fbpx

هنا القصة الثالثة

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

العبور الجنسي عربياً: ثورة في وجه الاستبداد!

“هذا العالم مخيف”، عبارة واحدة تقولها صديقتي المتحوّلة تختصر ما تعيشه. رحلة من جحيم إلى آخر، حتى لو حصلت على إقامة لجوء في ألمانيا وتمتعت بحقوق حماية مدنية، إلا أنها لا تزال تشعر بالخطر والخوف والتهديد اليومي. هذه البلاد الجديدة لم تسعفها إلى الآن على التخفف من الألم والمنفى، ومشاعر منهوبة في خضم التغيرات الفيزيولوجية والنفسية الطارئة على يومياتها. ومن أبسط تحدياتها هو السؤال الذي يكرّره المحيطون بها: لماذا تحوّلت من رجل إلى امرأة؟ سؤال قد يكون عادياً ولا استغراب فيه، كونه ينبع من فضول فطري، إلا أنها تصفه بـ”الجارح والقاسي”. ويكاد كل من يطرحه عليها يعيدها إلى مرحلة “الديسفوريا”، أو “الانزعاج الجندري”.

الديسفوريا الهوياتية

والديسفوريا، هو اضطراب الهوية الجندرية ويعرف باللغة الإنكليزية بـ”Gender Dysphoria”. وهي حالة نفسية نتيجة النزاع الداخلي تجاه الجسد والرغبة في التخلص منه، أي رفض الجنس البيولوجي الذي ولد فيه المرء. وهذه الحالة النفسية ترتبط بـ”الخلل الجندري”، لدى أفراد يحسون بأنهم/ن غير مرتاحين/ات بأجسادهن/م. وتستمر هذه الحالة قبل عملية تصحيح الجنس وخلالها وبعدها، ليتناسب مع الهوية الجندرية.

وبالنسبة إلى صديقتي فهي امرأة. الرجل الذي عاشت في جسده ربع قرن، كان خطأ لا بد من تصحيحه. وها هي اليوم تنتعل الكعب العالي وترتدي فساتين “ديكولتيه”، وتصفف شعرها الطويل وتضع أحمر الشفاه وتخرج للسهر كأي امرأة أخرى في البارات والمطاعم وضمن الحلقات الاجتماعية. وعلى رغم معاناتها من الأحكام الجاهزة ومن “بيئتها الضيقة”، إلا أنها تحاول إنصاف ذاتها بتقبل مشقة هذه الرحلة وصولاً إلى الحرية. وأولها حريتها في أن تكون في جسم تحبّه وتنتمي إليه وتسميه “بيتها”.

“مانيفيستو العبور”

وتشبه قصة صديقتي، قصصاً معاشة لعابرين وعابرات جنسياً في دول عربية مختلفة، يتحدون الظروف والتحولات والبنى والمفاهيم. ويقفون أمام مرآة ذواتهم بعزيمة. هذه ثورات شخصية ترسم تحولاً سياسياً في وجه الاستبداد، يشابه أي نوع من الثورات العامة التي تشكل قضايانا المحورية.

هذه الفئة المهمشة التي تكتب وتقول وتدوّن وتصوّر وتعبّر عن تجاربها في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع المستقلة وعبر المنصات، ترتبط في تشكيلها “مانفيستو” موثق وعلى مراحل، في وجه “السلطة” بكل أنواعها الأبوية البطريركية والتصنيفات الجندرية القائمة والموروثة. احتجاج بحق الفرد بأن يكون نفسه، في مواجهة الأنماط الاجتماعية المرسخة، بدءاً من مجتمع الميم نفسه، ولدى بعض المثليين/ات تحديداً، الذين لديهم/ن صور جاهزة عن العابرين/ات جنسياً.

هؤلاء العابرون/ات جنسياً لم يعدن/ون خائفون/ات من الماضي. يحاولون قدر المستطاع التصالح معه. وصديقتي اليوم، تعيش تجربتها مع الألم وحيدة. وتواجه ككثيرات، تعليباً جندرياً. هي امرأة متحوّلة تحب الرجال. وحين تهم بتفسير هذه الجملة لبعضهم، ستحاط بكثير من الالتباس. كأن من واجب العابرين/ات إيجاد إجابات عن هوياتهم/ن وتحولاتهم/ن. بعد أن يتم وضعهم/ن في “ثنائية جندرية” ضيقة. رجل/ امرأة. رجل مثلي/ امرأة مثلية. لكن “زمن الثنائية انتهى، نحن في زمن التعددية الجنسانية”، هذا ما تقوله وهي تفكر بأن رحلتها الى الأمام لا تقوّضها تسميات بالية.

التخلّف المعرفي

ولا يزال عالمنا العربي متخلفاً عن ركب مفاهيم كثيرة تتعلق بالجندرة. والمفاهيم متجددة ولا ثبات فيها، هذا ما يقوله علم الألسنيات. لكن بعض مفاهيمنا المتقادمة عن أنفسنا والآخرين، ومنطقها القائم على كادرات تصنيفية، تجعل هذا الجهل ينسحب على مجتمع “الميم” نفسه. ويندرج “التخلف المعرفي” في سياق تعززه أجواء العنف وآليات التوحش والتدين الأعمى، إضافة إلى تدني مستوى التعليم وغياب التثقيف الجنسي عموماً. لا سيما أن الثقافة الجنسية محدودة. تكاد ترتبط ببعض ورش العمل أو الجلسات المغلقة. بعض النخبة تتوصل إلى جديد هذا العالم من خلال دراسات النوع الاجتماعي، عبر معرفتها اللغوية وتمكّنها من لغات عدة (لا تزال البحوث العربية ضئيلة وشحيحة في هذا المجال)، أو من خلال علم النفس الحديث والإبستيملوجيات أو ضمن اهتمامات شخصية جداً.

إلى كل هؤلاء الصامتين/ات في عالمنا العربي، لكم التحية،
ورحلتكم جزء من ثورات الفرد العربي

والواقع يضعنا أمام شريحة واسعة لا تميز بين المثليين/ات والعابرين/ات جنسياً. والخلط “المجاني” بين مفاهيم ومشاعر قد تصيب أحياناً شريحة مهمشة من العابرين/ات. وهم الذين يعبرون من نوع جندري إلى آخر، في تعدّديته. فحين تعبُر إحداهن من جسدها الرجولي إلى جسدها الأنثوي الجديد، فهي لا تتحول إلى امرأة فقط. هي ابنة هوية تعددية مختلفة، لها ماضيها ومشاعرها وهويتها الجديدة التي لا تنحصر بكونها امرأة. لا يمكن تحديد ميولها الجنسية على أساس عبورها الجسماني/ الشكلي. فالجسد الجديد لا يعبّر بالضرورة عن ميول جنسانية مرتبطة به وفق “ثنائية” محددة. فهناك عابرات كن في السابق رجالاً وأصبحن بأجساد أنثوية ينجذبن إلى نساء. وهنا داخل “البيت الجندري المتعدّد” هناك مثليون ومثليات في خانة “العابرين جنسياً”. وهذا ما يسمى التنويع الجندري، الذي يحقق مروحة من الهويات الواسعة وتتمازج فيه قدرة الفرد على التآلف مع ميول وهويات وأشكال مختلفة غير مؤطرة. وفي هذا الوعي، رحلة طويلة تحتاج إلى دعم ومعرفة ومنظومة حقوقية وإدارات رسمية لمساعدة العابرين/ات ليغيروا سجلاتهم/ن أيضاً، لضمان استمرار نشاطهم العادي في مجالات العمل والدوائر الرسمية وغيرها.

ما علينا إلا أن نشد على أيدي هؤلاء العابرين/ات في سفرهم القاسي والأليم، وهم/ن يحاولون الخروج إلى الحياة بهوياتهم/ن الشخصية التي تعرّفوا إليها وتصالحوا معها وتقبلوا مشقتها وما زالوا. إلى كل هؤلاء الصامتين/ات في عالمنا العربي، المنسيين والمهمشين، لكم التحية ورحلتكم جزء من ثورات الفرد العربي، وعلينا أن نتبناها من أجل الحرية والكرامة في وجه الاستبداد أولاً وأخيراً.

 

 

منعوا روايتي “رجل من ساتان”: فسحتنا أكبر من جدران القمع

 

 

إقرأ أيضاً