fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

الظمأ قادم والجفاف هو الأقوى منذ تسعة قرون

أصبحت مدينة كيب-تاون في جنوب أفريقيا، التي كانت تتصدر عناوين أشهر مناطق العالم جمالا، من بين المدن العطشى، أو المنكوبة مائياً إذا جاز الاستخدام. لقد أعلنت حكومة جنوب أفريقيا حالة الكارثة الطبيعية في أربع مقاطعات مختلفة في البلاد، وسجلت أدنى مستويات هطول الأمطار منذ ما يقارب قرن كامل، وستلجأ الحكومة لإيقاف توزيع المياه عن السكان في مدينة كيب-تاون اعتباراً من 4 حزيران القادم. وسيقوم الجيش بتوزيع الكميات المحددة (25 ليتر لكل فرد يومياً) في 200 مركز داخل المدينة. وسمي اليوم الذي يبدأ فيه الجيش بتوزيع المياه بـ(اليوم صفر)، بعدما وصلت نسبة المياه داخل السدود الستة التي تغذي المدينة بمياه الشرب إلى مستوى مخيف مقارنة بعدد سكانها البالغ 4.5 مليون شخص. ويحق للفرد الذي لا تتجاوز حصته المائية 50 ليتراً في اليوم حالياً، الاستحمام لمدة ثلاث دقائق فقط في اليوم.اليوم، كيب-تاون، وغداً لوس-انجلس، وسان-باولو، وجيبور في الهند، دار السلام في تنزانيا ومدن في وسط وشمال أفريقيا، ومئات من مدن أخرى في العالم تنتظر اليوم صفر. تتحدث المجلة العلمية Nature Sustainbility Journalعن مصير سيئ ينتظر أكثر من 233 مليون شخص في العالم من الآن إلى عام 2050 في المدن الكبيرة، فيما تحذر الأمم المتحدة من أن ندرة المياه قد تؤدي إلى تهجير 700 مليون شخص في أماكن متفرقة بالعالم بحلول عام 2030. وبحسب المجلة المذكورة فإن النمو السكاني لا يتوقف في المدن الكبيرة فيما الطلب على المياه يزداد 80 بالمئة في نهاية النصف الأول من القرن. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، يعاني أربعة أشخاص من بين ستة في العالم اليوم من نقص في المياه بسبب موجات الجفاف المتصاعدة التي تؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه العذبة أو تسهل سيلانها نحو البحار والمحيطات. ويزداد مع الانحسار المائي، عدد سكان المعمورة بشكل ملحوظ، حيث تتراوح معدلات النمو من 60 بالمئة إلى 92 بالمئة بحلول نهاية القرن. وتتحمل المدن العبء الأكبر، ذاك أن 54 بالمئة من سكان العالم يعيشون فيها، مع أنها فشلت في توفير مرافق الغذاء والشرب والصرفي الصحي لمواكبة هذا النمو السكاني. ففيما لا تتجاوز فيها نسبة المياه الصالحة للشرب واحد بالمئة من المجموع الكلي للمياه العذبة على الكرة الأرضية، تفوق نسبة سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 5 بالمئة من سكان العالم. وهي بالتالي من المناطق التي تعاني من نقص حاد في المياه، وتنخفض فيها نسبة الفرد سنوياً بشكل ملحوظ. إذاً، نحن في الدائرة الحمراء وانتظار (اليوم صفر)، بسبب موجات جفاف عنيفة شهدتها المنطقة في العقد الأخير من القرن المنصرم والعقد الأول من القرن الحالي. ولم تشهد المنطقة، حسب تقرير كشفت عنه وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عام 2016، مثل هذه الموجة منذ تسعمئة سنة، والتي أدت إلى تراجع كبير في المياه العذبة. وبحلول عام 2025 ستكون امدادات المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 15 بالمئة فقط مما كانت عليه قبل ستين عاماً. أما اليوم فيعيش 60 بالمئة من أكثر سكان العالم فقراً بالمياه، في هذه المنطقة.وبما أننا أمام مصير لا يفصله سوى الزمن عن واقع المدن العطشى في العالم، ماذا يمكن ان نفعل من أجل إبعاد الظمأ عن مستقبل مدننا، وفيها، حياة الأجيال القادمة؟ كيف يمكن تجنب حروب داخلية وإقليمية من أجل الحصول على المياه، هل هناك خريطة طريق لزرع الطمأنينة وعدم حصول تغيير سكاني من شأنه خلق فوضى عارمة بين السكان في المنطقة؟ هل أصبح الانتظار أمام الصنابير العامة أو نقاط يحددها الجيش، كما في كيب تاون، للحصول على قربة من المياه، صورة من صور حياة أجيالنا القادمة وما هي سبل النجاة منها؟ هل أصبحت الهجرة وترك الأوطان التي طالما تغنينا بها، خياراً من خيارات الارتواء؟ هذه ليست أسئلة مستقبلية لصناعة فيلم خيالي عن مدن عطشى متخيلة، بل أسئلة واقع مرئي نرى ملامحه في كل شيء: أنهار جُفت، مناطق خضراء تصحرت، أمطار غريزة قلّت، بلدات صغيرة أصبحت مدن كبيرة يزداد فيها الطلب على المياه والغذاء أضعاف مضاعفة؛ إنما لا زالت شبكات الصرف الصحي فيها قديمة وتتسبب بهدر كميات كبيرة من المياه العذبة، الاستمرار في الري بأساليب قديمة وتلوث الأنهار، ناهيك عن تحكم الحكومات بمنابع المياه من خلال بناء السدود وتغيير اتجاهات الأنهار الطبيعية.إضافة على كل ذلك، يرتبط هذا المستوى المخيف من النقص في المياه، والذي وصلت اليه مناطق كثيرة في العالم بمعدل هطول الأمطار وتوزيعه السيء في فصول السنة إذ يتسم بالعنف أحياناً مما يحول دون ملئ الخزانات الجوفية، وذلك بسبب التغيير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري أو الإحترار الكوني. والمثال الأبرز في هذا السياق هو كُردستان العراق، حيث تأخر عنها هطول الأمطار الموسمية هذا العام إلى شهر شباط/فبراير، فيما البداية الطبيعية هي شهر تشرين الأول وتشرين الثاني من كل عام، وكذلك الحال بالنسبة للمغرب في شمال أفريقيا اذ تميز شتاؤها بجفاف في السماء وعلى الأرض. تالياً، فإن أزمة المياه الحالية تستوجب إلزام الحكومات والمجتمعات والاعلام على تسخير جميع الوسائل المتاحة للبحث عن حلول من شأنها ادامة إدارة المياه ومواجهة الجفاف، وذلك من خلال تحديث شبكات التوزيع لمياه الشرب والصرف الصحفي، ناهيك عن حماية الأنهار من التلوث والاستخدام البشري المفرط، إعادة التدوير لأغراض الصناعة والسقي واعتماد التكنولوجيا الحديثة للري والزراعة، وتخزين ما يمكن من الأمطار الموسمية. إضافة الى كل ما ذكر، تحتاج المنطقة اليوم إلى تشريعات جديدة لقَوننة المياه وتوفير سبل حمايتها محلياً واقليمياً، مع الأخذ بالاعتبار البحوث العلمية حول أزمات المياه القادمة وقدرتها على شلّ التنمية والغذاء والصحة والسلم؛ وحماية المدن من اليوم صفر.

إقرأ أيضاً