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوا

إنها فرقة زهورات، التي تضمّ بعض خريجي الدفعة الأولى من مدرسة الموسيقى في جمعية الأمل للعمل، الفرقة التي عجزت عن السفر للخارج والمشاركة في المهرجانات الدولية بعد دعوتها مع خريجي المدرسة الآخرين، لأسباب قانونية، بعد فشل أفرادها في الحصول على ضمانات بالسماح لهم بالعودة مرة أخرى إلى لبنان، فيصبح مصيرهم مُعلقاً فلا يستطيعون البقاء في الدول التي تستضيف المهرجانات أو العودة إلى حيث هم.

يتوالى العزف الممتع، وتتوالى الأغنيات الرائعة، ألحان رشيقة وأصوات مدرّبة تدريباً ممتازاً، اختيار الأغنيات بدا مميزاً جداً، كلها من التراث الكلاسيكي والطرب الأصيل، أداء تفقد معه قدرتك على التحكّم بيديك فتنطلق في تصفيق لا ينقطع، لم يكن يخيّل للمستمع أبداً أن تتحوّل مشاعر الألم والشفقة تجاه كلمة “لاجئين” بهكذا سرعة إلى مشاعر انبهار بفنهم الراقي وموسيقاهم الآسرة.

وتتوالى الحفلات، وفي كل مرة تكتشف نجوماً جدداً، أصغر سنّاً من أن يستوعب خيال المستمع تلك المهارة الدقيقة وهذا الإبداع العظيم.

في البقاع، تضم المخيّمات حوالى مليون نازح، إضافة إلى ما يقرب من 175 ألف من السوريين، وعلى مسرح الجامعة اللبنانية الدولية في مركز عمر المختار كان حفل ختام السنة الأولى الدراسية للدفعة الثانية من مدرسة الموسيقى، حيث عزف الطلبة الذين ينتظرون بداية عامهم الدراسي الموسيقي الثاني الكثير من الأغاني والموسيقى، تاركين خلفهم الكثير من مشاعر الحزن والألم والعنصرية والاضطهاد والحسرة التي تحاصرهم منذ سنوات، وانطلقوا يبثون الحياة والفرح في نفوس قرابة 500 مستمع ضجّت بهم قاعة الحفل، أتوا من المخيمات ليشاهدوا أبناءهم وأحفادهم وقد صاروا نجوماً بحق.

“بدأ العمل بشكل عفوي وسريع” تقول بسمة الحسيني، المؤسّس والمدير التنفيذي للجمعية، وتشرح قائلة “بعد النزوح الجماعي للسوريين في 2012 إلى المخيمات في تركيا والأردن مع بداية الحرب، شعرت بأن الفنانين لا بد أن يكون لهم دور في ما يحدث بشكل ما بخاصة في سوريا، فقمت بدعوة مجموعة من الأصدقاء لزيارة مخيم للاجئين في تركيا، وأبدى كثيرون استعدادهم وحماستهم للفكرة وتحمّلوا نفقاتها، وسيرنا أول قافلة إلى المخيّمات وسهلت لنا السفارة التركية في مصر الكثير من الأشياء، وذهبنا ومعنا كتب ولعب أطفال وملابس، وكنا 15 مصرياً وشخصاً لبنانياً وآخر فلسطينياً، وأمضينا 5 أيام هناك، حيث اتضح لنا معنى الإغاثة الثقافية للاجئين والتي لا تقل عن الإغاثة الإنسانية”.

تُضيف بسمة الحاصلة على جائزة لجنة الثقافة في “منظمة المدن والحكومات المحلية المتّحدة UCLG” لعام 2018، وهي جائزة مخصصة لمن ساهم في الربط بين الثقافة والتنمية، “قمنا بعد ذلك بـ4 قوافل إغاثة ثقافية 2 في مصر و2 في لبنان، ثم قررنا أن يكون العمل مستمراً ومتواصلاً، فبدأنا مشروع العمل للأمل والذي كان تحت مظلة مؤسسة “المورد الثقافي” في البداية ثم استقل، وكان دورنا هو اكتشاف المواهب المدفونة في المخيمات المحتاجة إلى تدريب وتطوير لخلق هامش من حرية الفن والإبداع، لمقاومة الانغلاق، وعلى رغم الافتراض المسبق بصعوبة ذلك في المخيمات”.

تشرح الحسيني، الناشطة والخبيرة في مجال الثقافة منذ قرابة 25 عاماً، أسست خلالها “المورد الثقافي” و”الصندوق العربي للثقافة والفنون”: “العمل للأمل تعمل على أصعدة متوازية، أولاً برنامج لتدريب ودعم العاملين في الثقافة والفن في دول عدة مثل ليبيا واليمن والأردن وسوريا ولبنان وغيرها، ثانياً “مساحات الأمل” لمشاركة باقي المنظمات والهيئات الحقوقية والخاصة بالتنمية لحل المشكلات المتشابكة مثل تعذر سفر الأطفال إلى الخارج للمشاركة في المهرجانات الدولية لعدم توفر أي ضمانات بالسماح لهم بالعودة مرة ثانية إلى لبنان، وثالثاً المراكز الثقافية والتي لدينا منها الآن مركزان في منطقة البقاع في لبنان”.

تقول بسمة إن بذرة المدرسة بدأت تثمر، إذ أنشأ مجد أحد خريجي المدرسة والبالغ 17 سنة، فرقته الموسيقية المستقلة بمشاركة اثنين من الخريجين، وهي فرقة “ام ايه أر تي” التي تعمل في لبنان الآن وبخاصة في البقاع، وهذا من الأهداف الجوهرية لبرنامج “الفنانون القادمون: فنانون جدد أصوات جديدة”، وهو إثراء الوسط الفني بمواهب من الأقاليم حيث لا مدارس للفن، ويصعب خلق هوامش في مجتمعاتهم، وتوفير تواصل بين العواصم والأماكن البعيدة”.

أفضل ما في المدرسة هو المعاملة الممتازة حيث لا تفرقة عنصرية كالتي أعانيها في المجتمع من حولي كوني سورية،

رغد منير إبراهيم، هي إحدى خريجات مدرسة الموسيقى في الجمعية، طفلة فلسطينية تبلغ من العمر 11 سنة، وقد انضمت للمدرسة الموسيقية منذ نحو عامين وتعلمت العزف على العود والغناء، “كان الجميع من حولي يشجعونني على الموسيقى وبخاصة أبي الذي كان عنده فرقة للدبكة وكان يشاركني في الغناء أحياناً، لكن المدرسة علمتني معنى الموسيقى الحقيقي، وأصبحت أعشق العزف وأحب عودي الذي أشعر بأنه يفهمني ويحكي معي، وعلى رغم أنني أحلم بأن أصبح جراحة إلا أنني لن أتخلى عن الموسيقى والعزف أبداً”.

أما هبة عرايشي، إحدى طالبات المدرسة، وهي سورية في الـ17 من عمرها، فهي ابنة عائلة فنية، إذ يعزف والدها وأخوتها على آلات موسيقية، وهي الآن تُغني وتعزف على آلة “تشيلو” التي تعلمتها في المدرسة، وتقول: “أفضل ما في المدرسة هو المعاملة الممتازة حيث لا تفرقة عنصرية كالتي أعانيها في المجتمع من حولي كوني سورية، فالمدرسة تعاملنا كبشر من دون تمييز، كما أجد في المدرسة التشجيع والحماسة، فلا يتركونني أتوقف أبداً بل يدعمونني للمتابعة، والآن أحلم باستكمال مشواري في الموسيقى، فأصير معلمة موسيقى لأعلم أكبر عدد من الناس معنى الموسيقى، التي كانت حياتي ستختلف كثيراً لولاها”.

ارتاحت نفسيتي واختفى الضغط النفسي، وتعلمت الموسيقى والغناء وتخصصت في عزف الكمان، وبات حلمي أن أصبح عازفاً مشهوراً في العالم

أيهم عطية، خريج مدرسة السينما بالمؤسسة، سوري الجنسية وهو في الـ24 من العمر، يقول لـ”درج”: “العمل للأمل أحدثت نقلة كبيرة في حياتي، كنت أحب السينما لكن لم يكن هناك أفق لهذا الشغف، وخلال ورشة تحضيرية للمؤسسة تم اختياري ثم دخلت المدرسة وتعلمت جميع المهمات الخاصة بالسينما، من تصوير ومونتاج وصوت وحتى الإخراج الذي أفضله، وبالفعل أخرجت فيلماً بعنوان “مع الريح”، وكنت مساعد مخرج ومصوّراً في أكثر من عمل، المدرسة فتحت أمامي باب الأمل لتعلم موهبتي واكتشافها، ودعمتني فنياً وشخصياً، فقد ساعدتني في تطوير مهارات التواصل مع الناس وتطوير افكاري وأصبحت أكثر هدوءاً وإنصاتاً لمن حولي، وصرت أنظر إلى الحياة بشكل أفضل”.

أما وسيم جردي، الطالب بالسنة الثانية في مدرسة الموسيقى، السوري البالغ من العمر 20 سنة والمقيم في مخيم للاجئين السوريين في البقاع منذ 4 سنوات، فيقول “قبل المدرسة كنت أعمل في مجال دهان الأثاث، وكانت شخصيتي ضعيفة جداً، كنت لا أعرف سوى البيت والعمل وكنت انطوائياً بشكل كبير، ولم يكن لدي أصدقاء، ولا فرصة لمصادقة أحد في سني في لبنان بسبب العنصرية الشديدة تجاهنا كسوريين، وكنت أحبّ الموسيقى جداً قبل خروجي من سوريا مع أمي وأختيّ”.

يُكمل وسيم قائلاً: “في المدرسة تغيرت نفسيتي وتبدّلت شخصيتي تماماً، هنا لا مكان للعنصرية، الجميع أصدقائي وكلنا نُعامل المعاملة ذاتها وأصبح عندي الكثير من الأصدقاء اللبنانيين، ارتاحت نفسيتي واختفى الضغط النفسي، وتعلمت الموسيقى والغناء وتخصصت في عزف الكمان، وبات حلمي أن أصبح عازفاً مشهوراً في العالم وأنشئ فرقتي الموسيقية في لبنان أو في أوروبا وأن تساعدني الموسيقى على استكمال إعالة أسرتي”.

إقرأ أيضاً:
أطفال الموسيقى
اللاجئون السوريّون في لبنان وأزمة العودة

إقرأ أيضاً