fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

الصراع على الزعامة الشيعيّة في لبنان (2)

وصل موسى الصدر إلى لبنان على دفعات:

قبل وفاته في 1957، كان الإمام عبد الحسين شرف الدين، المرجع الشيعيّ المقيم في مدينة صور، والذي أسّس فيها “الكلّيّة الجعفريّة”، قد اختار قريبه الإمام موسى الصدر للحلول محلّه في مدينته. هكذا عاد رجل الدين الشابّ من إيران، التي انتقل إليها أجداده، إلى مسقط رأس العائلة في جنوب لبنان.

لم يكن الكثير معروفاً عن الوافد الجديد. سلوكه كان كافياً للقطع بعدم انتمائه إلى التقاليد الجذريّة والمتعصّبة التي عُرف بها بعض رجال الدين الشيعة الإيرانيّين. لقد شابهَ تقاليد أخرى لرجال دين آخرين تراوحت آراؤهم بين تجنّب السياسة ونصح الحاكم لما فيه “إصلاح الحكم” و”خير المحكومين”.

وتبعاً لقلّة المعرفة به، راحت الألسنة تتداول أخبار الصدر في صوْر، بالقليل منها الذي يُدينه حتّى الفضائحيّة، والكثير الذي يمدحه حتّى التمجيد. هناك بدأ يبني قاعدة ترافقَ بناؤها مع بناء صورة له، صورةٍ داخلتْها أفعالٌ متسامحة دينيّاً وطائفيّاً، وأخرى هدفها إيواء المتسوّلين والمشرّدين في المدينة، كما شابَتْها مبالغاتٌ، في الإيجاب وفي السلب، تهمّ أن تصير أساطير.

وضع الزعامات الشيعيّة المُزري كان يحضّ الشيعة على التبرّك بهذا العائد إلى أهله نقيّاً مُبرّأً من أفعالهم. والآتون من أمكنة مجهولة وبعيدة غالباً ما يتسلّحون ببُعدهم، فيرتفعون فوق النزاعات، لابسين وجه الحياديّ المتعالي على المتنازعين إبّان “جاهليّةٍ” ما. هذا ما يمنحهم منصّة تحكيم لا يملكها المقيمون المتورّطون في الوضع القائم. ثمّ إنّ الشهابيّة، ببعثة إيرفد واهتمامها بالأطراف والأجواء التنمويّة التي أثارتها، شجّعت على الجديد والعادل والإنجازيّ حتّى لو جاءت من رجل دين.

هكذا بدأت رحلة الصدر الثانية من صور إلى عموم الطائفة، ومنها إلى لبنان. المدينة الساحليّة التي استقرّ فيها ضاقت عليه، وما دام لبنان ينطق بألسنة الطوائف، بات رجل الدين أقرب إلى خبير مُحلّف في هذا العالم الجديد. ذكاؤه ودقّة ملاحظته وقلّة ثوابته الإيديولوجيّة سرّعت استيعابه لتركيبة طائفيّة تمرّدت على استيعاب الكثيرين.

السحر والواقع

لقد لاح الصدر لجمهوره الصوريّ ساحراً، ثمّ وسّعت الأعوام اللاحقة نطاق سحره ورقعة اشتغاله. فإلى غموض المصدر الإيرانيّ، انضاف غموضٌ متعدّد المصادر تأتّى عن لكنته الفارسيّة، وعن خصلة الشعر المُغوية التي تظهر من تحت العمامة، فضلاً عن الهيبة التي يُضفيها طول جسده الملفوف باللون الأسود. لكنّ الساحر، بفعل مهنة السحر نفسها، قد يُعلن ما لا يُضمر، وقد يُظهر ما يُخفي، وهذا ما حرّض الكثيرين على الإمعان في التكهّن بصدد الصدر، حذراً منه أو اطمئناناً إليه.

البيئة السنّيّة لم تتأخّر في إبداء الحذر. لقد تردّد أنّ المفتي حسن خالد مستاء ممّا يتبدّى صحوة شيعيّة يُحدثها الصدر: ذاك أنّ دار الفتوى والمجلس الشرعيّ الإسلاميّ الذي يرأسه المفتي، فيما تقتصر عضويّته على وجوه سنّيّة، إنّما يحتكران سلطة البتّ في الأمور الدينيّة والمذهبيّة للشيعة اللبنانيّين. الاستياء شمل أيضاً السفير المصريّ عبد الحميد غالب، ربّما بسبب إيرانيّة الصدر إبّان احتدام الخلاف بين القاهرة الناصريّة وطهران البهلويّة.

مقابل هذا الموقف الذي يتراوح بين التحفّظ والعداء، فتح المسيحيّون أذرعهم للصدر الذي بادلهم الودّ بالودّ. جريدة “النهار” ساهمت مبكراً في ترويجه. “الندوة اللبنانيّة” راحت تستضيفه كمُحاضر دائم. خصوم الشهابيّة والناصريّة رأوا فيه حليفاً احتياطيّاً لهم قد يُخرج الشيعة من تحت المظلّة السنّيّة التي رأوها موصولةً بمصر. يومذاك كان التنافس المسيحيّ – السنّيّ هو العنوان الأوّل والمعنى الأبرز للطائفيّة. الشيعة كانوا غير محسوبين.

تعزّزت الوجهة هذه مع نهاية العهد الشهابيّ في 1964 وقيام العهد الهجين، شبه الشهابيّ، لشارل حلو. لقد راح الصدر ينتقل تدريجاً إلى صفوف المعارضين المسيحيّين، لا سيّما منهم ريمون إدّه وغسّان تويني. المفارقة كانت أنّ كامل الأسعد، الذي بات لاحقاً خصمه الأوّل والأبرز، كان يسلك طريقاً موازية لطريقه: في 1964 تحديداً بات، للمرّة الأولى، رئيساً لمجلس النوّاب، مُقصياً الشهابيّ صبري حمادة. الأخير، بدوره، صار أكثر تخفّفاً من التزاماته الشهابيّة بعدما اعتكف فؤاد شهاب.

في هذه الغضون، كانت أجواء الشيوعيّين تنافس بيئة الناصريّين على التشكيك بهذا الضيف الذي استثقلوه: “الصدر عميل الشاه”. “الصدر سي أي آي”. “الصدر رأس حربة لكبح النموّ اليساريّ”…، هذه بعض التّهم التي أحاطه بها المفتونون بالمؤامرات، وإن راحت بالتدريج تنكفىء إلى الغرف المغلقة وتصير همساً يُستحسن ألاّ يسمعه المعجبون المتكاثرون.

واقع الحال أنّ ما كان يبنيه “السيّد موسى” إنّما نهض على أسس صلبة: الهجرة كانت قد أنتجت أثرياء شيعة في أفريقيا، زارهم الصدر في أواسط الستينات أسوةً بما سبقه إليه رشيد بيضون وجعفر شرف الدين في جمع التبرّعات لـ “العامليّة” و”الجعفريّة”. الشهابيّة، بدورها، وسّعت الإدارة التي تستوعب كوادر شيعيّة فيما وثّقتْ ربط الأطراف بالمدن عبر تحسين البنى التحتيّة. الجامعة اللبنانيّة بدأت تطرح في سوق العمل أفواجاً شيعيّة من المتعلّمين الجدد…

تعبير “الحرمان” الذي استخدمه الصدر لم يكن دقيقاً إذاً. الأدقُّ كان الخروجَ الشيعيّ من “الحرمان” الذي يتطلّب تمثيلاً سياسيّاً جديداً يشبهه ويواكبه. ذاك أنّ زعماء الشيعة، وخصوصاً أبرزهم كامل الأسعد وصبري حمادة، لم يروا ما يحصل في الإدارة والجامعة والهجرة والبنى التحتيّة، ولا توقّعوا نتائجه الضخمة. لقد ظلّ التمثيل السياسيّ في مكان آخر، يستمدّ ذاته من ذاته. هذا ما ينبغي أن يتغيّر. هكذا تحدّث “السيّد موسى”.

مجلس للطائفة

الخطوة التي كان لا بدّ منها إنشاء مجلس مذهبيّ يرعى شؤون الشيعة ويستقلّون به عن السنّة. إنّها البداية الحتميّة لكلّ مسار لاحق. صحيح أنّ تلك البداية عزّزت لدى المفتي خالد والمحيطين به أسوأ مخاوفهم حيال الصدر، إلاّ أنّها كانت تملك من الحجج ما يصعب مقاومته في بلد تشكّل الطوائف وحداته الاجتماعيّة والسياسيّة. وبعد كلّ حساب، فإنّ الطائفة الدرزيّة، التي تعدّ جزءاً صغيراً من مثيلتها الشيعيّة، حظيت بمجلس كهذا منذ 1963.

في سعيه ذاك، حاول الصدر أن يجتذب إليه سياسيّي الطائفة وأغنياءها ووجهاءها وطامحيها، لكنّه حاول أيضاً أن يستقطب مثقّفيها وصحافيّيها ومتعلّميها والمحبطين بتجاربهم الحزبيّة السابقة، لا سيّما منهم القوميّين السوريّين الذين تحطّمت آمالهم مع الانقلاب الفاشل في 1961 – 1962، ولم يجدوا ما يخاطبهم في أحزاب اليسار وجماعاته. لقد كان مشروعاً يهجس بالعضويّة.

المجموعة الأولى من “الأنصار” بدأت تتجمّع حول “السيّد موسى” في أوائل الستينات، ضامّةً جنوبيّين وبقاعيّين، في عدادهم رئيس بلديّة شمسطار حسين الحسيني والتاجر والمستورد أحمد اسماعيل والمحامي أحمد قبيسي والمحامي والشاعر نجيب جمال الدين والصحافيّ حسين قطيش. وفي أواسط الستينات انضمّ إليهم المحامي نبيه برّي والمفوّض في الأمن العامّ مصطفى الحاجّ وسواهما، وكان دائماً الشيخ عبد الأمير قبلان على مقربة ممّا يجري.

وبالفعل، وفي وجه معارضة لا تعوزها الشراسة، أُقرّ، في 15 آب (أغسطس) 1967 القانون الذي قضى بإنشاء مجلس للشيعة هو “المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى”. رئيس الجمهوريّة شارل حلو ما لبث أن أضاف تصديقه. المجلس الذي اختار مقرّه في الحازميّة، “المسيحيّة”، وُلد بعد شهرين على هزيمة حزيران (يونيو) الشهيرة، وتصدّع هيبة جمال عبد الناصر. نقّاد المجلس الجديد أغراهم الربط بين الحدثين والتحذير من أنّ هزائم صغرى كثيرة تنتظرنا بسبب تلك الهزيمة الكبرى. الصدر، المهتمّ بنزع الألغام من طريقه، زار القاهرة في 1969 بذريعة انعقاد المؤتمر الخامس لـ “مجمّع البحوث الإسلاميّة”. هناك التقى عبد الناصر، لكنّ اللقاء انتهى صورةً في الصحف أكثر منه حدثاً. الزعيم المصريّ ما لبث أن توفّي، فأقام المجلس الشيعيّ “مجلس فاتحة” عن روحه، ثمّ زار الصدر القاهرة مرّة أخرى للمشاركة في جنازته.

 

 

إقرأ أيضاً:

الصراع على الزعامة الشيعية في لبنان )1(

 

 

إقرأ أيضاً