العراق: ما الذي منع مدن السنة من المشاركة في “ثورة الشيعة”؟

"حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش... تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل".

“اقتادوني بسيارتهم الى جهة مجهولة، لم أعرف من يكونون ولا الجهة التي ينتمون إليها… أهانوني وانهالوا علي بالضرب… كل ذنبي إني أردت أن أتضامن مع المتظاهرين في بغداد ومناطق جنوب البلاد”.

بينما كان يجول بنظره يميناً وشمالاً، وبصوت خفيض وعينين زائغتين روى تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له. محمد (20 سنة) طالب في جامعة الموصل، اتفق مع مجموعة من زملائه في مجموعة مغلقة على السوشيال ميديا، على القيام بوقفة تضامنية مع تظاهرات واعتصامات المحتجين في بغداد وجنوب العراق المستمرة منذ الأول من تشرين الأول/اكتوبر الماضي، احتجاجاً على الفقر الذي تجاوزت نسبته بحسب أرقام رسمية الـ(23%) والبطالة (19% بين الشباب) في رابع أكبر دولة منتجة للنفط في العالم.

يضيف وهو يحاول ان يخفي قبضتي يديه اللتين بدا عليهما آثار احمرار “حين وصلت الى المكان المتفق عليه للوقفة، اعتُقلت من قبل مسلحين بملابس مدنية عصبوا عيني و اقتادوني بسيارتهم الى مكان مجهول، بقيت محتجزاً هناك لأربعة أيام، تعرضت فيها للتعذيب والإهانة المستمرة كلما سألت عن جريمتي”.

يتابع محمد “حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.

أطلق سراح محمد، بعد أن عثرت عائلته عليه، لدى احدى الجهات الأمنية (رفضوا الافصاح عنها)، وتعهدت بأن لا يدخل في أي نشاط من هذا النوع، منبهين إياه بأنه سيكون تحت مراقبتهم.

تلك الأيام الأربعة بما تضمنته من ضرب واهانة وتهديد ورعب، فضلا عن الخوف الذي عاشته عائلته، يعتبرها محمد الأسوأ في حياته، لذا قرر ترك دراسته الجامعية ومدينته وكامل العراق والهجرة الى خارج البلاد.

الرعب الذي تملك محمد وعائلته، منعه حتى من التواصل المباشر لمعرفة مصير بقية زملائه، الذي كانوا يفترض ان يشاركوا في الوقفة التضامنية مع احتجاجات شباب العراق، “علمتُ ان بعضهم اعتقل مثلي، لكني لم اتصل بهم مباشرة… نبهتني عائلتي بأن لا أفعل ذلك، فقد يكون بعضهم مازال معتقلا… خشينا ان يُفسر ذلك بشكل خاطيء”.

لكن محمد، علم من خلال أحاديث المجموعة التي اعتقلته ومن معارف ومقربين، أن هناك العديد من المعتقلين في الموصل بتهمة، “دعم المحتجين أو الدعوة للتظاهر”، وان صفحات التواصل الاجتماعي للعديد من الشباب المعروفين بنشاطهم في الموصل تخضع للمتابعة.

خرجت الاحتجاجات التي تعد الأكثر دموية منذ العام 2003، في تسع محافظات ذات غالبية شيعية، وأدت الى مقتل نحو 330 متظاهراً واصابة أكثر من 15 الفاً آخرين، بالرصاص الحي والمطاط وبقنابل دخانية وأخرى “مسيلة للدموع”، وتحولت من تظاهرات ضد الفساد ولتحسين ظروف العيش، إلى اعتصامات مفتوحة واضرابات تطالب بتغيير نظام الحكم والطبقة السياسية، التي حولت البلاد الى أكثر الدول فساداً في العالم، بشغلها رقم 13 عالمياً بين 180، دولة بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2018.

شبان من الموصل يتنكرون ويرسلون دعمهم لتظاهرات بغداد

لا احتجاجات بمناطق السنة والكرد

لكن الاحتجاجات لم تشمل المحافظات ذات الغالبية السنية، رغم تعاطف الكثير من النشطاء السنة المعروفين على وسائل التواصل الاجتماعي معها، بسبب الأجواء الأمنية الخاصة التي تحكمها، حيث شهدت الأنبار ونينوى اعتقالات وتوجيه تهديدات للناشطين وللاعلاميين فيها، لمنع انضمامهم الى حركة الاحتجاج أو حتى مساندتها، كما لم تشمل محافظات اقليم كردستان ايضاً، بسبب رفض الحزبين الحاكمين في الاقليم لأي توجهات تهدف الى حل الحكومة الحالية، التي هم شركاء أساسيون فيها، وأي تحركات لتغيير الطبقة الحاكمة التي هم جزء منها.

لكن أسباباً أخرى تدفع تلك المحافظات الى عدم الانضمام للاحتجاجات، بحسب الناشط محمد أمير،”سكان المحافظات ذات الغالبية السنية يخشون من أن أي احتجاج سيفسر من قبل القوى الشيعية، بأنه محاولة للانقلاب على النظام السائد، وان داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى قد تستغلها لصالحها، وبالتالي سيعود العنف الى تلك المناطق، وهو ما يرفضه الشارع السني”.

أما بشأن موقف الشارع الكردي فيلفت أمير الى مخاوف الكرد من ان يصبح اقليم كردستان وحقوقه المثبتة دستورياً، ضحيةً لأي تغيير في النظام السياسي الحالي، “التحول من النظام البرلماني الذي يوزع مراكز القوى على عدة أطراف الى النظام الرئاسي الأكثر مركزية، وهو مطلب رفعه بعض المتظاهرين، سيؤثر على دور الإقليم في صناعة القرار، كما ان سقوط حكومة رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي الذي يوصف بانه صديق للكرد قد يهدد التوافقات السياسية الحالية التي تمكن الإقليم من الحصول على حصته من الموازنة المالية الاتحادية”.

ويرى أمير أن في كل من الشارعين السني والكردي، هناك تأييد كبير للاحتجاجات التي تستهدف إنهاء الفساد ووقف محاصصة الامتيازات والمغانم ومحاسبة الفاسدين، ويقول”ربما هناك تفهم شيعي لعدم اشتراك الكرد والعرب السنة في الاحتجاجات لسبب رئيسي يتمثل بعدم منح الأحزاب الشيعية فرصة لاستغلال ذلك الموقف السني والكردي، بوصفه تمرداً طائفياً وقومياً على الحكم الشيعي، ما سيبرر قمع الاحتجاجات بكل السبل، على عكس وضعها الحالي بكونها حراكاً شيعياً لتصحيح مسار الحكم الشيعي للبلاد”.

شعارات تضامن من الموصل ترسل عبر السوشيال ميديا

إجراءات أمنية وتحذيرات

شهدت مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، التي كان قد احتلها تنظيم الدولة الاسلامية عام 2014 وأعلن من مئذنة أحد مساجدها أنها عاصمة دولته قبل أن تستعيدها الحكومة العراقية عام 2017، انتشاراً واسعاً للقوات الأمنية، وخاصة في جامعتها التي تضم عشرات آلاف الطلبة لمنع أبنائها من الانضمام إلى الاحتجاجات الشعبية في العراق.

وتمثلت الإجراءات في زيادة عدد نقاط التفتيش الأمنية، ورفع مستوى التشديد فيها سواء في محيط الجامعة او داخلها، وتم نشر دوريات أمنية في الأسواق والتقاطعات المهمة، كما في مداخل المدينة التي شدّدت إجراءات الدخول إليها.

ونظّمت الأجهزة الامنية في المدينة، التي تسيطر عليها جهات وأحزاب قريبة من الحشد الشعبي، حملة اعتقالات وتهديدات مباشرة وغير مباشرة طالت الناشطين والطلاب الذكور والإناث على حد سواء، خاصة مع انضمام عشرات الآلاف من طلاب جامعات بغداد وجنوب البلاد الى الاحتجاجات، ومع اعلان الكثيرين منهم الإضراب عن الدوام.

وأبلغ مصدر، فضل عدم ذكر اسمه خوفا من الملاحقة، الفريق الذي أنجز هذا التقرير، ان “التهديدات أو التنبيهات” وصلت الى الأساتذة الجامعيين، بل والى رئيس جامعة الموصل، مبيناً أن مسؤولين متنفذين في القوات الأمنية أوصلوا رسالة الى رئاسة الجامعة مفادها أن “خروج أي تظاهرة من جامعة الموصل، سيكون سبباً لعودة العنف للمدينة بأكملها، باعتباره نشاطاً لخلايا تنظيم داعش”.

طالب جامعي وناشط آخر على وسائل التواصل الاجتماعي، رفض ذكر اسمه، كان يفترض أن يشارك في الوقفة التضامنية مع احتجاجات بغداد والجنوب، قال إن ثلاثة من أصدقائه الذين كان مقرراً أن يشاركوا في الوقفة اعتقلوا أيضاً، وان اثنين منهم لم يخرجوا حتى ساعة اعداد هذه المادة، فيما أفرج عن الطالبين الآخرين، وقال أحدهما في مكالمة هاتفية إن ذويهما استعانوا بوساطات عديدة من شخصيات اجتماعية ومسؤولين حكوميين ودفعوا “إكراميات”، حتى تم الإفراج عنهما. وتابع وهو يتحدث من خلال رقم هاتف غير الذي تعود استخدامه خوفا من المتابعة الأمنية “أحد عناصر القوة التي اعتقلتني قال ان لهم عيوناً في كل مكان، وأنهم حصلوا على معلومات تنظيم الوقفة من أحد زملائهم في الكروب المغلق”.

ويردف “مثل غيرنا، وقعنا على تعهدات بتجنب الخوض في أي نشاط كهذا، و عوائلنا ظلت تكرر ذات النصائح: ليس لكم علاقة بما يحدث… ابني استروا علينا وضع الموصل يختلف.. نحن لن نتحمل اتهامنا بمحاولة تعكير النظام او اثارة الشغب”.

اعتقالات تحت بند “الاشتباه”

يقول المحامي حسن الجوادي، إن الاعتقال في الموصل أمر طبيعي ويمكن تبويبه رسمياً على انه “اعتقال للاشتباه أو للتدقيق الأمني”، وهي حالة شائعة والحجة الدائمة هي التحقق من وجود أي علاقة للشخص المعتقل بتنظيم داعش أو أي تنظيمات متطرفة أخرى.

ويضيف، “العشرات يعتقلون في الموصل، كل يوم هناك اعتقالات حتى قبل بدء الحركة الاحتجاجية الأخيرة، وهناك جهات متعددة تقوم بعمليات الاعتقال، ولبعض الجهات معتقلاتها الخاصة، وهذا ما يفسر اختفاء العشرات في الموصل دون معرفة مصيرهم”.

ويكتب ناشطون بين فترة وأخرى عن ملف المعتقلين، مشيرين الى انه “ملف شائك ومقلق وقد يهدد الأمن الهش المتحقق في الموصل”، فبعض الاعتقالات كيدية ولا تربط أصحابها أي علاقة بتنظيمات متطرفة.

ويقول أبو علي، وهو سائق سيارة أجرة، رفض الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة الأمنية، أن أحد اقربائه اعتقل مع عشرة آخرين بعد أن خرجوا للقيام بوقفة احتجاجية والتقاط بعض الصور دعما للتظاهرات في بغداد.

ويضيف إن عائلة قريبه استعانوا بضباط كبار حتى يتمكنوا من الوصول الى ابنهم ذو الـ 17 عاماً، والذي اعتقل لأيام، وان الضابط الذي توسط للإفراج عنه أكد أن التعليمات صارمة جدا بهذا الخصوص، وأنه لولا علاقته الجيدة بالجهة التي اعتقلت ابنهم لاصبح في عداد المفقودين.

الناشط (س.ع) يقول، رغم دعوات التأييد وحالة التعاطف التي تحظى بها التظاهرات في الموصل، لكن لا يمكن أن يتم السماح بحصول أي احتجاجات فيها، “وضع الموصل يختلف عن بغداد والجنوب، فهي مدينة سنية خارجة من حرب مدمرة وسكانها محل شبهة.. ثم انه في النهاية صراع شيعي ضد الادارة السيئة للشيعة للحكم”.

ويلفت الى ان من يلومون أهالي المحافظات السنية بعدم انخراطهم في الحركة الاحتجاجية، بأنهم يجهلون واقعها “الوضع الامني هنا مختلف وكل شيء تحت قبضة الأحزاب القريبة من الحشد الشعبي والتي هي الحاكم الفعلي في نينوى كما هم أصحاب اليد الطولى في الحكومة الاتحادية”.

تهديدات مختلفة

إذا كانت عمليات الاعتقال والخطف والتهديد ضد المتظاهرين والمعتصمين في بغداد وجنوب العراق تلقى صدىً في وسائل الاعلام، فان وسائل الترهيب تلك تظل غير مسموعة في نينوى والأنبار وحتى صلاح الدين، فالعديد من النشطاء في الموصل تلقوا تهديدات مباشرة من القوات الأمنية، أو غير مباشرة من خلال رسائل وصلت الى هواتفهم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمجرد أن يبدر منهم أي تحرك مؤيد للاحتجاجات.

ورغم التهديدات وأجواء الخوف وتحذير الكثير من العائلات الموصلية لأبنائها من الانضمام الى اي حراك مؤيد للاحتجاجات، شهدت العديد من كليات جامعة الموصل ما يشبه الاعتصامات، خاصة  بعد 25 تشرين الاول/اكتوبر واحتدام المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن في بغداد وجنوب البلاد، حيث رفض الطلاب الالتحاق بالدوام.

ثلاث طالبات أردن التقاط صور وهن يحملن أوراق عليها شعارات مؤيدة للتظاهرات، لكن سرعان ما اجتمع حولهن عناصر أمن وتم احتجازهم لساعات تلقوا خلالها أشكال من التهديدات، وصلت الى “الطعن بأخلاقهن”، بحسب الطالبة (س م) التي قالت “لم نكن ننوي فعل شيء معادي، فقط أردنا التقاط صور وبيدنا شعارات بسيطة تؤيد مطالب المتظاهرين لننشرها على صفحاتنا كنوع من التضامن”.

الشيء ذاته حصل مع اربعة نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قامت القوات الأمنية بمنعهم من التصوير ومن ثم قامت بتفتيش هواتفهم للتحقق ومسح أي تسجيلات وصور مؤيدة للاحتجاجات، وسجلوا أرقام هواتفهم وأخذ عناوين حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مع رسالة تهديد واضحة بتعرضهم للملاحقة إذا نشروا أي شيء في صفحاتهم. 

يقول أحد النشطاء، إنه تلقى تهديداً من أحد المحسوبين على القوات الأمنية لأنه نشر خبر الإضراب العام الذي دعت إليه نقابة المعلمين العراقيين تأييداً للمظاهرات.

ويوضح “اتصل بي وقال لا تتورط بهذه الأمور فهؤلاء بعثيون وسوف يتم محاسبتهم جميعا، وانتم في الموصل أساساً متهمون”.

أحد الناشطين في الموصل قام بنشر إعلان على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، يطلب جمع تبرعات لمساندة الحركة الاحتجاجية في بغداد والجنوب ثم قام بإلغائها، وبعد أن أتصل به فريق العمل أنكر أنه نشر هذا الإعلان رغم أن الفريق شاهد إعلانه، وبعد الاستفسار تبين أنه تعرض الى التهديد وأجبر على مسح الإعلان وإنكاره.

مصدر في جهاز أمني، كشف لفريق التحقيق، عن انشاء “خلية اعلامية” لمتابعة تحركات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وعن قيامهم بوضع قائمة بأسماء كل من تصدر عنه إشارات تأييد للتظاهرات في بغداد.

المصدر قال إن “الأسماء الواردة في القائمة سيتم ملاحقة أصحابها بلا تردد وتحت عنوان منع العبث بالأمن الوطني”.

قمع داخل الجامعة

بعد قيام طلاب في كلية الهندسة التقنية بنشر صور، تظهر امتناعهم عن دخول الفصول الدراسية وقيامهم برفع أوراق طبعت عليها شعارات مؤيدة للتظاهرات، أصبح تواجد القوات الأمنية ملحوظا داخل أروقة كليات الجامعة، لمراقبة أي تحرك للطلاب.

يقول محمد حميد،وهو طالب جامعي، إن “القوات الأمنية تتابع سجل الغياب وتسجل عناوين الطلاب المتغيبين وتجبرهم بعضهم التوقيع على تعهدات أمنية، كما أنها تقوم بمراقبة مكاتب الطبع والاستنساخ في حال قيام أي طالب بطباعة شعارات مؤيدة للمظاهرات”.

ورغم هذا التشديد، إلا إن طلاباً من عدة كليات اضربوا عن الدوام وامتنعوا عن دخول الفصول، ما دفع القوات الأمنية الى التشديد على الأساتذة والطلب منهم بفرض امتحانات يومية لمنع الطلاب من التغيب.

يقول محمد الخياط وهو طالب في جامعة الموصل إن “بعض الأساتذة حولوا محاضراتهم الى امتحانات يومية وينصحون الطلاب بعدم التغيب لمصلحتهم. وبرر أحد الأساتذة ذلك بالقول: نحن مجبرون على ذلك، لأن أي تحرك يمكن أن يفسر على أنه عصيان ومن الممكن أن يحمل ذلك نتائج كارثية على المدينة”.

وممن تحدثنا معهم لكنهم طلبوا عدم ذكر اسمهم، صحفي من الموصل (26 عاما) غادرها الى بغداد مع الموجة الاحتجاجية الثانية مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر، حين كان صحفيون من بغداد يغادرونها الى اقليم كردستان خوفاً من الملاحقة ومع تزايد التهديدات التي تصلهم، قال “نحن ملاحقون في الموصل ومهددون على نحو أكبر، لذلك قد تبدو بغداد بيئة أكثر أمنا لنا”. 

وتابع، وهو يطلب من رفاقه انتظاره للصعود سوياً الى اعلى بناية المطعم التركي في بغداد، “كما اننا نريد ان نشارك في الحراك، وان نغطيه، هناك شيء عظيم يحدث فالشباب المنتفض يسقطون الطائفية بعد 16 عاما من استفحال هذا المرض، وهناك تلاحم غير مسبوق، وشعار جامع: نريد وطنا”.

الصحفي الموصلي، ودّعنا سريعاً للانضمام الى رفاقه وهو يطرح سؤالاً احتجاجياً: “إذا كانت القوات الأمنية قتلت في بغداد والجنوب 330 شخصاً وجرحت أكثر من 15 ألفاً بالرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع، فماذا كانت ستفعل في الموصل والأنبار؟ وماذا كانت ستستخدم ضد المحتجين هناك”.

ملاحقات أمنية

في ساحة التحرير رئة الاحتجاجات في العراق وقلبها الكبير، لا يقتصر التواجد فيها على بضعة صحفيين من الموصل يعملون على توثيق ما يحصل للجهات التي يعملون فيها، فهناك نشطاء من المدينة يتواجدون منذ أسابيع في التحرير للمشاركة بالحركة الاحتجاجية بعد أن عجزوا عن فعل ذلك في مدينتهم.

يقول الشاب خالد، الذي يلف علماً عراقياًَ حول عنقه بينما يقف قرب لوحة غرافيتي حديثة في نفق التحرير “لن أعود الى الموصل ما لم تحقق الحركة الاحتجاجية أهدافها”.

ويضيف وهو يبتسم “لقد كشفت كافة أوراقي… جهة أمنية قامت بالاستفسار عني في الحي الذي أسكنه، بكل الأحوال لا يمكنني العودة الآن”.

الناشط حسن جبار، الذي قرر السفر الى بغداد مع مجموعة أخرى من الشباب للمشاركة في الحراك، لكنه أوقف في نقطة تفتيش الموصل وتم منعه من السفر. يقول “بعد تحقيق مطول، أبلغني عنصر أمن انني مرصود وانهم يعرفون عني كل شيء، قال لا يمكنك السفر الى بغداد، نحن نعرف غايتك من التوجه الى هناك”.

إحدى الناشطات في الموصل، رفضت ذكر اسمها، قالت إنها “تشعر بالحزن والغضب لعدم قدرتها على ابداء رأيها ومساندة التظاهرات الحقة في بغداد ولو بكلمة او صورة، خوفاً من الملاحقة الأمنية وجلب المشاكل لعائلتها”.

وتضيف “هناك الكثيرات مثلي يسكتون مرغمين بسبب المتابعات الأمنية”.

بعد أسبوع من اللقاء الأول بمحمد، الذي خرج من تجربة الاعتقال التي وصفها بـ المؤلمة والمريرة، التقاه مجدداً معد التحقيق لكن خارج مدينة الموصل، وسأله إذا كان قرار الهجرة خارج البلاد مازال قائما، حتى بعد اعلان الاحزاب الحاكمة “ورقة اصلاحية تبشر باقامة نظام سياسي جديد وانهاء عقد ونصف من الفساد وسوء الادارة”، فرد قائلا “الهجرة ليست خياري بل خيار عائلتي”.

وتابع “لقد هربت من مدينتي خوفاً من الملاحقات الأمنية لمجرد تضامني مع مطالب المحتجين السلميين التي يقولون إنها محقة ولكنهم يقتلونهم بسببها.. قالوا لي انت تحت المتابعة في أي خطوة تقوم بها.. قال لي أحدهم بالحرف الواحد: أنت تحت أعيننا ولن نتركك تعبث بالأمن”.

وأردف وهو يتطلع الى شاشة التلفزيون التي كانت تنقل مشاهد لمواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن “لا يمكن الوثوق بهم، رئيس الحكومة بعد مقتل المئات وجرح الآلاف لا يريد الاستقالة، والأحزاب الحاكمة تخطط للحفاظ على أكبر قدر من امتيازاتها والاستمرار في الحكم تحت أي ظرف”.

توقف لبرهة وهو يتطلع الى السقف، ثم أكمل وهو يبتسم: “أنا لا أعرف كيف يفسرون العبث بالأمن، اعتبروا اللافتة التي رفعتها (عاش العراق) على أنها خرق أمنى.. من الأفضل أن ابحث عن وطن آخر حتى نسترد وطننا المسلوب”.

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email