العراق: بلطجية وسائقو “تاكسي” يخطفون الناس لقمع التظاهرات

زينب المشاط – صحافية عراقية
ديسمبر 17, 2019
"أخذوني إلى قاعة وسألوني إن كنت أنتمي إلى جهات من الوهابيين، أو السلفيين... ضربوني، ثم أجبروني على نزع ملابسي قُرابة العشر دقائق وتركوني أرتديها في ما بعد، وأعادوني إلى تلك الغرفة التي تضم جميع المعتقلين أو المختطفين."

“عرض عليّ أكثر من سائق سيارة أجرة أن يوصلني، في تلك الليلة، لكنني لم أعِرهم أي اهتمام، بسبب الوضع الأمني وخشيتي من احتمال الخطف، ومضيت في طريقي في شارع السعدون مُتجهاً إلى ساحة الفردوس. لم أشعر سوى بأن هناك دراجة هوائية يقودها شخص، ومعه آخر، دفعاني باتجاه سيارة أخرى، ما أن رُميت فيها حتى تمت تغطية وجهي، إلا أنني لمحت أن في السيارة سائقاً وشخصين، قبل أن يُغطى وجهي.”

س. ر. يتحدث عن حادثة خطفه، أو اعتقاله، مشيراً إلى أن الجهة المسؤولة غير معروف ما إذا كانت حكومية، أو ميليشيات مسلحة. يضيف لـ”درج”: “بعد قليل، أنزلوني من السيارة وقد قُيّدت يداي، وبقيت عيناي معصوبتين، وأدخلوني إلى قاعة فيها أُناس على ما يبدو أنهم بمثل حالتي تماماً. قام الخاطفون بضربي وتعذيبي مع الذين كانوا معي في تلك الغرفة، لأنني كنت أسمع صراخهم فيما كانت عيناي ما زالتا معصوبتين”.

التفاصيل التي رواها س.ر لا تعكس حالة معزولة، فاليوم تنتشر روايات عديدة مماثلة تظهر مدى الضيق بالانتفاضة العراقية وبالميل الغالب لدى المتظاهرين لمواجهة أي قمع بشكل سلمي. فبعد القنص والاعتقال والاستهداف المباشر، يبدو أن الحيل الجديدة اليوم تتجه نحو تكتيكات لا تقل خطورة لتقويض حركة الاحتجاج وكسر اندفاعة المتظاهرين ضد السلطة.

تهديد وتعذيب

يبدو أن الجهات التي خطفت س.ر. لم تكتفِ بتعذيبه واختطافه، بل لجأت إلى أساليب أخرى. يقول:” أخذوني إلى قاعة وسألوني إن كنت أنتمي إلى جهات من الوهابيين، أو السلفيين، أو جند السماء، أو من جماعة الصرخي، وأنا كنت أرفض التهم كلها. ثم سألوني، إذاً لماذا خرجت إلى ساحة التحرير إن كنت لا تنتمي إلى أي من هذه الجهات؟ لم يولوا اهتماماً لإجابتي وقاموا بضربي، ثم أجبروني على نزع ملابسي قُرابة العشر دقائق وتركوني أرتديها في ما بعد، وأعادوني إلى تلك الغرفة التي تضم جميع المعتقلين أو المختطفين.”

وسائل التعذيب كثيرة ومنها إجبار المعتقلين على نزع ملابسهم، لعلّهم بذلك يكفون عن النزول إلى ساحة التحرير ويكفّون عن المطالبة بحقوقهم. 

تنتشر روايات عديدة مماثلة تظهر مدى الضيق بالانتفاضة العراقية وبالميل الغالب لدى المتظاهرين لمواجهة أي قمع بشكل سلمي.

يتابع س. ر. “بعد أيام أعادوني إلى الغرفة التي حققوا معي فيها، وأخبروني أنني بالفعل لا أنتمي إلى أي جهة مشبوهة، وقالوا لي (ممنوع أن تشم هواء ساحة التحرير)، كانوا يعنون بذلك أنني ممنوع من الخروج إلى التظاهرات. ثم هددوني بأنهم قاموا بتصويري وأنا بلا ملابس، وقالوا إن هذه الصور كفيلة بهدر دمي عشائرياً لأننا مجتمع عشائري قبلي، وهي تشير إلى أنني أتعرض لتحرش جسدي، وأنني أقيم علاقات جنسية. وقال الخاطفون إنه في حال قمت بزيارة التحرير مرة أخرى، سيقومون بنشر هذه الصور”.

عاد س. ر. إلى منزله بالطريقة التالية:” عصبوا عيني من جديد، ثم وضعوني في السيارة وساروا بي، ثم رُميت إلى مكب للنفايات في منطقة لا أعرفها. لا أذكر سوى أنني فتحت عيني بعدما فتحوا هم وثاق يدي ودفعوا بي إلى مكب النفايات، وبعدما فتحت عيني، طلبت من صاحب سيارة أجرة نقلي إلى بيتي، ودفعت له عند الوصول”.

جهات مجهولة

يتحدث أحمد أحد المتظاهرين والنشطاء الداعمين للتظاهرات عن جهات مجهولة لاحقته ويقول لـ”درج”:” بعدما كُنت أنقل الطعام والأغطية، والأدوية إلى ساحة التحرير مستخدماً سيارة صديقي عدنان لأنني لا أملك سيارة، اتصل بي عدنان ذات صباح. أخبرني أن هنالك جهات مجهولة ترتدي ملابس مُرقطة/ عسكرية، لكنها غير حكومية قامت بالذهاب الى بيته، وطرقت الباب وصرخت باسمه أكثر من مرة، إلا أن صديقي الذي كان يملك كاميرا للمراقبة عند باب منزله حين رآهم، خشي من فتح الباب، وما أن حلّ الصباح حتى اتصل بي وأبلغني بما حصل.”

يبدو أن الجهات التي خطفت س.ر. لم تكتفِ بتعذيبه واختطافه، بل لجأت إلى أساليب أخرى.

لم يكن عدنان ممن يزورون ساحة التحرير، وليست له أي علاقة بالتظاهرات، يقول أحمد “أنا من كنت أذهب إلى ساحة التحرير، ولكنني أستخدم سيارة عدنان ويبدو أن هذه الجماعات كانت تراقب السيارة ومن خلال رقمها توجهوا إلى بيت عدنان، لأنه صاحب السيارة ظناً منهم أنني عدنان”. وتابع: “أنا أشك بأمن هيئة الحشد الشعبي، عناصرها يرتدون ملابس عسكرية، لكنهم لا ينتمون إلى أي جهة أمنية حكومية. ومعظم الاعتقالات التي حدثت كانت الهيئة مسؤولة عنها. لقد نجوت منهم هذه المرة وتركت سيارة صديقي عدنان، ولم أعد أستخدمها لتقديم العون للمتظاهرين وسأحاول إيجاد وسيلة جديدة.”

البلطجية

“لقد ضربت بالسكين عند جسر الأحرار حين توجهت لمعالجة أحد المصابين هناك، لم أشعر وسط زحمة المتظاهرين هناك سوى بوخزة في كتفي اليمنى، ليخبرني زملائي المسعفون أنني مصابة، تلطخت صدريتي بالدماء، ولم أعد أذهب إلى هذه المنطقة، وقررت البقاء في خيمة الإسعاف في ساحة التحرير”. عبير المسعفة في إحدى الخيم، كانت تتوجه باستمرار إلى جسر الأحرار لإسعاف المتظاهرين هناك، تتحدث عن إصابتها، بعدما غرز أحدهم سكيناً في كتفها.

البلطجية والمندسون من قبل بعض الميليشيات أو الجهات الحكومية أو الأحزاب هم من يقوم بذلك. كثر من الشهود المتظاهرين يؤكدون هذا، إذ يقول فيصل،” في إحدى الليالي الممطرة وعند نحو الثانية فجراً، توقفت سيارة عند خيمتنا في التحرير، ونزل منها عدد من البلطجية الذين يحملون أسلحة خفيفة وقاموا بتمزيق الخيم بالسكاكين.”

لم تكُن هذه الحادثة الوحيدة التي رواها فيصل،” أحياناً تدخل دراجات هوائية وبسرعتها القصوى وسط المتظاهرين النائمين في الساحة في ساعات متأخرة من الليل، وفي ليالٍ كثيرة هاجمونا بالأسلحة الخفيفة”.

مخطط الدخول إلى الساحة

بسبب انتشار حالات القتل والاختطاف، أو محاولات التخويف التي يستخدمها بعض المجهولين لتهديد المتظاهرين، لجأ عدد من المتظاهرين إلى وضع خطط للدخول إلى ساحة التظاهرات (ساحة التحرير) والخروج منها. يذكر حارث أحد المتظاهرين والذي تقع خيمته على مقربة من تمثال عبد المحسن السعدون وبعد الحواجز الكونكريتية التي تفصل التمثال عن ساحات الاحتجاج:” المخطط الذي وضعناه يعتمد على أساليب الخروج من الساحة والدخول إليها، فضلاً عن أوقات الدخول والخروج، فمنذ الصباح الباكر وحتى السادسة مساءً نستطيع الدخول والخروج بشكل طبيعي من ساحة التحرير، وما أن تتجاوز السادسة مساءً حتى نتوقف عن الدخول والخروج من الساحة وإليها. فحينها يكون أفضل لأمننا أن نبقى في الخيم، وفي حال اضطررنا إلى مغادرة الساحة، فعلينا أن نغادرها مجموعات. ونتوجه من ساحة التحرير إلى شارع السعدون ونتجاوز الحواجز الكونكريتية حيث تقف مجموعة من سيارات الأجرة، التي تطلب أن توصلنا، نتجنب نحن الركوب فيها، لأنها قد تكون تابعة لجهات حزبية أو ميليشياوية أو حكومية، فضلاً عن سيارات “الكوستر” التي تتجه من شارع السعدون إلى منطقة الكرادة داخل، نتجنب استخدامها هي الأخرى على سبيل الحذر. لذلك نخرج من الساحة مجموعات عند الضرورة، إما سيراً على الأقدام أو نتّصل بسيارة أجرة لتقلّنا”.

فراس هو الآخر يؤكد أننا “في الفترة الأخيرة منعنا الفتيات من البقاء في الساحة بعد الرابعة عصراً، فساحة التحرير ما أن يخيم الليل حتى تمتلئ بالأشخاص المريبين، بعضهم تابع لجهات مجهولة وهدفه مراقبة الساحة أو افتعال المشكلات هناك، فضلاً عن هجوم البلطجية في معظم الليالي. والمشكلة أن بعض المتظاهرين الجدد يأتون إلى الساحة من دون أن يعرفوا خطط الخروج والدخول إلى المكان، ولا حتى مواعيدها، ونحاول نحن توعيتهم بين حين وآخر للحفاظ على سلامتهم.”

اختطاف الصحافيين 

قبل أيام قليلة وخلال ساعات الليل الأولى، وعند منطقة كهرمانة، حيث يتجمع أغلب الأشخاص الراغبين بالذهاب الى التحرير، في ساحة كهرمانة تحديداً، ويتجهون مباشرة إلى الباب الشرقي حيث موقع التظاهرات، يذكر محمد السلمان وهو صحافي وكاتب لـ”درج”:” توجهنا أنا و4 صحافيين آخرين من ساحة كهرمانة إلى ساحة التحرير عند السابعة مساءً، سيراً على الأقدام، لتتبعنا سيارة “شرطة اتحادية”. أوقفتنا وأجبرنا من فيها على الركوب في السيارة. وعلى رغم أننا طالبناهم بإبراز الأمر القضائي الذي يكلفهم بإلقاء القبض علينا، إلا أنهم لم يستجيبوا. وبعدما وصلنا إلى مركز شرطة السعدون قاموا بالتحقيق معنا، وحين طالبناهم بحقنا بالاتصال بمحامٍ ليدافع عنّا رفضوا ذلك أيضاً، وقاموا بعدها بسحب هوياتنا وتصويرها، والتقاط صور لنا. أخبرونا أن صورنا وصور هوياتنا ستكون لديهم وسيضعوننا تحت المراقبة، وأنذرونا بعدم الذهاب إلى ساحة التظاهرات، وقالوا إنهم يعرفون أننا صحافيون، علماً أن أسلوبهم كان حاداً ومسيئاً للصحافيين. بعدها أخرجونا من المركز.”

“أصحاب القبعات البيض” يُقفلون بغداد… ما هي رسالتهم؟

إقرأ أيضاً

درج
انعطافة الصدر تولت تزخيم التظاهرات العراقية المناوئة لنفوذ طهران في العراق. هذا ما كشفته تظاهرات يومي السبت والأحد في مدن الشيعة العراقيين.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
حتى لا تتحول حملة مقاطعة اسرائيل إلى صناعة للوهم، وحتى لا تصبح دعوة كيدية، ولا تأخذ إطاراً دعائياً، أبطاله ممثلون فاشلون…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا أعرف وجع الرجل الذي دفعه لحمل أعز ما يملك وضمّه إلى صدره أمام قسوة القوى الأمنية التي استمرّت في رمي الرجل بالماء رغم رفع يديه وحمل طفله عاليًا طلبًا للرحمة.
نضال أيوب – صحافية لبنانية
تلك الليلة، كنتُ أقومُ بتصوير ما يحدث وتوثيق انتهاكات قوى الأمن بحقنا، لكن حين بدأ الاعتداء على العامل السوري من قبل بعض الثوار، لم أسجل ما حدث.
ميزر كمال- صحافي عراقي
كانت تغريدة الصدر بمثابة تفويض للسلطة والمليشيات بإنهاء الاحتجاجات، وإعطاء الضوء الأخضر لقمعها نهائياً، وهذا ما حدث فعلاً…
ديانا سمعان – باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية
قد لا يُدرك ضابط الأمن اللبناني الذي هدد المتظاهرين بـ “ما لا يمكن تصوره” ببساطة عمق القسوة وانعدام الإنسانية الكامنة في صميم تهديده.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email