العراق: رحيل عبد المهدي بعد مهلة 45 يوماً؟

زينب المشاط – صحافية عراقية
نوفمبر 27, 2019
توجَّه اتهامات من قِبل المواطنين إلى المرجعية الدينية في النجف لعدم التصريح الواضح والصريح بإقالة حكومة عبد المهدي، إلا أن مراقبين يؤكدون عكس ذلك.

بصرخةٍ دفعت بمراسل إحدى القنوات الإخبارية العراقية إلى الخلف فزعاً، نادى عبد الله قائلاً “كفاكم لعباً مع الشعب العراقي، فطلبنا واضح، ما نريدهُ هو استقالة عبد المهدي، وحكومته، والبرلمان، هذه الحكومة تلطخت يدها بدماء الأبرياء ولا يمكن أن نثق بها بعد الآن، كيف لنظام سياسي يدعي الديموقراطية ومن ثم يقتل المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، أن يقدم إصلاحات أو يعدل قانوناً انتخابياً أو دستوراً؟”.

عبد الله أحد المتظاهرين في ساحة التحرير، جاء مع أخويه حسن وجلال ليلة 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ليُلازموا ساحة التظاهر، إلا أنه فُجع باستشهاد أخيه حسن بقنبلة مسيلة للدموع ضُربت برأسه في 27 تشرين الأول. يجد عبد الله أن حق أخيه لن يؤخذ إلا باستقالة حكومة عبد المهدي ويقول “لن نكتفي بإقالة الوزراء، يجب أن يحاكموا وفق محكمة دولية عادلة كما حدث بالضبط مع صدام حسين ونظامه”.

مطلب عبد الله ومن معهُ هو أولاً إقالة حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ومحاسبة الجهات المتسببة بقتل المتظاهرين منذ الأول من تشرين الأول وحتى اللحظة، إلا أن ما يفاجئ الشارع العراقي هو هذا الصمت المُطبق على طلب إقالة حكومة عبد المهدي…

استجواب وإقالة 

لأكثر من مرّة دعت “كتلة سائرون”، وهي أكبر كتلة تولّت مهمة تشكيل الحكومة العراقية بعدما حجزت قُرابة 55 مقعداً برلمانياً، إلى استجواب رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وإقالته، بخاصة بعد التغريدة الصريحة التي دعا فيها زعيم الكتلة مقتدى الصدر إلى ذلك بقوله “استقل يا فاسد”. وقال النائب عن تحالف “سائرون” سلام هادي إن “تحالف سائرون ماضٍ بجمع تواقيع من النواب لاستجواب عبد المهدي ومن ثم إقالته، وسنستند إلى استهتار هذا الرجل بالدم العراقي”.

ويؤكد هادي أن “الدستور والقانون يسقطان شرعية عبد المهدي، بخاصة أننا ككتلة كبرى، نقف ضده واتفقنا على سحب الثقة عنه. المشكلة الأساس تكمن بالكتل الأخرى التي لا تزال تخشى سحب الثقة من عبد المهدي خوفاً على مصالحها التي ستتضارب في حال إقالته”.

مراوغة الرئاسات الثلاث 

رأى النائب عن “تحالف النصر” عدنان الزرفي أن “الرئاسات الثلاث تراوغ في مطالب الشعب بإقالة عبد المهدي، لأن الظروف كلها مؤاتية لذلك، فالكتلة الكبرى تجمع تواقيع البرلمانيين الذين وافقوا على استجوابه وإقالته، والمرجعية أعطت شرعية السلطة الى الشعب العراقي، ولرئاسة الجمهورية قدرة على إقالته، إلا أن ذلك لم يحصل حتى الآن”.

“حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات مبكرة من شأنهما أن يوجدا مخرجاً للوضع السياسي المتأزم في عموم البلاد”، وفق الزرفي الذي أكد أن “جميع المؤشرات تفيد بأن الرئاسات لا تريد تعجيل الانتخابات، كون مواقفها بقيت عامة، ولم تدخل إلى جوهر المشكلات وتحديد آليات حلها”.

وأشار الزرفي إلى أن “استقالة عبد المهدي لا تدخل العراق في فراغ دستوري كما يروج له حالياً، إذ تقوم حكومته بمهمات تصريف الأعمال اليومية لحين انتخاب بديل منه، وتشكيل حكومة جديدة، وهذا أمر بداهي يحدث بعد انتهاء دورة أي حكومة، إذ تقوم بتصريف الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، ليعتبر عبد المهدي أن فترة حكومته انتهت وأن من حق الكتل السياسية الآن وضع بديلاً منه”. مؤكداً أن “الرجل لم يعد يتقبل هذا الواقع، ويبدو أن للرئاسات الثلاث مصلحة في بقائه”.

لا مجال لتقديم حلول 

على رغم أن “تحالف الفتح” واحد من التحالفات التي حصلت على ثاني أكبر عدد من المقاعد البرلمانية بعد “سائرون”، وأن لهذه الكتلة جمهورها فهي تحت زعامة هادي العامري والشيخ قيس الخزعلي، إلا أن النائب عن هذا التحالف حنين القدو يقول “لقد طرحنا أكثر من حل للأزمة في الشارع العراقي، وتغاضينا عن فكرة إقالة الحكومة، وكانت النتيجة تصاعد مطالب الشارع ضدنا، نحن نحاول تجاهل مطلب الشارع الرئيسي وهو إقالة حكومة عبد المهدي وهذا سيضعنا في أزمة حقيقية مع المواطنين الذين وضعوا ثقتهم بنا كنواب”.

مطلب عبد الله ومن معهُ هو أولاً إقالة حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ومحاسبة الجهات المتسببة بقتل المتظاهرين منذ الأول من تشرين الأول وحتى اللحظة

“تحالف الفتح” يخشى أن تلوي الكتل السياسية الأخرى ذراعه بعد إقالة عبد المهدي، وفق القيادي فيه أبو الفقار الشمري الذي يقول: “لسنا وحدنا من شارك في تشكيل هذه الحكومة وترشيح عبد المهدي للمنصب، لهذا نحن نرفض ما تحاوله بعض الجهات، من احتمال ليّ ذراعنا بحجة إقالة عبد المهدي”. ويؤكد “أننا متمسكون بالدستور وتطبيقه ولسنا متمسكين بشخص عبد المهدي، ولهذا نحن متأنين باتخاذ أي خطوة لكي لا نقع في خطأ مخالفة الدستور”.

الحرب خدعة

الجانب المعارض في البرلمان والذي يتمثل بـ”تيار الحكمة”، حاول الابتعاد من “العاطفة والشعارات في تقديم الحلول للأزمة”، كما ذكر النائب عن الحكمة محمد حسام الحسيني، مؤكداً “أن الإقالة عبارة عن توافق سياسي وتوافق كتل. نحن ككتلة معارضة نملك 20 مقعداً في البرلمان العراقي، ونحن مدركون أننا مهما فعلنا لن نستطيع إقالة حكومة عبد المهدي بهذا العدد من النواب، لهذا اتبعنا مخططاً بديلاً وألزمنا به الكتل السياسية الأخرى بزعاماتها بإقالة الحكومة وحل البرلمان”.

ولأن الحرب خدعة، ولـ”تيار الحكمة” مآربه الخاصة، كما هي حال التحالفات والتيارات الأخرى، يقول الحسيني “في الاجتماع الذي أقيم في بيت عمار الحكيم، وحين قدمنا وثيقة إصلاحات مشروطة التنفيذ خلال 45 يوماً، ألزمنا الكتل السياسية بحل البرلمان وإقالة الحكومة في حال لم تُنفذ هذه الإصلاحات”.

لم يُعبر الحسيني عن سعادته بشكل مباشر بنبأ إقالة حكومة عبد المهدي مع بداية العام المقبل، إلا انه قال “أنا مُتأكد من أن البرلمان والحكومة عاجزان تماماً عن تقديم حلول خلال الـ45 يوماً التي منحناها لهما، لهذا سيتم تلقائياً حل البرلمان وإقالة الحكومة، بخاصة أن زعامات الكتل النيابية والتحالفات النيابية وقعوا على هذه الوثيقة المشروطة بـ45 يوماً، ونحن سنلزمهم بتوقيعهم هذا، وفي حال أجرى البرلمان والحكومة الإصلاحات خلال المدة الممنوحة، فهذا أمر لا بأس به وهو بادرة خير على الشعب العراقي”.

وتتضمن وثيقة الإصلاحات التي وقعها عدد من زعماء الكتل السياسية يوم الاثنين 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، بعد اجتماعهم بزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم مجموعة من الإصلاحات والمطالب الخاصة بالشعب العراقي، منها محاكمة الذين تلطخت أيديهم بدماء المتظاهرين والإسراع بتعديل قانون الانتخابات والدستور العراقي، ومنحت الكتل السياسية مدة لا تقل عن 45 يوماً للحكومة العراقية والبرلمان، لتنفيذ هذه الإصلاحات، وفي حال عدم الالتزام على البرلمان أن يحل نفسه، فضلاً عن إقالة الحكومة.

المرجعية وقرار اقالة الحكومة

توجَّه اتهامات من قِبل المواطنين إلى المرجعية الدينية في النجف لعدم التصريح الواضح والصريح بإقالة حكومة عبد المهدي، إلا أن مراقبين يؤكدون عكس ذلك. المحلل السياسي غالب الشابندر يقول إن “المرجعية لم تطلب بعبارة صريحة استقالة عبد المهدي، لاعتبارات كثيرة أولها الشأن الإيراني، والشأن الأميركي، فضلاً عن المناخ العراقي الداخلي، ومشكلة إقليم كردستان التي ترتبط هي الأخرى بإقالة عبد المهدي بشكل وثيق، كل هذه الاعتبارات تضعها المرجعية”. ويؤكد “أنها تعتبر مطالب الشعب العراقي أولوية، إذ أعلنت بوضوح أن شرعية السلطة الحاكمة بيد الشعب، كما طالبت بإجراء انتخابات مبكرة. كان هذا إعلاناً واضحاً ومطالبة واضحة باستقالة حكومة عبد المهدي. أما أن تطلب الحكومة الاستقالة اسمياً وبشكل واضح فهذا أمر مستحيل لاعتبارات كثيرة”.

وفي ما يخص التفاف الكتل السياسية حول مطالب المتظاهرين بإقالة حكومة عبد المهدي، يذكر الشابندر أن “بقاء أحدهما متوقف على بقاء الآخر، فعبد المهدي جزء من منظومة سياسية امتدت لعام 2003، وبقاؤه من مصلحة الكثير، كما أن مصلحته هو الآخر مرتبطة بوجود الكتل”.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email